ٍّدواعي التأليف المعجمي ووضع المصطلحات

دواعي التأليف المعجمي ووضع المصطلحات.

moudjam moufacal web
وضع مصطلحات العلوم وعناوين البحوث والكتب ليس هينا، وقد يقتضي من الكاتب والباحث تفكيرا وروية قبل أن يرسو على عنوان أو مصطلح لائق ومناسب لما هو مقبل على البحث والتنقيب فيه، وهذا المصنف الذي وضعناه في مفردات َ علم النفس والتربية ـ مما لابد للطالب أن يتعرف عليها ـ قد تجاذبنا فيه مصطلحان هما القاموس والمعجم، وأيهما يناسب محتوى هذا الكتاب، ولذا عدنا إلى مفهوم كل منهما، مع مراعاة مضمون كتابنا، وجعلنا شطرا من هذه المقدمة للتعريف بكل من المعجم والقاموس توضيحا لاختيارنا ورفعا لكل لبس أو اعتراض من القارئ.
مفهوم المعجم ومحتوياته:
ـ تطلق لفظة (المعجم ) بمعناه العام على كل قائمة تحتوي مجموعة من الكلمات من أية لغة مع مراعاة ترتيب هذه المادة بطريقة معلومة ـ سنذكر بعضا من هذه الطرق المشهورة في تأليف المعاجم والقواميس عند العرب وعند غيرهم
من الشعوب ـ وتلك المادة يتم تفسيرها بذكر معناها الحقيقي وأحيانا المجازي إذا اقتضى الأمر، مثل معجم أساس البلاغة لصاحبه الزمخشري مؤلف تفسير القرآن المشهور المعروف بالكشاف، وصاحب كتاب المفصل في اللغة الذي شرحه ابن
ُ يعيش، وهو من أشهر كتب اللغة والنحو العلمي. كما قد يعنى المعجم بذكر معاني الكلمات أو معاني مشتقات تلك الكلمة في جذرها الأصلي واستعمالاتها المختلفة، ً ويشمل هذا التعريف للمعجم جميع أنواع المعاجم المعروفة عند الباحثين، سواء
كانت لهدف علمي خالص، أو لهدف تعليمي، ومنها هذا المعجم الذي وضعناه مثل المعاجم التي تتناول مفردات وكلمات ومصطلحات مستقاة من علوم أو نصوص قد  يصعب فهمها، فيستعين المتعلم وكذا الباحث بما يحويه المعجم من معلومات
لفك رموز تلك المصطلحات الخاصة بذلك الميدان.
الحـاجة إلى المعجم
إن حاجتنا اليوم شديدة إلى مثل هذه المعاجم لتكون عونا وأداة يوظفها الطالب ويستعين بها لفهم العلوم، وتذليل مصطلحاتها، خاصة العلوم التي تعتمد على الترجمة من اللغات الأخرى ـ غير العربية ـ فيكون لزاما على الأستاذ أن يبحث عن المقابل بالعربية، وكذلك يعمل على شرح المصطلحات وتقريبها إلى الطالب باللغة التي نقلت إليها أي العربية.
إن الحاجة إلى استخدام المعجم اللغوي ضرورة دائمة بالنسبة إلى دارسي اللغة وكذلك طلاب الفروع العلمية والتقنية للتمكن من مصطلحات العلم وتيسير ذلك العلم.
إن النصوص تحتوي مفردات، ربما لا تكون قد دخلت إلى مجال معرفة القارئ المنتمي إلى ذلك الفرع أو التخصص من المعرفة، فإذا به يفتقد المعين الذي يبسط له المفردات ويذلل له الصعوبات، وهنا يلجأ إلى المعجم المتخصص ينير أمامه الطريق،
ويعينه على تصور المعنى المراد من اللفظة في ذاتها، وفي سياقها.
وقد لوحظ انصراف كثير من المتعلمين عن استخدام المعجم المتخصص لحل مشكلاتهم المعرفية، وهو موقف نشأ عن ضعف علاقة المتعلمين باللغة من جهة، وعن ضعف بعض المعاجم وابتعادها عن متطلبات القارئ والطالب والباحث من جهة
أخرى، واكتفاء أصحابها الذين وضعوها بأمور معرفية عمومية، وأحيانا الاكتفاء بتعريب بعض المصطلحات دون تكلف عناء البحث عما يقابلها في اللغة العربية، أو وضع مصطلحات عربية بوساطة أدوات عربية مثل: الاشتقاق بأنواعه، مثلما كان علماؤنا
القدامى يفعلون في ترجمة العلوم إلى العربية، خاصة في العصر العباسي وكذلك  بداية العصر الحديث أيام محمد علي باشا في مصر. كما أن أغلب هذه المعاجم لا تولي الشرح عناية وتكتفي بالتعريب أو بوضع المقابل العربي.
