متى‮ ‬نعي‮ حقيقتنا‮ ‬ونتشبث‮ ‬بأصول‮ ‬سيادتنا؟

تثار في هذه الأيام ضجة إعلامية حادة، وتشن حملات عدائية رخيصة ضد قانون التعريب، الذي أفرج عنه أخيرا، وخرج إلى الحياة من جديد، بعد فترة إبعاد وتجميد دامت أكثرمن سبع سنوات (منذ صدوره) القانون الذي عرف اليتم منذ يوم ولادته  بموت المجلس الأعلى للغة العربية (المجلس الأول الذي كان يشرف عليه المرحوم الأستاذ مولود قاسم) وذهاب المجلس الشعبي الوطني، اللذين كانا من المأمول أن يحضناه ويرعياه، وعاش مع اليتم صنوف الهوان والإهمال منذ الصرخة الأولى (منذ خروجه إلى الوجود) .. وتمثل ذلك  الهوان  في المسيرات المضادة والكتابات الحاقدة والمواقف الرافضة، وأخيرا في القرار الرسمي الذي اتخذ بشأن تجميده وإبعاده عن الحياة وتعليق العمل به، إلى أن تتهيأ الظروف، فكأنه  ولد قبل الأوان وخرج إلى الحياة قبل أن تكتمل خلقته، لذلك وضع جانبا في انتظار توافر الشروط التي تؤهله للحياة، فكأن الزمن كفيل بتوفير الشروط الضرورية والرعاية المطلوبة التي تتيح للمولود الناشئ أن يكتمل نموه ويشتد عوده.

الوضع اللغوي الذي يراد له البقاء يتنافى وأصول السيادة:

وهكذا أقدمت السلطة – من غير تردد – على تجميد قانون شرعي تحت ضغط بعض الجهات التي لا تمثل إلا نفسها، وبتغليط مكشوف وتواطئ مفضوح من رئاسة الحكومة (أو على الأصح من رئيس الحكومة)* وتزكية المجلس الاستشاري في ذلك الوقت، ويعني الأمر بتجميد قانون التعريب الذي انتظرته الأجيال عقودا من الزمن، يعني إعطاء الحق للغة الفرنسية في أن تستمرفي ممارسة وظائفها في مجالات التعامل الرسمي وتواصل نشاطها كما لوكانت لغة وطنية ثانية، (ما تزال بعض التصريحات تشير إلى هذا المعنى).

وقد تساءل المواطنون يومها عن السبب الذي جعل الدولة تصدر قانونا يرمي إلى استرجاع مقوم من مقومات الشخصية الوطنية ورمز من رموز السيادة، ثم تأتي بعد عام وتصدر أمرا يقضي بتجميد هذا القانون وتعليق العمل به؟ فهل التعريب أمر مخيف إلى هذا الحد؟ وهل هناك أناس لم يعودوا قادرين على التفكير المنطقي السليم؟ فراحوا يضعون أوهاما، أو يتخيلون أشياء لا وجود لها ؟ كل الإجابات ممكنه.

وإلا فلماذا تثار الضجة مرة أخرى، ويعاد طرح السؤال من جديد؟ أمازال التعريب شبحا مخيفا؟ أم هو الإشفاق على اللغة الفرنسية التي ستفقد كثيرا من مواقعها بفضل التعريب إن نفذ هذا القانون أم هناك أشياء أخرى؟

لعل الذين يثيرون هذه الضجة اليوم ويطالبون بإيقاف مسيرة التعريب، لا يعلمون أنهم بفعلتهم هذه يسيئون إلى بلادهم، يخربون بيوتهم بأيديهم، ويسعون إلى هدم ركن من أركان سيادة دولتهم، ويبيعون أنفسهم مجانا للدولة التي كانت  بالأمس تحتقرنا وتحتقر لغتنا، وتهين ثقافتنا وتاريخنا، وتعتبرنا أناسا لا حق لهم في أن يبنوا  دولة، أو يحكموا أنفسهم بأنفسهم.

