فيها كتبُ قيِّمة- عائض القرني

 

لقد أبدأ العلماء وأعادوا في بيان قيمة كتب العلم وعظيم أثرها وجلالة موقعها ولهم في ذلك عبارات مشهورة نثرًا وشِعرًا ، نجد كثيرًا منها في مقدمة كتاب (الحيوان) للجاحظ ، وفي كتبه الأخرى كذلك ، وفي (تقيد العلم) و(الجامع) للخطيب ، و( جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر ، وفي مطاوي كتب (أدب الطلب) ، وكتب (التراجم والسير) ، ومقدمات المصنفات التي تتحدث عن ( خزائن الكتب) ، ومِن أحسن ما جاء في سيرة عشاق الكتب :

قال الجاحظ في ( الحيوان) : (( مَن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذّ عنده مِن إنفاق عُشّاق القِيان ، والمستهترين بالبنيان ، لم يبلغ في العلم مبلغًا رضيًّا وليس ينتفع بإنفاقه حتى يُؤثِر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عِياله ، وحتى يؤمّل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه )) .

وذكر الإمام أبو محمد بن حزم في (رسالة مراتب العلوم) دعائمَ العلم ، فعدّ منها (( الاستكثارُ مِن الكتب ، فلن يخلوَ كتابٌ مِن فائدة وزيادة علم يجدها فيه إذا احتاجَ إليه ، ولا سبيل إلى حفظ المرء لجميع علمه الذي يختص به ، فإذ لا سبيل إلى ذلك ، فالكتب نِعم الخزانة له إذا طُلِب . ولولا الكتب لضاعت العلوم ولم توجَد ، وهذا خطأ ممن ذمَّ الإكثار منها ، ولو أُخِذَ برأيه ، لتـَـلِــفـَـت العلوم ولجاذبهم الجهّال فيها ، وادّعوا ما شاؤوا ! ، فلولا شهادة الكتب لاستوت دعوى العالم والجاهل )) .

وعُذِل سلمان بن عبد الحميد بن الحموي الحنبلي في كثرة شراء الكتب ، فقال :

وقائلةٍ أنفقتَ في الكُتبِ ما حَوَت        يمينـُـك مِن مالٍ فقلتُ : دعيني

لعـــلي أرى فيها كتــابًا يـــدلني        لأخـــذِ كــــتابي آمِــنًا بيمــيني

 

وفي كلِّ ما سيأتي مِن الأخبار والقصص لسانٌ ناطق ، وبيانٌ مُشرق ، لقيمة لكتب ومكانتها في نفوس هؤلاء العلماء .

 

ابن تيمية وشغفه بالبحث

ذكر تلميذه الحافظ بن عبد الهادي في (مختصر طبقات علماء الحديث) طرفًا مِن صفاته فقال : (( لا تكاد نفسه تشبع مِن العلم ، ولا تروى مِن المطالعة ولا تملّ مِن الاشتغال ولا تكلّ مِن البحث ، وقلّ أن يدخل في علمِ مِن العلوم في بابٍ مِن أبوابه إلا ويُفتح له مِن ذلك الباب أبواب ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حذّاق أهله )) .

وقال الشيخ محمد خليل الهراس : (( كان لابن تيمية بصر نافذ ونفس طـُـلـَـعَــة لا تكاد تشبع مِن العلم ولا تكل مِن البحث ولا تروى مِن المطالعة مع التوفر عل ذلك وقطع النفس له وصرف الهمة نحوه ، حتى إنه لم ينقطع عن البحث والتأليف طيلة حياته في الشام أو في مصر ، في السجن أو في البيت ، بل إنه كان يتوجع ألمًا وحسرة حينما أخرجوا الكتب والأوراق مِن عنده في أُخرَيات أيامه … )) .

 

دواؤه في الكتب

وقال الإمام ابن القيم في ( روضة المحبين ) : وحدثني شيخنا يعني ابن تيمية قال : (( ابتدأني مرضٌ ، قال لي الطبيب : إن مُطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض قلت له : لا أصبر على ذلك ، وأنا أحاكمك إلى علمك ، أليست النفس إذا فرحت وسُرّت وقويت الطبيعةُ دفعت المرضَ ؟ فقال : بلى ، قلت له : فإن نفسي تُسرّ بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحةً ، فقال : هذا خارج عن علاجنا )) ! .

