كيف تربي “طفلا يقرأ”

هذا هو عصر العلم والمعرفة، وإن من غير الممكن لأي أمة أن تكون في مصافِّ الدول الصناعية الكبرى من غير تحسين المقدرة المعرفية لدى شعوبها، وإن تنشئة الأجيال الجديدة على حب القراءة هي الخطوة الأولى والشاقة في هذه السبيل.
children-reading-books-together

1- لماذا نهتم بتشجيع الطفل على القراءة:

1- السنوات الست الأولى هي السنوات الحاسمة في تشكيل رغبات الطفل وميوله واتجاهاته؛ ولهذا فإن الاهتمام بتحبيب القراءة إليه في هذه المرحلة يعد مهما للغاية، والشواهد والدلائل تؤكد أننا إذا لم نزرع في نفس الطفل التآلف مع الكتاب في الصغر؛ فإن من الصعوبة بمكان أن تنجح في ذلك في الكبر.
2- لممارسة القراءة في وقت مبكر علاقة كبيرة بالتفوق الدراسي في المراحل المختلفة؛ وذلك لأن النبوغ والإبداع والتفوق لا يتم من خلال الاقتصار على المناهج المدرسية، بل لا بد من التوسع والشغف بالقراءة لساعات طويلة في اليوم الواحد.
3- حب القراءة يفتح أمام الطفل بابًا واسعًا للرقي الروحي والعقلي، كما أنه يوسع مداركه ويحسن قدرته على التخيل، ويبعث في نفوس الأطفال الهمة العالية؛ لتخرج الطفل من فضائه الضيق المحدود ومن زمانه الصعب، إلى فضاء واسع جدًّا، وزمان ممتد بامتداد التاريخ.
4- يكفي تعلقُ الطفل بالكتاب فضلًا: أنه يملأ وقته، ويصرفه عن الجلوس أمام التلفاز والانهماك في ألعاب الكمبيوتر، إلى غير ذلك من الفوائد التي لا تحصى، وقد قال الإمام ابن باز رحمه الله: (حب القراءة من النعيم المعجل للمؤمن في الدنيا).

 

2- وعي لا بد منه:

إن ترسيخ عادة القراءة في سلوك الطفل يحتاج إلى جهد ووقت وصبر، ولا بد أن يسبقه وعيٌ حسن بقيمة ما ينبغي أن نتعب من أجله. وإليك بعضَ الأفكار التي نحتاج إليها في تشكيل وعي جديد حول قراءة الطفل:

1- استهداف ترسيخ عادة القراءة لدى الطفل:

إذا عرفنا فائدة القراءة في حياة الطفل؛ فإننا سنحفزه عليها دون شك؛ لذلك نحتاج من الآباء أن يجعلوا حب أطفالهم للقراءة من أهم أهدافهم التربوية الثابتة، وذلك لأن الطفل لا يستوعب ما نطلبه منه بالسرعة الكافية، فالاهتمام مع المثابرة يصنعان العجائب.

2- قطار لا يفوت:

قطار الإقبال على القراءة لا يفوت، ونحن نعرف عشرات الأمثلة لأشخاص تفتح وعيُهم على القراءة وهم في سن الثلاثين، وسن الأربعين. المهم دائمًا ألا نفقد الأمل، وألا نفقد العزيمة على تشجيع الأطفال، ونتحرى الأسلوبَ الصحيح في التربية والتوجيه.

3- المراحل العمرية والقراءة:

الاهتمام بارتقاء عقلية الطفل وترسيخ حب القراءة في نفسه يبدأ وهو ما يزال جنينًا في بطن أمه، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن الطفل حين يبلغ الشهر السابع، فإن تعرضه لسماع معلومات منظَّمة؛ يجعل تفتحه الذهني أفضل في المستقبل. وتستطيع الأم أن تمضي على هذا النحو وفق الآتي:

أ‌- حين يكون الطفل رضيعًا، فإن من المناسب أن تقص الأم على مسمعه حكاية قصيرة تستغرق دقيقة أو دقيقتين، ويستحسن أن تكون الجمل قصيرة بإيقاع محدد.

ب‌- حين يبلغ الطفل سن الثالثة، تطول مدة قراءة القصة عليه أو سردها عليه لتصل إلى خمس دقائق.

ت‌- حين يبلغ الطفل الخامسة، فإن درجة استيعابه لما يسمع تتحسن كثيرًا، ولهذا في إمكان الأم أن تجعل الحكاية التي تحكيها تمتد إلى عشر دقائق.

ث‌- حين يبلغ الطفل السادسة فإنه يكون قادرًا على سماع الحكاية ولو امتدت إلى خمس عشرة دقيقة، ويبدي الطفل في هذه المرحلة اهتمامًا شديدًا بالقصص الخيالية والهزلية.