يبيعون أنفسهم لهذه الدولة بإعطاء لغتها المكانة الفضلى والحق المطلق في أن تحكمنا، وتسير أمورنا كما كانت تحكمنا  بالأمس، ويجب أن نقف قليلا هنا لنؤكد أمرا مهما وهو: أن كل المواطنين العقلاء لا يختلفون في كون اللغة العربية في بلادنا رمزا من رموز السيادة، وبعدا من أبعاد الهوية الوطنية وجزءا لا يتجزأ من شخصيتنا العربية الإسلامية، التي هي الشخصية الرسمية للجزائر، وتاريخنا ونضالنا السياسي والعلمي شاهدان على ذلك (على مدى قرون خلت)..

المغالطون:

والذين يمارون في هذه الحقيقة ويحاولون إثارة الشكوك حول شرعية اللغة المعبرة عن ذاتيتنا، والحاملة لهويتنا، وحقيقة وجودنا، والانتقاص من قيمتها في تنمية الوعي الجماعي ورص الوحدة الوطنية، والدور الذي تضطلع به في مجال صياغة وجدان المواطنين، وبناء الشخصية المتوازنة. الذين يمارون في هذه الحقيقة هم أناس يعيشون خارج ذواتهم، وخارج الزمن والتاريخ، أناس خدرهم الاستعمار وأعمى أبصارهم، وطمس بصائرهم عن رؤية الحقائق الوطنية، وجعلهم لا يرون ولا يحسون إلا ما يرى ويحس، وسلبهم القدرة التي بها يدركون أن لهم وطنا وتاريخا وشخصية، وحولهم إلى كائنات ضائعة تائهة، ليس لها هدف معين وتفكير واضح، ولا تعرف ماذا تصنع؟ وماذا تقول؟ تراهم يغالطون أنفسهم ويغالطون غيرهم، بالنظر إلى الفرنسية على  أنها واقع ثقافي جزائري، يجب التعامل معه على هذا الأساس، يقولون: قد أصبحت هذه اللغة بحكم التاريخ إرثا حضاريا نافعا لنا ولأبنائنا، وأداة من أدوات التثقيف والتنوير،* لا يجوز بحال من الأحوال التخلي عنها، أو تعويضها بلغة أخرى، حتى ولو كانت العربية، وكون اللغة العربية عنصرا من عناصر الهوية لا يضيرها – في رأيهم – أن تبقى بجانبها الفرنسية تسعفها وتشد أزرها.

وليس هناك أي ضرر في أن ترسم الفرنسية أداة للعمل والتعامل في مختلف مجالات الحياة الرسمية وغير الرسمية ما دمنا نعاملها ونتعامل معها بروح جزائرية ووفق أهداف علمية وثقافية، (كلام لا يمكن أن يصدقه عاقل)..  فترسيم الفرنسية إلى جانب العربية والأمازيغية وحتى اللهجات العامية المتداولة -في رأيهم- أمر يثري هويتنا وينوع ثقافتنا، ويفتح أمام أجيالنا عالما فكريا ثريا ومنوعا.

لا يصح أن نؤمن ببعض ونكفر بالبعض الآخر:

ولكن الأمر الذي نسيه هؤلاء أو تناسوه، هوأن السيادة الوطنية كل لا يتجزأ،  فلا يصح أبدا أن نؤمن ببعض ونكفر بالبعض الآخر، نقبل من هذه الرموز والأصول ما يوافق ميولنا وقناعتنا الذاتية، ونرفض ما يتعارض مع هذه القناعة، وننسى أن القناعة الشخصية ليست مقياسا صحيحا نقيس به الأمور، أو نرجع إليه في تقدير قيمة الأشياء والحكم عليها، وخاصة الأشياء المتعلقة بالوطن والوطنية والسيادة والهوية والتاريخ الوطني إلخ… والشعور المشترك والوعي الجماعي أو الرأي العام، أما الآراء الشاذة التي تخرج عن هذا الإجماع فلا قيمة لها ولا يعتد بها .

وحين نحلل هذه المسألة ونبحث عن الأسباب التي دفعت البعض إلى التمرد على الذات، من خلال المواقف الشاذة، وتأييد النظرة التي ينظر بها الإعلام الفرنسي إلى هذه القضية (التعريب) التي هي قضية سيادة لا يحق لأي كان أن يتحدث عنها بهذا  الأسلوب المتعالي، الذي يحاول إعطاءنا دروسا في مسائل تتعلق بنا، ونحن أدرى بها من غيرنا.