وقال ابن القيم أيضًا : (( وأعرف من أصابه مرض مِن صداع وحُمّى وكان الكتاب عند رأسه ، فإذا وجد إفاقةً قرأ فيه ، فإذا غُلِب وضعه ، فدخل عليه الطبيبُ يومًا وهو كذلك فقال : إن هذا لا يحلّ لك فإنك تُعين على نفسك وتكون سببًا لِفَوْت مطلوبك )) .

 

ابن تيمية نموذج للاطلاع المثمر

فرق بين أن يؤلف الإنسان كتابًا فينقل الأقوال ويجمعها في الباب ، وأن يأتي إلى الأقوال فينتقدها ويناقشها ، ويأخذ الصحيح منها ويترك الضعيف ، ويستفيد مِن العبارات ويقوّم المعوج منها ، ويثني على الطيب ويعقّب على الواهن والضعيف ، هذا ما يفعله ابن تيمية : فإنه لا يقبل القول على عواهنه ، بل يناقش الأقوال عبارة عبارة ، وفصلاً فصلاً ، ويشيد بالحسن الجميل ، ويرد الواهي الهزيل ، وتجده يتجرأ حتى على الأكابر في كثير مِن المسائل ، ويبين الوهم في كل مسألة ويجمع أطراف الموضوع ، ويأخذ المعلومة فيوظفها هو بعبارته ويكسوها بجلباب جمله الآسرة الأخاذة ؛ فإن له قاموسًا خاصًا ، فيه مِن الجلالة والفخامة والإشراق ما امتاز به هذا الرجل فكأنه شاعر موهوب عبقري يمتاز عن بقية الشعراء ، وكذلك ابن تيمية في المؤلفين ، له رونق خاص وديوان متفرد يُعلم أنه مِن كلامه لجلالة حديثه وسمو عباراته .

 

نقضه بالدليل لكثير مِن المسائل المقررة

كم مِن مسألة قررت في كتب الفقه وبخاصة كتب المذاهب ، وجاء هذا الإمام وبيّن أن الحق في خلافها : خذ مثلاً المذهب الحنبلي الذي نشأ عليه ابن تيمية وأهل بيته , كم من مسألة قررت ودرسها الناس ونشأ عليها طلبة العلم , فلما جاء هذا الإمام بيّن أن الحق خلافها , فالحنابلة ــ مثلاً ــ يبدؤون كتب الفقه بقولهم : المياه ثلاثة أقسام , وابن تيمية يخطئهم ويقول : المياه قسمان فقط : طاهر ونجس , ويقولون ــ مثلاً ــ إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة صلى بعددها وزاد صلاة , فيبين أن هذا من الآصار والأغلال  , واشترطوا مسافة محددة بالأميال في السفر , فيبين أن هذا ليس موجودًا في الكتاب ولا في السنة , بل لا يسمّى سفرًا أيضا . وفي مسائل الحيض أتوا بمسائل شاقة على المرأة فبين أن السنة خلاف ذلك بالدليل والبرهان , وفي مسائل المعاملات والبيع والشراء والصرف والإجازة وغيرها من الأبواب بيّن ونقض .

 

قراءة ابن الجوزي

قال ابن الجوزي عن نفسه في (صيد الخاطر) : أثناء حديثه عن المطالعة والإكثار منها : (( وإني أخبر عن حالي : ما أشبع مِن مطالعة الكتب ، وإذا رأيت كتابًا لم أره ، فكأني وقعت على كنز ولقد نظرت في ثَبَتِ الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية ، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلّد ، وفي ثبت كتب أبي حنيفة وكتب الحُميدي وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر وكتب أبي محمد بن الخشاب ، وكانت أحمالاً ، وغير ذلك مِن كل كتاب أقدر عليه . ولو قلت : إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر ، وأنا بعدُ في الطلب )) ! . وهو يوصي – أيضًا – العالِم وطالبَ العلم بقوله : (( ليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه وتحادث سطور كتبك وتجري في حلبات فكرك )) .

