مسألة التـاريـخ عـنـد الإمام ابن باديس- الدكتور مولود عويمر

تحاول هذه الدراسة البحث عن تصور ابن باديس لمسألة التاريخ ومدى أهميته في بناء مشروع إصلاحي في ظروف تتحكم فيها دولة مستعمرة عانت نفسها من إشكالية التاريخ والهوية بعد هزيمتها في حرب 1870م مع دولة فتية (ألمانيا).

وقد انتصرت ألمانيا بفضل عزيمتها على استعادة مجدها، وبناء مستقبل قوي استنادا على تراثها العريق. وبدأت فرنسا فعلا في تفعيل حركة الكتابة التاريخية لبناء هوية غالبة، بإصلاح مناهج التعليم وإصدار سلسلة من الكتب والمجلات التاريخية التي مازالت بعض منها تصدر إلى اليوم.

وهذا المفهوم للتاريخ المعبر عن الشعور الوطني والمحرك للتحرر والمؤسس لمشروع النهضة[1] هو الذي حدد أسلوب تعامل ابن باديس مع التاريخ والكتابة التاريخية، فاستقدم الماضي لفهم الحاضر وبناء المستقبل. فهو ينطلق من فكرة المؤرخ بيساه شينار وهي أن: “أي مجتمع يعيش حركة تحريرية أو تغير في نظام حكمه أو تغيرات اجتماعية لابد أن يصاحب هذا أو يسبقه أو يتبعه إعادة نظر في تاريخ هذا المجتمع”[2].

 

التاريخ والوعي التاريخي:

التاريخ بمعناه العام “هو دليل وجود الأمة، وديوان عزها، ومبعث شعورها، وسبيل اتحادها، وسل رقيها.”[3] وبمفهومه الأكاديمي هو دراسة لنشاط الإنسان في الزمن، وتحليل الأحداث النابعة من عمق المجتمع الواعي بذاته، والمدرك لرسالته الحضارية.

أما الوعي التاريخي فهو “حالة متقدمة في مجال المعرفة التاريخية وامتلاك القدرة على ممارسة التدوين التاريخي فالوعي التاريخي هو حالة أكثر تقدما من الحس التاريخي لجماعة أو أمة من الأمم. ونرى أن الكتابة التاريخية لا تتحقق قبل تحقق الوعي التاريخي عند أمة أو جماعة.‏”[4] فهو يقظة داخلية تبحث عن الذات، وتتساءل عن انتمائها الحضاري وهويتها الثقافية، ومصيرها المجهول في الحاضر والمستقبل، وإن “الكوارث القومية” كما يرى بعض المؤرخين كالدكتور قسطنطين زريق[5] والدكتور عبد الله العروي لها دور حاسم “في خلق الوعي التاريخي” لأن “عدم إدراك أسباب الكوارث أنكى وأضر بالشعوب من المصائب في ماديتها”.[6]

وتزداد أهمية هذا التساؤل الذاتي في الجزائر، أين يعيش المسلم الجزائري حالة المستعمر، فشلت كل محاولاته السابقة السياسية والعسكرية في التحرر من الاحتلال الاستعماري الفرنسي.[7]

ويؤدي التاريخ وما حوى من إنجازات وإخفاقات إلى تحويل هذا الشعور النفسي إلى وعي ورشد يحمل مجتمعا ما أو أمة ما إلى قراءة لمختلف أطوار حياتها، وماضيها وإنجازاتها، لتتحرك في الواقع، وتتوجه بثقة نحو المستقبل. بينما يرى المفكر المغربي الدكتور عبد الله العروي أن الهدف من الوعي التاريخي هو ليس استرجاع للماضي، وإنما محاولة التغلب عليه وتجاوزه.[8]

مصادر ابن باديس التاريخية:

في مقال نشره ابن باديس في عام 1937م[9] بيّن فيه فلسفة دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وحدّد أصولها ومنابعها الأساسية. ويهمنا هنا بالدرجة الأولى أصولها التاريخية. ففي البند الخامس، أكد على التزام الجمعية بـ “سلوك السلف الصالح – الصحابة والتابعين وأتباع التابعين – تطبيق صحيح لهدي الإسلام.” وركز في البند السادس على “فهوم أئمة السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنة”.