قلت حين نبحث عن الأسباب التي دفعت هؤلاء إلى المجاهرة بهذه المواقف التي لا تشرف أحدا، نجد سببين مباشرين هامين هما:

أ- المكابرة والعناد.

ب- الفهم السيء لموضوع التعريب.

أ- السبب الأول/ المكابرة:

ما يزال البعض من أبناء جلدتنا يكابر ويعاند نتيجة تعاطفه مع اللغة الفرنسة، لا يريد أن يعترف بأن اللغة الفرنسية في بلدنا – لغة أجنبية- مهما  بلغت قوة نفوذها، وامتدت مساحة التعامل بها، وستبقى أجنبية، ويجب أن تبقى بهذه الصفة، (هذا ما لا يريدون سماعه) لأن إبقاءها بهذه الصفة لا يخول لها الحق في أن تحتل المكانة التي تحتلها الآن، بل يفرض علينا أن نحدد لها الدور الطبيعي الذي يسند إلى اللغات الأجنبية، بحيث لا يعطى لها الحق في أن تحتل المجالات التي لها صلة بالسيادة الوطنية.

ومن المعلوم أن منبع هذه المكابرة هو الأنانية وشدة الحساسية التي ملكت على البعض تفكيرهم، وهيمنت على مشاعرهم، ولم تتركهم يفكرون بهدوء أو بمنطق.

 

ب- السبب الثاني / الفهم السيء لموضوع التعريب:

من خلال الصخب اللفظي الذي نقرأه أو نسمعه بخصوص المسألة اللغوية في بلادنا، يتضح أن أساس الإشكال هو الفهم السيء لموضوع التعريب وللقانون الذي يحدد آفاق  تعميمه، فالكثير من الآراء تحرف الدلالة التي تستفاد من كلمة التعريب وتزيف ما يعنيه القانون، وتعطيه دلالة غير صحيحة، وتفسيرا مغرضا ومشوها، إذ يتصور البعض أن التعريب يعني إقصاء اللغات الأجنبية وتحريم تعليمها وتداولها في المدرسة أو الجامعة، وفي مجالات البحث والدراسة وتجريم المتكلمين بها، والمستفيدين من إبداعاتها، وإغلاق الحدود في وجه الدراسات والأبحاث المؤلفة بها، وهذا خطأ لا يمكن أن يقول به عاقل.

كما يرى البعض أن الهدف من التعريب هو الاستغناء التام عن المعارف العلمية والتجارب الفكرية الإنسانية التي تصدر هنا وهناك بهذه اللغات، وهذا أيضا خطأ كبير، لا يمكن أن يقول به إلا من فقد القدرة على التفكير المنطقي، إذ ليس في بلاد الدنيا كلها من يقول بهذا أو يفكر فيه، ولا أحد اليوم يرضى بأن يكون مجتمعه مكتفيا بلغة واحدة، مهما كانت قوة هذه اللغة، فتعليم اللغات الأجنبية والتوسع فيها لم يعد مطلبا حيويا فحسب، بل أصبح ضرورة من ضرورات الحياة العلمية التي يفرضها السباق الحضاري في العالم، وهناك مغالطة أخرى تصور للناس أن قانون التعريب يطالب أجهزة الدولة بأن تعامل الدول الأجنبية باللغة العربية فقط، مما ينتج عنه توقف كل نشاط وطني في مجال التعاون، وهذا أيضا تحريف مقصود وتفسير مغرض.

* غزالي رئيس الحكومة طلب من رئيس مجلس الدولة أن يوقف تنفيذ قانون التعريب لأن العمل به يعرض الدولة لوضع دولي لا يليق.

* شيء من هذا المعنى نلمسه في تصريحات (جدّاعي) أحد زعماء الأفافاس.

من كتاب ” الغة و معركة الهوية ” للدكتور عبدالقادر فضيل

اصدارات جسور للنشر و التوزيع

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*