علم العروض (خطورته وجدواه) – بقلم الدكتور ناصر لوحيشي

العروض علم يهتم بدراسة البنية الإيقاعية في شعرنا العربي تشكيلا وبناء، حيث يحلّل الأوزان وأجزاءها، ويكشف صحيحها ومختلّها، وإذا فهو علم يبحث فيه عن أحوال الأوزان والإيقاعات الشعرية، فإذا كان النحو معيار الكلام به يُعرَفٌ مٌعْرَبٌه من ملحونه، فإنّ العروضَ معيار، أو مقياس آخر، به يعرف موزون الشعر من مكسوره.

aroude

فالعروض “ميزان الشعر، وهي ترجمة عن ذوق الطباع السّليمة وفوائدها ثلاث:

إحداها: أنه يستعين بها من خانة الذّوق، وثانيتها: أنه يعرف بها مفارقة القرآن للشعر، ومباينته له، وثالثتهما: أنه يعلم بها ما يجوز في الشعر ممّا لا يجوز فيه.

أمّا التسمية، فإنّ هناك اختلافا بشأنها، وقد حصرت في دلالتين، أما الأولى فمكانية، وأما الأخرى فلغوية.

فكلمة عروض تعني: الناقة الصّعبة، والطّريق الصّعب في الجبل (عرضه)، عمود بيت الشّعر (الخيمة)، والعروض: مكة، السّحاب، الناحية…

وقد جاء في القاموس المحيط قول الفيروزآبادي مختصرا”العروض مكة والمدينة حرسهما الله تعالى، وما حولهما… وميزان الشعر لأنه به يظهر المتّزن من المنكسر، أو لأنها ناحية من العلوم، أو لأنها صعبة، أو لأن الشعر يعرض عليها، أو لأنها ألهمها الخليل بمكة…”.

والمؤكد أن الخليل هو الذي استنبط علم العروض، وأخرجه إلى الوجود، وحصر أقسامه في خمس دوائر، واستخرج منها ستة عشر بحرًا.

وقد جمعت البحور في قولهم:

 

طويل مديد فالبسيط فوافــر

فكامل إهزاج الأراجز أرمـلا

سريع سراح فالخفيف مضارع فمقتضب  مجتث قرّب لتفضلا

 

وفي قول آخر:

طويل يمدّ  البسط بالوفر كامـل ويهزج في رجز  ويرمل مسرعـا
فسرّح خفيفا ضارعا تقتضب لن من اجتث من قرب لتدرك مطمعا

 

على الّرغم من أن بعض المحدثين يرى رأيًا آخر، فحواه أن الخليل كان قد سبق إلى هذا العلم، وأن العرب كانت على علم بقواعده، ولا سيما قواعد الهزج والرّجز، وقد استدلوا على ذلك بنصّ لابن فارس وأنّ عمرو بن العلاء قد سبقه في الكلام عن القوافي وقواعدها، ووضع لها أسماء، ومصطلحات خاصة.

أما عن الباعث الذي دعا الخليل إلى التفكير في علم العروض، ووضع قواعده، فمن قائل: إنّه دعا بمكّة أن يرزقه الله علما لم يسبقه إليه أحد، ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حجّه، ففتح عليه بعلم العروض.

وقال آخرون : إنّ الدّافع هو إشفاقه من اتجاه بعض شعراء عصره إلى نظم الشعر على أوزان لم يعرفها العرب؛ ولهذا راح يقضي السّاعات والأّيام يوقّع بأصابعه ويحرّكها، حتى حصر أوزان الشّعر العربي، وضبط أحوال قوافيه.

ومهما يكن من أمر، فالثابت الرّاجح أن الخليل هو واضع أصول علم العروض وقوافيه وقواعده، التي لم يطرأ عليها أي تغيير يذكر، أو يمسّ الجوهر.

ومن ثمَّّ، فلا غرو أن مادة العروض من أخطر المواد وهي العمدة في درس اللّسان العربي، وفي درس التاريخ العربي قديمه وحديثه، إذ إنّها تثمر مكنة على فهم الشعر العربي كلّه، وتذوّقا يغرس أنبل القيم ويزرع أشهى الأغراس.

“ولقد توسّع علماء العربية في درس علم العروض حتى ذهب بعضهم إلى أن حكم معرفة هذا العلم هو الوجوب الشرعيّ، وذلك لنعرف من خلاله القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ليسا من الشعر في شيء، وذلك على الرغم من موافقة بعض آيات الذكر الحكيم، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض بحور الشعر”.

