طرائق تدريس العروض (نفور الناس من العروض)- الدكتور ناصر لوحيشي

يروى أن رجلا ظل يختلف إلى مجلس الخليل بن أحمد الفراهيدي بغية تحصيل علم العروض، فلمّا ينل حاجته، ولا انتهى إلى أربه، وحين يئس منها الخليلُ ولم يشأ أن يصرفه عن مجلسه بطرقة قد تجرح إحساسه، وتسيء إليه، طلب منه أن يقطّع بيتا هو:

aroude

إذا لم تستطع شيئا فدعه        v       وجازه إلى ما تستطيع

فانصرف ذلك الّرجل لا يلوي على شيء لأنه أدرك مراد الخليل ومقصده.

لا شك أن لهذه القصة عبرا كثيرة، غير أنها تخفي وراءها عواقب مذمومة، وربما كانت سبب زهدنا في العروض، وهربنا من هذا العلم الذي أوضحنا أهميته وخطورته من قبل، ولعلّ هناك دواعي أخرى أدّت إلى نفور المتعلّم وصدوفهما عن العروض، ومنها:

  • كثرة المصطلحات وتشعّبها وازدحامها.

ب- غلبة الدراسة النظرية.

ج- كون العروض علما ولد كبيرا، ونزل كالأهضوبة (الدفعة من المطر).

ثم إن من “سوء حظ العروض أن مفاهيم مصطلحاته تؤدّيها ألفاظ خشنة جاسية، وظلت هذه المصطلحات نابية في اللسان، ثقيلة على الآذان، بعيدة عن الأذهان” كما أن طرائق تدريس العروض السائدة، غدّت النفور وأعانت على العزوف، ذلك أنها تجعل من التقطيع الأساس إلى تحقيق الأهداف التعليمية المرجوة.

أما تعريف التقطيع -ويسمّى التفعيل– فهو تجزئة البيت وتحليله بمقدار من التفاعيل أو الأجزاء. وللأستاذ مصطفى حركات تعريف آخر، مفاده أن التقطيع: “هو العملية التي تمكّننا انطلاقا من بيت شعري معيّن أن نحدّد مكوّناته الوزنية ابتداء من السواكن والمتحرّكات حتى البحر” ويبدو لنا أن طريقة التقطيع وحدها محفوفة بالمخاطر والورطات، وربما جعلت علم العروض علما مملولا ممجوجا، ولذا بعضهم يرفع عقيرته قائلا: “إن علم العروض، علم مرفوض”.

ألا إن أوّل ما يتبادر إلى الذّهن في عملية التقطيع أننا نحاول بالتجريب المعاد وضع البيت الشعري في القوالب التي يبلغ عددها ستة عشرة قالبا، مرّة بعد أخرى، والقالب الذي لا يوازن البيت الذي أمامنا، في نظام توارد الحركات والسكنات نعدل عنه ونجرّب قالبا آخر، وهكذا دواليك، ولعلّنا نعيد الكرّة ست عشرة مرّة أو زد عليها كثيرا، ولا شك أن وقتنا نافد مع تلك التجارب.

ولقد حاول بعض الباحثين والدارسين تيسير مادة العروض، وتقديمها في شكل مرغّب أخّاذ، ومحاولاتهم لا ينكر فضلها، ولكنّا وجدنا هذه المحاولات تركّز على الجانب الذهني، البصري، وتغفل جانب الذّوق والسماع والتغنّي والإنشاد.

من كتاب ” المرجع في العروض و القافية” للدكتور ناصر لوحيشي

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2010

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*