فيعتبر ابن باديس نفسه حلقة في سلسلة طويلة تستمد مرجعيتها الفكرية ومنهجها في التغيير من مصادره الأولى وهي الوحي ثم التراث العلمي الذي أنتجه العقل المسلم عبر أجيال من العلماء والمصلحين. فهو سلفي المرجعية ومجدد المنهج في تعامله مع الواقع الجزائري.

كانت تتنافس في الجزائر نزعتان: نزعة إبادة هذه الأمة ونزعة إدماج ومسخ هذا الشعب في الأمة الفرنسية حتى تقضي عليها. فالتحدي مضاعف. ولعل الاحتفالات الصاخبة بذكرى المئوية باحتلال الجزائر كان مثالا على هذا التحدي الذي استجاب له العلماء الجزائريون، وأثبتوا لفرنسا أن الجزائر العربية والمسلمة حية لا تموت.

وقد أصدر ابن باديس بيانا بمناسبة الاحتفال بذكرى احتلال قسنطينة، بين فيه أن الأمة الجزائرية بقيت حية رغم مرور قرن من الاستدمار.

ويرى ابن باديس أن المعركة بين المستعمر والمستعمر تلعب في ملعب التاريخ. فقد حارب الاستعمار الفرنسي كل ما يذكر الجزائريين بانتمائهم العربي الإسلامي، وقدم عبّر العديد من المثقفين الجزائريين عن غربتهم في وطنهم، وجهلهم لتاريخهم وماضيهم بسبب محاربة الاستعمار للتعليم العربي في الجزائر. “إن من جنايات الاستعمار الأوروبي على البشرية أنه قلب حقائق التاريخ على الناس، فقد صور الأمم التي ابتليت به وأصيبت بشره، بصور من الهمجية والوحشية والتأخر والانحطاط لا أبشع منها، ذلك ليبرر استيلاءه عليها، ومن عليها بما زرعه فيها عمران، وإن كان هو المستغل لذلك العمران والمستبد به.”

ويضرب ابن باديس مثالا على ذلك وهو يتمثل في تشويه الأمريكيين لتاريخ الهنود الحمر ويربطه بتشويه فرنسا لتاريخنا وهو تشويه لا يقل شرا عن الأول. فيأتي كتاب أحمد توفيق المدني “محمد عثمان باشا” ليدحض مزاعم بعض المؤرخين والمثقفين والسياسيين الفرنسيين الذين قدموا صورا سوداء عن الجزائر في عهد الحكم العثماني، ويبيّن “ما كانت عليه الجزائر من القوة والعمران قبل الاحتلال الفرنسي، وما أصابها من التخريب والتقتيل أيام الاحتلال وبعيد الاحتلال، ناقلا له من كتب ووثائق فرنسية لا غبار عليها.”

شواهد كثيرة[10] ودراسات متعددة[11] تؤكد على اهتمام ابن باديس بالتاريخ وهو طالب في تونس متأثرا بأستاذه البشير صفر الذي كان له الفضل في اطلاع ابن باديس على تاريخ أمته ووطنه، وبث في الروح “التي جعلت منه عالما مصلحا.[12]

واهتم ابن باديس بالتاريخ كمدرس، فقد درس هذه المادة لطلبته بالإضافة إلى العلوم اللغوية والشرعية. فذكر تلميذه محمد المنصوري الغسيري أن دروس ابن باديس “ترتكز على محاضرات في التاريخ العربي الإسلامي، والنهضة الإسلامية الحديثة، والدروس الدينية الصافية.”[13]

ومن أهم هذه الكتب المقررة في دروسه نذكر: سيرة ابن هشام ومقدمة إبن خلدون، والعروى الوثقى للإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وتاريخ العرب للمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون.

وأريد أن أتوقف قليلا هنا عند تأثيرات إبن خلدون. فقد حرص ابن باديس على تدريس فصول من كتاب “المقدمة” على تلامذته الأصفياء بعد صلاة الفجر بعيدا عن أعين الاستعمار التي تغفل في هذا الوقت المبكر.