وهناك مواطن أخر، تتجلّى فيها –أهمية هذا العلم وخطورته– ويمكن تلخيصها في الذي يأتي:

أوّلا : إننا نجد أحوالا كثيرة توجب الاحتكام إلى مقاييس العروض وموازينه، ذلك أن الذّوق وحده، لا يحسم الخلاف بين متخاصمين في بيوت شعرية، إذ لا بد من اللّجوء إلى فاصل موضوعي تعنو له سائر الأذواق، ولا يكون ذلك إلاّ بالرجوع إلى علم العروض، والوقوف على رخصه وممتنعاته والإلمام بكل حدوده.

ثانيا : يساعدنا العروض على التفطّن لكل ما يزدان به الشعر العربي من حسن انسجام في النغم، وروعة اتّساق في البيت الشعري، كما ينمّي القدرة على قراءة الشعر قراءة صحيحة، وتوقّي الأخطاء التي يقع القارئ، إذا لم يكن هذا الشعر مضبوطا بالشكل التام، أو تسرّب إليه تصحيف أو تحريف في الرّاوية، أو أثناء الطبع والتدوين.

ثالثا : لا شك أن كثيرا من التراث الأدبي لا يفهم إلا حيث كان القارئ ملمّا باصطلاحات علمي العروض والقافية. انظر إلى قول القائل:

وبقلبي من الجفاء مديــد     v      وبسيط ووافر وطويــل

لم أكن عالما بذاك إلـى أن v      قطع القلب بالفراق خليل

ففي هذين البيتين مجاز وتورية.

ومما يضاف إلى هذا ما نجده في كتب النّحو والصّرف، من أنّ شاعرا ارتكب مخالفة، أو خطأ لغويا، لأن الوزن ألجأه إلى ذلك، فإذا لم نكن على بينة من أمر البحور أو الأوزان، فكيف نطمئن إلى ذلك التعليل والتسويغ؟!

رابعا : لا يخفي على كل ناقد أو دارس العلاقة بين  العروض والنقد الأدبي، إذ هناك دلالات ومرامي – في النص الشعري – لا يتسنى لنا استشفافها أو مشارفتها إلا إذا كنّا عالمين أسرار العروض والموسيقى الشعرية.

فالصلة مثلا بين البديع والعروض لا تنكر، وكذا الأمر إلى النقد النّفسي، والنقد اللّغوي… وغيرهما.

خامسا: هناك ارتباط وثيق بين الشعر والتاريخ، وإن”بوسع المؤرّخ في أية أمّة، أن يكون مؤرخا  فحسب،ولكن مؤرّخ تاريخ الأمة العربية يجب أن يكون أديبا، إن شاء أن يكون ذا مكانة مرموقة، ولا يمكنه أن يكون كذلك إلا بتفهّم أسرار النصوص الشعرية التي هي وثائق تاريخية مهمّة وذلك بالعروض”، ولقد شفى نفسي وأنا أتصفّح مجلّة الفيصل عدد رجب  1418هـ، الموافق : نوفمبر 1997م – مقال د. محمد خير البقاعي، واستعانته بالأذن الشعرية الموسيقية (بالعروض) في تحقيقه كتاب : “الزهرة” لأبي بكر الظاهري، حيث استطاع هذا المحقق أن يتعّرف الصّواب في كثير من الأشعار الواردة، ويدرك الأخطاء العروضية (الكسور) التي غفل عنها سابقوه، والتي – ربّما – نأت بالمعاني والدلالات، وأخلّت بالمقاصد. ومن الثابت أيضا أننا “لن ننفهم ثراتنا الشعري، ولن نتذوّقه على وجهه الصحيح، ولن نحس بأصالتنا في ثناياه، دون الإلمام بالبحور أو الأوزان التي قنّنها الخليل بن أحمد”.

 

من كتاب ” المرجع في العروض و القافية” للدكتور ناصر لوحيشي

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2010

عن دار جسور

تعليق واحد

  1. السلام عليكم
    منظومة الخليل لعلم العروض تسلط الضوء على البنية الرياضية الهندسية للذائقة العربية كما مثلتها عبقرية الخليل في ساعة البحور.
    أتمنى أن يطلع عليها أستاذي الكريم
    https://drive.google.com/file/d/1Igoq7iekKkCkdxW3i7UZ45b8ep3716qJ/view

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*