وهذه نصيحة ربما قلَّ مَن يطبقها في زماننا هذا ، ولا عجب بأن وصول هؤلاء العلماء إلى ما وصولوا إليه هو باشتغالهم بطلب العلم عن الدنيا واهتمامهم بالمكتبات والكتب على قلتها وصعوبة الوصول إليها ، بعكس ما هو عليه الحال اليوم مِن يسر وسهولة في الحصول عليها ، يقابله ابتعاد وهجر لها .

 

ابن عقيل وفنُّ استغلال الوقت

ذكر ابن رجب الحنبلي في ( الذيل على طبقات الحنابلة ) في ترجمة ابن عقيل الحنبلي ، عن ابن الجوزي أنه قال عنه : (( كان دائم التشاغل بالعلم ، حتى إني رأيت بخطّه : إني لا يحلّ لي أن أضيع ساعةً مِن عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة ، وبصري عن مُطالعة ، أعملتُ فكري في حالة راحتي وأنا مُستطرِح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره ، وإني لأجد مِن حرصي على العلم وأنا في عَشْر الثمانين أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة )) .

ونقلَ ابنُ رجب مِن (الفنون) لابن عقيل أنه قال عن نفسه : (( أنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي ، حتى أختار سفَّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما مِن تفاوت المضغ ، توفّرًا على مطالعةٍ أو تسطير فائدة لم أدركها فيه )) .

وللأسف فإن جيلنا اليوم اشتغل بالدنيا عن العلم ولم يعد للعلم نصيبٌ يذكر مِن ساعات حياته والتي غلبت عليها الماديات ، وأصبحت قيمة الرجل بما يملك مِن مال لا بما يملكه مِن علم وهذه مِن الأمور التي يندى لها الجبين وتقشعر لها الأبدان .

 

مع المقريزي تحت الأرض

ذكر الإمام المقريزي في (المقفّى الكبير) العلامةَ ابن صدقة الحموي أنه كان كثيرَ الاشتغال بالعلم دائم التحصيل له ، وذكر عن الحافظ المنذري أنه قال : (( دخلت عليه يومًا وهو في سَرَبٍ تحت الأرض لأجل شدة الحر وهو مشتغل ، فقلت له : في هذا المكان ؟ وعلى هذه الحال ؟! فقال : إذا لم أشتغل بالعلم ، ماذا أصنع ؟ … قال المنذري : إنه وُجِد في تركته محابر ثلاث ، أحدها تَسَعُ عشرة أرطال والأخرى تسعة ، والثالثة ثمانية )) .

ومع ما نملكه اليوم مِن وسائل التبريد التي تخفف عنا الحر إلا أننا نشكو الزهد في حُب العلم والاهتمام به

 

كتبٌ أغلى مِن الذهب

وفي ترجمة الحافظ أبي طاهر بن أبي الصقر في (المنتظم) لابن الجوزي أنه قال عنه : (( كان من الجوّالين في الآفاق والمكثرين مِن شيوخ الأمصار ، وكان يقول : هذه كتبي أحبّ إليّ مِن وزنها ذهبًا )) .

فلله درها مِن نفوس أنفت أن تضع هممها في الأرض وأبت إلا أن ترفع هاماتها إلى السماء لتحلق بين سحاب العلم ، وتعيش بين صفحات الكتب .

 

أعجوبة في حفظ الوقت

قال الحافظ السخاوي في (الضوء اللامع) في ترجمة أحمد بن سليمان بن نَصر الله البُلقاسي ثم القاهري الشافعي المتوفى في ريعان شبابه : (( وكان إمامًا علامة قوي الحافظة ، حسنَ الفاهمة ، مشاركًا في فنونٍ ، طَلْق اللسان ، محبًّا في العلم والمذاكرة والمباحثة ، غير منفك عن التحصيل ، بحيث إنه كان يُطالع في مشيه ويُقرئ القراءات في حال أكله خوفًا مِن ضياع وقته في غيره ، أعجوبة في هذا المعنى ، لا أعلم في وقته مَن يُوازيه فيه ، طارحًا للتكلف ، كثير التواضع مع الفقراء ، سهمًا على غيرهم ، سريع القراءة جدًا )) .

وللوصول إلى قوة الحفظ والفهم طرائق ووسائل ، وطالما أن المؤثرات الصوتية والبصرية في حياتنا محيطة بالإنسان في عصرنا هذا مِن كل جهة ، فإن هذا الأمر مِن شأنه تشتيت الذهن وعدم صفائه ، فالأولى بطالب العلم الابتعاد عن مثل هذه المؤثرات وخاصةً إذا ما كان ضررها أكثر مِن نفعها .