4- أهمية فهم الطفل لما يقرؤه:

من المهم أن نتيقن من أن الطفل يفهم ما يقرأ؛ لأن الفهم هو الهدف الرئيسي للقراءة، ولا يستثنى الطفل من ذلك، فإذا كان الكتاب المقروء أعلى من قدرة الطفل على الفهم، فعلى المربي أن يقرأ القصة معه، ليشرح له الكلمات الغامضة والجمل الملتبسة.

5- من الطبيعي عدم انتظام الطفل في القراءة:

من الطبيعي وقوع الاضطراب والانقطاع في إقبال الأطفال على القراءة؛ نظرًا لصبرهم المحدود على الاستمرار في الأعمال فعلى المربين أن يستمروا في تحفيز الأطفال على القراءة، وشراء الكتب الجديدة لهم، بغض النظر عن الواقع.

6- اقرأ للطفل وأنت مرتاح:

من المهم أن تقرأ لطفلك وأنت تشعر بالراحة والسرور لأداء ذلك العمل، وذلك لأن القراءة للطفل ونحن نشعر بالملل أو التعب تجعلها قليلة الجدوى وغير ممتعة.

7- الصغار لا يحبون الوعظ:

يُفضل أن نوصل ما نريد إيصاله للطفل بطريق غير مباشر، وبالكثير من اللطف والتواضع، بعيدًا عن الوعظ والتأنيب، وذلك لأن الترغيب والإيحاء من الأمور المحبوبة والمؤثرة، ولذلك نجد أن معظم الأطفال ينجذبون إلى القصص ذات الرسوم الملونة، والتي لا تكتظ بالنصائح والمواعظ.

8- التلفاز خصم الكتاب:

الطفل يحب الجلوس أمام التلفاز؛ لأنه يُفتن برؤية الصور المتحركة والرسوم والألوان، أما القراءة فليست من هذه ولا تلك. والحل يكمن في تحديد وقت مشاهدة الأطفال للبرامج وممارسة الألعاب، وعدم وضع أجهزة التلفاز في غرف الأطفال؛ لأن لذلك سلبيتين: إدمان الأطفال لمشاهدتها، وصعوبة التحكم في أوقات المشاهدة ومددها.

9- فرط النشاط والقراءة:

الحقيقة أن فرط النشاط من الحالات الشائعة في الكثير من البيوت، وتشير بعض الدراسات إلى أن نسبة الذين يعانون فرط الحركة قد تصل إلى 15%، والمطلوب في هذه الحالة هو معاملة الطفل بصبر واهتمام حتى يتم إدخال بعض التحسينات على سلوكه، ويكون ذلك من خلال البدء معهم بالكتيبات والقصص المحببة عندهم والتي تثير الانتباه لديهم، حتى يتعود القراءة بطريقة أفضل وأسرع.

10- الصدق مع الأطفال:

بعض الآباء يصور لأبنائه أنه كان يعشق القراءة في صغره، وبعضهم يتجاوز الحقيقة في ذلك دون أي شعور بالحرج وهذا خطأ؛ فالصدق يظل مطلوبًا ولو كانت الحقيقة مرة، والأطفال يكشفون مع الأيام أن آباءهم وأمهاتهم لم يكونوا يقولون لهم الحقيقة، وهذا يؤدي إلى أزمة داخل الأسرة، وهز الثقة والمصداقية هزًّا عنيفًا.

11- نوعية ما يقرؤه الأطفال:

ما يقرؤه الطفل، وما نقرؤه له ينبغي أن يظل متسمًا بسمات قليلة ثابتة، ولعل أهمها سمتان: الفائدة والمتعة. فالفائدة تساعد على تشكيل الجانب الروحي والعقلي والبدني والاجتماعي لدى الطفل، والمتعة أيضًا مهمة؛ لأن الطفل إذا لم يستمتع بما يقرأ فلن يستمر في القراءة. ولهذا علينا أن ندقق في نوعية الكتب والقصص التي نختارها للصغار، ولعل منها الآتي:

أ‌- الكتب والقصص ذات الأسلوب السهل السائغ التي لا يجد الطفل عناء في استيعابها.

ب‌- الكتب والقصص التي تشتمل على عوامل الإثارة والتشويق.

ت‌- يجب الابتعاد عن القصص التي تثير خوف الطفل وهلعه، مثل القصص التي تتحدث عن الجن والعفاريت.

ث‌- ثقافة الكاتب من الأمور المهمة التي ينبغي الانتباه لها، خاصة في الكتب المترجمة، التي قد تحتوي على ما يخدش جناب التوحيد، ونحو ذلك.

ج‌- يجب أن نختار ما يغرس في نفوس الصغار المعاني الإيمانية؛ لأن ما يقرؤه الطفل في سن مبكرة يؤثر تأثيرًا بالغًا في شخصياتهم وتكوين اتجاهاتهم.

 

3- بيئة حافزة على القراءة.

