مدخل إلى “العجائبية في أدب الرحلات” -جزء2 – للدكتور يوسف وغليسي

إننا نتساءل: إذا كان أحمد بن فضلان فقيها عارفا ومجادِلاً مقْنعا وكاتبا متمكنا (على نحو ما تبرزه اللغة الإبداعية الفنية العالية التي كتب بها رحلته )، إلى درجة تأهيله لقيادة وفد حضاري بهذا الحجم، في رحلة تاريخية على هذا المستوى ، فلماذا غيَّبته المصادر التاريخية إلى هذا الحد ؟! ولماذا لا نجد ذكرا لهذه الرحلة العظيمة في (تاريخ بغداد) أو(تاريخ الخلفاء)أو غيرها من أمهات الكتب التاريخية ؟!

Capture

لماذا يعْقد السيوطي مَسَارد لأشهر الأموات في عهد كل خليفة ضمن (تاريخ الخلفاء) لا نجد فيها إيماءً إلى ابن فضلان ؟!

لماذا يثني ياقوت الحموي على ابن فضلان، في (معجم البلدان)، ويأخذ عنه ، ويصف رحلته بالقصة المشهورة، ثم يسقطه من (معجم الأدباء) المؤلَّف بعد (معجم البلدان)، ولا يذكره حتى في “طبقة الموالي”؟!

ولماذا لا يُشار إلى ابن فضلان – قطعا – خارج الحديث عن ذلك الوفد المرسَل إلى بلاد الروس والصقالبة  ؟!

أليس من الحيْف على ابن فضلان ، والجوْر على رحلته، أن يغمط حقّه عربيا في وقت تعده روسيا والدول الاسكندنافية جزء من تاريخها القديم ؟!….

لعلّ هذا ما تريد أن تقوله الخامسة علاوي في كتابها هذا الذي ينفرد بإعادة النظر في جملة من المسلمات الأدبية المتعلقة بالرحلة والرحالة وبأدب الرحلة عموما، بل يطرح رؤى بديلة وينافح عن أفكار جديدة .

ذلك أنّ الباحثة تخوض خوضا جريئا في جنسية أدب  الرحلة ، وتحاول أن تبحث عن موقع له ضمن نظام الأجناس الأدبية : هل هو قصة أو رواية أو سيرة ذاتية ؟ أو هو البديل العربي للقصة والرواية في أوروبا، كما يرى فؤاد قنديل في كتابه (أدب الرحلة في التراث العربي )؟ لتنتهي إلى أنه “ملتقى الفنون”؛ فهو نمط خاص غير مستقل بنفسه ، بل شكل متقدم مما يعْرف اليوم بتداخل الأجناس الأدبية، أو “الكتابة ضد التجنيس” كما يسميها معجب الزهراني ….

كما أنها تدْلي برأي نقدي شُجَاع يقضي بإخراج الرحلة الخيالية من حظيرة أدب الرحلة  وتُعيد التأريخ لأدبية الرحلة بالقرن الرابع الهجري (مع ابن فضلان الذي قال عنه محقق رحلته سامي الدهان إنه: لا يبتعد عن أسلوب الأديب ولا يتقرّب من أسلوب الجغرافي)، وليس القرن السادس كما جرت العادة ؛ إذ إنّ المبحث العجائبي في أدب الرحلة لم يقترن بابن فضلان بقدْر ما اقترن بالغرناطي وابن بطوطة …  .

وفي رأي جريءٍ آخر (قد يكون محض تخمين !) تقول الباحثة بفارسية ابن فضلان! ، الذي لا نعرف عنه – في الأصل – أكثر من أنه موْلَى؛ وحجتها في ذلك أنّ الفضاء الإيراني لم يُثِره ولم يصفه في الرحلة ، وهي ملاحظة كان الدكتور عبد الله إبراهيم قد أومأ إليها في كتابه (المركزية الإسلامية)، لكنه لم يجرؤ على الوصول إلى تلك النتيجة ، بل اكتفى باندهاشه من أنّ “ابن فضلان يخترق العالم الإيراني دون أن يُبـدي تطلعـات استكشافية، لا يستوقفه منه شيء إلى أن يبلغ تخومه الشمالية الشرقية في بخارى…”(ص102).

لم يحسم التاريخ  – بعْدُ – في الجواب عن سؤال: إلى أين وصل ابن فضلان وعلى أي طريق عاد إلى بغداد ؟! .