والسؤال الذي نريد أن نطرحه هنا هو: هل اكتفى ابن باديس بتدريس “المقدمة” من باب نشر الثقافة الإسلامية بين صفوف تلامذته، أم أنه كان هو نفسه متأثرا بابن خلدون؟

كان ابن باديس متأثرا بالفكر الخلدوني ويظهر ذلك بوضوح في كتاباته، فلنقرأ هذه السطور التي سينسبها القارئ إلى ابن خلدون لو حذفنا اسم كاتبها الحقيقي، وهو ابن باديس، لتشابه الألفاظ وتقارب المعاني: “من المعروف في تاريخ الأمم والأجيال أو الناس في كل جيل وكل أمة يختلفون في درجات المدنية والرقي، فتوجد فيهم الطبقات المنحطة، وأكثر ما تكون في دواخل البادية، وتوجد فيهم الطبقة الراقية، وأكثر ما تكون في المدن والقرى. والبادية – كما هي مصدر غذاء الحاضرة المادي كذلك هي مصدر غذائها الاجتماعي والفكري، فلا تزال البادية تدفع بالأفراد والجموع منها الأقوياء الأبدان المتان الأخلاق السالمي الفطر، إلى الحاضرة فيجددون فيها ما أضعفته المدنية من أبدان، وما أفسدته من أخلاق، وما شوهته من فطرة، ولا تزال الحاضرة – في مقابل ذلك- تبعث بأشعة علومها وتهذيبها إلى البادية فتنيرها وتستحث أهلها على اللحاق بطبقات الراقين المتمدنين. هكذا الحال ولا يزال بينهما دواليك”[14]

وكذلك يظهر هذا التأثير الخلدوني في قول ابن باديس: “العدل هو أساس الأمن والسلام.”[15]وهي مقولة تشبه مقولة ابن خلدون الشهيرة: “العدل أساس الملك”. وكثيرا ما ردد ابن باديس مصطلح “العمران”.

وفي وصفه لكتاب أحمد توفيق المدني يقول عنه: “عرض للتاريخ بين دلائل العلم ومناهج الفن”.[16] ونحن نعرف أن ابن خلدون هو أول من أطلق مصطلح الفن على التاريخ في مقولته الشهيرة التاريخ “فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية”.[17]

[1]مولود عويمر. فكرة التاريخ عند مالك بن نبي. مجلة رؤى، باريس، العدد 20، 2003.

[2]مازن مطبقاني. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية (1931-1939). دار القلم، دمشق، 1988، ص104-105.

[3]مبارك الميلي. تاريخ الجزائر في القديم والحديث. مكتبة النهضة الجزائرية، الجزائر، ج1، ص 9.

[4]سالم أحمد محل. المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب. الدوحة، 1997، كتاب الأمة، العدد 60، ص 38.

[5]قسطنطين زريق. نحن والتاريخ. دار العلم للملايين، بيروت، 1963.

[6]عبد الله العروي. العرب والفكر التاريخي. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1998، ص95.

[7]مولود عويمر. أعلام وقضايا في التاريخ الإسلامي المعاصر. دار الخلدونية، الجزائر، 2007، ص 100.

[8]عبد الله العروي. ثقافتنا في ضوء التاريخ. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2002، ص10.

[9]عبد الحميد بن باديس. دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. البصائر، العدد 71، 6 ربيع الثاني 1356 هـ/ 18 جوان 1937.

[10]محمد المنصوري الغسيري. صورة من حياة ونضال الزعيم الإسلامي والمصلح الديني الشيخ عبد الحميد بن باديس. باتنة، 2006، ص 89-91.

[11]أحمد الخطيب. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر. المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985؛ محمد دراجي. الحركة الإصلاحية في الجزائر. رجال وأفكار. دار قرطبة، الجزائر، 2008، ص55؛

Ali Merad. Le réformisme musulman en Algérie. Ed El Hikma, Alger, 1999, p249-251.

[12]الشهاب، مج 13، ج5، جويلية 1937.

[13]الغسيري، المرجع السابق، ص119.

[14]الشهاب، العدد 23، 22 أفريل 1926.

[15]الشهاب، العدد 23، 22 أفريل 1926.

[16]عمار الطالبي. إبن باديس حياته وآثاره. دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983،ج5، ص 502.

[17]عبد الرحمان بن خلدون. المقدمة. دار الفكر، بيروت،1996، مراجعة الدكتور سهيل زكار، ص 13.

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*