الوراثة تحدد الكثير من ملامح شخصياتنا على مستوى الجسم والشكل والقدرات الذهنية، ونحو ذلك، أما البيئة فإنها مصدر كبير ومؤثر جدًّا في صنع الرغبات وتحديد الاتجاهات وامتلاك المهارات… والبيئة المؤثرة في حب الأطفال للقراءة ليست واحدة، بل كثيرة ومتنوعة، منها:

البيئة المنزلية:

تتشكل الخطوط العميقة في شخصية الطفل عبر السنوات الست الأولى من عمره، والأسرة هي التي تبذر في نفس الطفل وفي عقله الميلَ إلى القراءة والشغف بمصاحبة الكتاب، وهي نفسها التي قد تتيح له تعود اللَّهو واللعب والانشغال بالأمور التافهة. ويجدر بنا الإشارة إلى ملامح الأسرة القارئة عبر النقاط الآتية:

1- الأسرة القارئة تمارس نشاط القراءة على نحوٍ يومي، فالطفل حيثما التفت يرى أبًا ممسكًا بكتاب أو أخًا يرسم شيئًا، أو أمَّا تشرح لأحد إخوته شيئًا غامضًا. وقد دلت دراسات عدة على أن تكوين عادة القراءة لدى الصغار يتطلب فعلا العيشَ في أسرة منهمكة في المطالعة والتثقيف.

2- الإنسان لا يُعد قارئًا بحق إلا إذا نظر إلى القراءة على أنها النشاط الطبيعي الذي يسعى المرء إلى ممارسته ما وجد إلى ذلك سبيلًا، وهو أيضًا النشاط المفضل خلال الأسفار وفي الحدائق وأماكن التنزه والمطاعم.

3- القراءة للطفل ليست سردًا لبعض المعلومات والأحداث، إنها وسيلة لإظهار عطف الأم وحنانها نحو صغيرها. والحقيقة أن الصلة العاطفية بين المربي وبين من يربيهم هي المادة الكيميائية التي تجعل الطفل يتقبل ما يقال له، ويطلب منه بشغف وسرور.

4- المكتبة المنزلية مهمة جدًّا لتحبيب القراءة إلى الطفل، إذ إن من الواضح أن الطفل إذا كان يعيش في محيط تكثر فيه الكتب، وأهله من حوله يقرؤون؛ فإنه تتولد لديه الرغبة في القراءة في معظم الأحيان. وينبغي أن يكون في مكتبة المنزل ما يُغذِّي عقول الكبار، وما يُغذِّي عقول الصغار.

5- لا يكفي وجود الكتب في المنزل لجذب الصغار إلى القراءة والمطالعة؛ بل لا بد من ترتيب بعض المحفِّزات الأخرى. مثل تخصيص مكان جميل للقراءة، وفيه بعض رفوف الكتب المزينة بعناية، وهكذا.

6- الجو الأسري الجيد والمحرض على القراءة لا بد أن يكون ممتعًا ومريحًا، والمقصود هو شعور الطفل بأنه يعيش في أسرة سعيدة ومرحة ومتعاطفة. فالبهجة تجعل التعليم أشد عمقًا وقوة.

البيئة المدرسية:

السؤال الذي يطرح نفسه باستمرار، هو: ما الذي يمكن أن تفعله المدارس في هذا الشأن؟ والجواب: يمكن أن تفعل المدارس الكثير والكثير، بشرط وجود درجة من الاهتمام بهذه القضية الجوهرية، ولعل مما يمكن أن تفعله المدارس الآتي:

1- تدل بعض الدراسات على أن تخصيص خمس دقائق فقط من وقت بعض الحصص الدراسية لقراءة شيء ممتع وجذاب قادر على رفع المهارات التحصيلية لدي الطلاب في القراءة والكتابة والتعبير، كما أنه تقوي علاقة الطالب بأستاذه، وتجعله يتفاعل معه روحيًا.

2- نحن اليوم نشهد موجة من تخفيف الواجبات المنزلية في المدارس الحكومية والأهلية لأغراض مختلفة وهذا خطأ. والمطلوب هو العكس، أي تكليف الطلاب بأعمال إضافية حتى يرتقي مستواهم العلمي، وتنعقد صلة عاطفية وعقلية بينهم وبين الكتاب.

3- الطلاب بفطرتهم لا يميلون إلى القراءة، ولهذا فلا بد من عمل شيء لتشجيعهم على القراءة وتحبيب الكتاب إليهم.

4- أسلوب الحفظ والتلقين والخطابة أسلوب يجعل موقف الطالب سلبيًّا من العملية التعليمية، والمطلوب أسلوب جديد في التعليم يقوم على جهد أكثر يبذله الطالب خلال الحصة الدراسية. ويقوم على الحوار والتطبيق والبحث وتعزيز الجانب العملي.

5- لا ينبغي أن تكون القراءةُ جزءًا من عقوبة تُقرر على الطلاب، إذ إن بعض المعلمين يظنون أن جعل الطالب يقرأ كتابًا، أو يكتب بحثًا؛ هو أفضل عقوبة رادعة ونافعة، وهذا ما لا يصح أن نسمح به.

 

ملخص من كتاب ” طفل يقرأ” للذكتور عبدالكريم بكار

 

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*