لكنّ كتاب الخامسة علاوي متحمس جدا لإمكانية أن يكون طريق العودة هو نفسه طريق الذهاب، ولذلك فإنّ الرحالة لم يكن بحاجة إلى وصف ما جرى في طريق العودة، لانّ همه الأصلي ليس كتابة رحلة وإنما قيادة وفد، وإذن فالرجوع لا يحتاج إلى تدوين ، بل إنّ الورقة أو الورقتين الضائعتين من الرحلة كافيتان لتلخيص ذلك، وهذا تفكير منطقي – في تقديري – من شأنه أن يضع حدا لإشكالية العودة ومسألة الصفحات القليلة الضائعة من مخطوط الرحلة في وقت واحد.

ومن جهة أخرى فإن الباحثة تنكر المسار الاسكندنافي للرحلة، الذي يثبته آخرون كحيدرمحمد غيبة وعبد الله إبراهيم ، اعتمادا على رواية  (أكلة الموتى)   لمخائيل كريكطون.

وقد أُتيحَ لي – ذات لقاءٍ علمي حميم – أن أناقش الدكتور عبد الله إبراهيم في هذه المسألة ومسألة أخرى موصولة بها هي صورة ابن فضلان لدى الآخر، فأصرّ على تاريخية الرحلة إلى النرويج تحديدا (رغم أن  النرويج  لم تكن مبرمجة في الرحلة ، ورغم أنّ رحلة ابن فضلان  ليست رحلة تلقائية سياحية بل هي ” رحلة تكليفية “باصطلاح حسين محمد فهيم في كتابه” أدب الرحلات” )، وحجة عبد الله إبراهيم الوحيدة هي أنّ النرويجيين- اليوم- يعدّون رحلة ابن فضلان جزءً من تاريخهم، كما هي حال الروس المعاصرين الذين لا يعرفون أن أجدادهم كانوا يحرقون أمواتهم- على طريقة الهنود- إلا من خلال رحلة ابن فضلان !…  .

وفي مسألة موصولة بما سبق، ترفض الباحثة صورة ابن فضلان كما رسمتْها الأدبيات الأمريكية (كريكطون) وحوَّلتها إلى فيلمٍ شهير(كان العربي الأمريكي عمر الشريف بطلا له!)، هنا اختلفتُ مع عبد الله إبراهيم ثانية وسألته عن مدى مصداقية استخلاص الحقيقة التاريخية من رواية خيالية ذات مادة تاريخية ( كرواية “أكلة الموتى” )، فأجابني بأنّ الفراغ أو الجزء الضائع من رحلة ابن فضلان قد عُوِّض بمتخيل كريكطون!؛ فكأنّه يعترف بخيالية تلك الصورة لكنّه أثبتها في كتابه( المركزية الإسلامية – صورة الآخر في المخيال الإسلامي خلال القرون الوسطى)، من باب معرفة صورتنا في نظر الآخر، ليس إلا ….

وإلا فمن يصدّق أنّ ابن فضلان المرشد الديني ، الفقيه ، معلم الشرائع، سيصبح –في الرواية الأمريكية- مغنيا يتغنى بالقرآن وهو سكران – في محلّ يغصّ بالسكارى – حتى يفقد وعيه!، يشرب النبيذ ويشكر الله !، يُمارس المحرّمات مع الاسكندنافيات ! وهو الفقيه الغيور على دينه الذي ظلّ يحارب الاختلاط ويجتهد -كما قال في الرحلة- أن يستتر النساء من الرجال أثناء السباحة في النهر لدى الصقالبة ؟!

هل يُعقَل أن يَأتي في آخر الرحلة ما كان ينهى عنه في مطلعها ؟

وإذا سلمنا – جدلا – بأنّه فعل ذلك، ألم يكن يخشى أن يبلغ الخليفة ذلك؟ وهل يُعقَل أن يسكت الخليفةُ المقتدر عنه، وهو الذي صلب الحلاَّجَ وقتله ونكَّل به لمجرد أنه تفوَّه ببعض الشطحات الصوفية ؟!… .

إنّ وعْيَ صاحبة (العجائبية في أدب الرحلات) بمجمل هذه الاستفهامات التاريخية والفكرية الحادة قد انعكس على كتابها بالوضوح في الشخصية، والتميز في الطرح، وعدم الاستسلام لما سلَّم السابقون به. وقد ساعدها على ذلك الكم الهائل من المصادر والمراجع المتنوعة التي أتاحت لها الإحاطة بموضوعها من شتى الجوانب، و النظر إلى الجانب الواحد من زوايا مختلفة ، فكان هذا الكتاب كشفا جديدا في عالم (أدب الرحلة)  الذي  سيظل دائما في حاجة إلى كشف..

هذه بعض ثمار الرحلة العلمية الأولى، في حياة الباحثة الخامسة علاوي، وثمار الرحلات القادمات خيْرٌ وأحْلى وأغْنى وأغْلى إن شاء الله.

من كتاب ” في ظلال النصوص : تأملات نقدية في كتابات جزائرية” للكاتب يوسف وغليسي

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2009

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*