قضية وطنية اسمها الفساد- الدكتور بشير مصيطفى

HARIQUEلا أحد منا يتصور اقتصادا بلا تجاوزات و لا مجتمعا واحدا العالم أثبت –منذ فجر التاريخ- خلوه من آفة الرشوة و لكن أن يتطور المر إلى ظاهرة تمس أكثر من قطاع و تشكل جزءا مهما مما يعرض دوائر العدالة ، فان ذلك معناه فساد كبير يخل بالتوازن الاجتماعي و يمهد لرداءة لن تأخذ وقتا طويلا حتى تتحول إلى وباء لايبقي و لايذر. و بالفعل ، تحمل الأخبار يوميا أحاديث عن حالات للفساد و الرشوة مست جل القطاعات: البنوك و الشركات الى السمعي البصري الى المطارات الى قطاع التربية الى الجامعات. و تكتفي الأخبار المذكورة بالقضايا التي يمكن رصدها أو تلك التي تركت قرائن دالة عليها أو التي يمكن اخضاعها لمحاسبة و تبقى القضايا الأخرى المتعلقة بالمحسوبية و استغلال  النفوذ و استعمال المصالح العامة لتحقيق أغراض شخصية، تبقى ظواهر يصعب رصدها مع ما تسببه من مساس بالصالح العام. لقد بات افساد قضية وطنية لأنه يتصدر العناوين الكبرى للصحافة و لان فضيحة القرن ” الخليفة جايت” دلت على هشاشة البناء القانوني للدولة فيما له علاقة باستغلال النفوذ، و لان قضايا الرشوة و تبديد المال العام و سوء إدارة الثروة تصدر قضايا المحاكم. و لو قام جهاز احصائي برصد ملفات الفساد لعشرية ماضية  أوعشريتين مع ماتسببت به تلك القضايا من أضرار لربما صعق الجميع من هول النتيجة و لكن ضعف المتابعة و تداخل  عوامل عدة تطوي ملفات الفساد طيا بمجرد اكتشافها.

الفساد يتسلل للتربية و التعليم و سلك الموظفين:

تحصي الولايات المتحدة الأمريكية حالا فساد كثيرة و قد بينت مفردات الأزمة المالية العالمية الأخيرة أن القطاع المالي في أقوى دولة في العالم ظل و لفترة طويلة مسرحا  للغش في مجال التصنيف الائتماني. و لم تصل أي دولة في العالم من حيث الحكم الصالح و هي دولة النرويج الى علامة عشر من عشر على سلم الفساد حسب آخر تقرير “ر الشفافية الدولية” و لكن لا أحد يملك الحق في محاكمة أمريكا أول النرويج مادام الفساد لم يصل الى حدود الظاهرة و لم يتعد قطاع المال و الصفقات. أما أن تطال الرشوة قطاع التعليم و الجمارك و تتوسع عبر المسابقات الوطنية و تتمدد داخل قطاع التوظيف فتلك مرحلة من الفساد لاتقوى الأمم الحية على الاقتراب منها. و عندما تطال الظاهرة الدوائر التي ذكرنا فهو أذان بخراب شامل اذا لم تسارع السلطات الى تفعيل القوانين ذات الصلة بمكافحة الفساد و نشر ثقافة النزاهة بين المسؤولين و محاسبة الفاسدين منهم مهما علت رتبهم. تسلل ظاهرة الفساد لقطاع ظل الى وقت قريب ينعت بالحرم و امتداد استغلال السلطة الى بعض القائمين على اعداد الجيل معناه باختصار مشكلة قيم اجتماعية و ثوابت مقدسة باتت معرضة للتفكك في مجتمع يمر بمرحلة تحول دقيقة، تطور لا حق لأحد التسامح معه في دولة تملك ترسانة من التشريعات في موضوع الفساد.

من كتاب  “حريق الجسد: مقالات في الاقتصاد الجزائري” للدكتور بشير مصيطفى

إصدارات جسور للنشر و التوزيع 2011

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*