صناعة المعاجم عند العرب و غيرهم من الغرب
مازالت معرفة الباحثين العرب بالصناعة المعجمية ضعيفة ـ رغم أسبقيتهم وتفوقهم في هذه الصناعة ـ حيث تذكر لنا المراجع وكتب الأعلام أن الخليل بن أحمد الفراهيدي هو أول من وضع معجما في مفردات اللغة بطريقة علمية منهجية
فاق بها كل الباحثين قبله المنتمين إلى الشعوب السابقة إلى الحضارة والتأليفُ المعجمي. وقد ألف الخليل كتاب العين، ولم ي َ س ِّ م ِ ه معجما بل سماه كتاب العين، نسبة إلى الحرف الأول الذي بدأ به معجمه لأن المصطلح آنذاك لم يكن معروفا،
ً وقام بترتيب مادته اللغوية على مخارج الحروف بدءا من أقصاها مخرجا من الحلق
ووصولا إلى أدناها مخرجا من الشفتين وهو ترتيب عجيب في زمانه آنذاك، يعبر عن معرفة علمية بمخارج الحروف التي لم تهتم بها اللسانيات في أوروبا إلا في بداية القرن التاسع عشر بل القرن العشرين ـ مع الإشارة أن الهنود قد قاموا ببعض
البحوث في اللغة السنسكريتية خدمة لكتابهم المقدس المعروف ـ فيدا ـ بغرض قراءته وإنشاده، ولكنه جهد لا يمكن موازاته ومقارنته بعمل الخليل بن أحمد أبدا.
عند الغرب: يهتم الأوروبيون كثيرا في القرون المتأخرة بصناعة المعاجم والتأليف َّ المعجمي في كل العلوم لاعتقادهم الراسخ أن المعجم مؤ ّ ل ٌ ف ِ ع ْ ل ِ م ٌّ ي كغيره من المؤلفات التي يجب قراءتها،ولو للتثقيف فقط، فهل يوجد عندنا اليوم من الطلبة، بل
َ الباحثين م ْ ن يتصفح المعجم للتثقف؟ لو ألقينا نظرة سريعة على المعاجم الأجنبية لأصابتنا الدهشة من كثرتها وتنوعها
وطرائق تأليفها، ومتابعتها لكل جديد، أي تحيينها، وجماليتها مع بساطة البحث في محتوياتها، فيتهافت عليها القراء، يقتنونها ويتعلقون بها، ويستشهدون بها في  كتاباتهم وأحاديثهم.
فقد ألف الإنجليز مثلا: معاجم وقواميس في أغراض وعلوم متنوعة، لتحقيق الأهداف الكثيرة المختلفة، منها على سبيل التمثيل لا الحصر معجما علميا يحصي الكلمات ويتتبعها تاريخيا هو ( .)Dictionaries istorical Scholarityوهذا يشبه ما قام
به علماؤنا قديما في معاجم فقه اللغة، ككتاب فقه اللغة للثعالبي الذي استشهدنا ببعض ما ورد فيه في معجمنا هذا، ولكننا اليوم لا نجد ما يماثل هذه المعاجم شيئا يمكن ذكره.
وأشهر المعاجم أو القواميس في اللغة الانجليزية قاموس أكسفورد (English Dictionary Oxford .م1933 ) طبع أول مرة سنة
وهناك نوع آخر من المعاجم والقواميس المتخصصة، تضم في طياتها المصطلحات المستعملة في فروع المعرفة المختلفة، كالمصطلحات في البيولوجيا (علم الأحياء)، والطب والهندسة والكيمياء وعلم الطيران، والفلاحة والأنثربولوجيا (علم الأجناس
البشرية)، والعلوم الطبيعية والرياضية وعلم النفس وعلوم التربية وغيرها من العلوم.
ولا شك أن الحاجة ماسة إلى استخدام المعجم في كل مراحل الدراسة. فالتلميذ الصغير تقابله كلمات صعبة في أحيان كثيرة، قد يقف أمامها حائرا، والباحث كذلك كثيرا ما تصادفه كلمات غريبة تحتاج إلى البحث والكشف عن مدلولاتها المختلفة،
مع التذكير أن تحديد مدلول الكلمة يساعد على وضوح الفكرة المتضمنة في العبارة، ويؤدي ذلك إلى الفهم العلمي السليم الذي يدفع بالمعرفة خطوات إلى الأمام.

 

من كتاب ” المعجم المفصل في علم النفس و علوم التربية” تأليف الدكتور عبدالقادر لوريسي و الدكتور محمد زوقاي

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2015

عن دار جسور

تعليق واحد

  1. عمل جبار من طرف الكاتب. أرجو أن يثمن و يشهر خدمة للكتاب و تشجيعا للمؤلف.
    شكرا لدار جسور.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*