 

خمسون سنة إما يطالع أو يكتب

قال السخاوي في (الضوء اللامع) في ترجمة محمد بن أحمد بن محمد العُمري الصغاني : (( كان إمامًا علامة متقدمًا في الفقه والأصلين والعربية ، مشاركًا في فنون ، حسن التقييد ، عظيم الرغبة في المطالعة والانتقاء ، بحيث بلغني عن أبي الخير بن عبد القوي أنه قال : أعرفه أزْيـَـد مِن خمسين سنة ، وما دخلت إليه قط إلا ووجدته يُطالع أو يكتب )) .

لقد أوصى الحكماء والأدباء والعقلاء وكل مَن يسعى إلى الرقي بالنفس البشرية والبحث عن سعادتها ، أوصوا بالقراءة والمطالعة والاستفادة مِن الوقت ، لِما في ذلك مِن تأثير إيجابي على ثقافة الفرد والرقي بالمجتمعات .

 

عشق في كل مكان

قال ابن القيم – رحمه الله – في (روضة المحبين) وهو يتكلم عن عِشق العلم : (( وحدثني أخو شيخنا (يعني أحمد بن تيمية) عبدُ الرحمن بن تيمية ، عن أبيه (عبد الحليم) قال : كان الجدُّ (أبو البركات) إذا دخل الخلاء يقول لي : اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمع )) .

فلله درها مِن نفوس عشقت العلم ، وضحّت مِن أجله ، وتبنته نبراسًا ومنهاجًا في حياتها ، فصار طعامها وشرابها وهواءها .

 

مطالعة حد الإدمان

قال السخاوي في (الضوء اللامع) في ترجمة أحمد بن علي بن إبراهيم الهيتي الشافعي : (( برع في الفقه وكثـُـر استحضاره له ، بل وللكثير مِن ( شرح مسلم) للنووي ، لإدمانه نظره فيه ، وكان لا يملّ مِن المطالعة والاشتغال مع الخير والدين والتواضع ، والجد المَحْض ، والتقلل الزائد ، والاقتدار على مَزِيد السهر )) .

وشتان بين إدمانه وإدمان شبابنا اليوم – إلا مَن رحم ربك – ممن أسرتهم المسكرات والمخدرات الموبقات فلا حولا ولا قوة إلا بالله .

 

الكتاب رفيقه في السفر والحضر

قال السخاوي في (الضوء اللامع) في ترجمته الإمام اللغوي محمد بن يعقوب الفيروزآبادي أنه اقتنى كتب نفيسة حتى سمعه بعضهم يقول : (( اشتريت بخمسين ألف مثقالٍ ذهبًا كتبًا ، وكان لا يسافر إلا وصحبته منها عدةُ أحمال ، ويُخرِج أكثرَها في كل منزلةٍ فينظر فيها ثم يعيدها إذا ارتحل )) .

ومثله السيد صلاح بن أحمد المؤيدي اليماني ، قال عنه الشوكاني في (البدر الطالع) : (( كان مِن عجائب الدهر وغرائبه ، فإن مجموع عمره تسع وعشرون سنة ، وقد فاز مِن كل نصيب فنٍّ بنصيبٍ وافر وصنّف في هذا العصر القصير التصانيف المفيدة والفوائد الفريدة العديدة – وذكر عدد منها ثم قال – : وإذا سافر أول ما تُضرَب خيمةُ الكتب ، وإذا ضُربِت دخل إليها ، ونشرَ الكتبَ والخدم يصلحون الخِيم الأخرى ، ولا يزال ليله جميعه ينظر في العلم ، ويحرر ويقرر مع سلامة ذوقه … )) .

إن الكتاب مِن أروع رفقاء السفر ، فإنك تجده قاطعًا للصمت ، طاويًا للمسافات ، يمضي بالوقت مِن غير أن تشعر ، فلا تمل مِن طول السفر وبعده ، وفي الوقت نفسه يكسبك الكثير مِن الفائدة ، مما يساعد في تنمية ذاتك وتطويرها .

من كتاب ” عاشق” لعائض القرني

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*