طبيعة الفكر الاستعماري- للدكتور عمار جيدل

التفكير الاستعماري ليس معلومات تردد هنا وهناك، وإبداء عدم الرضا بالاستعمار لا يجعل المرء حرا نقيا خالصا لبلده  ومخلصا له، ولعلّ من أهم ما يؤيّد شهادة إثبات صدق تلك التصريحات، شهادة العمل بمقتضى رفض الاستعمار في كلّ شؤون حياتنا، لهذا نبذ الاستعمار لا يقتصر على ذكر سلبياته – وهي كثيرة لا تحصى عدا، ولو لم يكن منها إلاّ أنّه استعمار لما سترت عورته ألبسة الدنيا كلّها- وإصدار البيانات ضدّه فقط، بل الأهم أنْ لا تكون تصرفاتنا صادرة عن منطقه في التفكير في شأننا الداخلي وعلاقاتنا الخارجية، من هذا المنطلق وجدتني مضطرا للحديث عن مظاهر التفكير الاستعماري  في تصرفاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية واختياراتنا الحضارية.

AFKAR

ركّزنا في هذه الدراسة على شخصية تُعَدُ من أبرز موظفي الإدارة الاستعمارية المهتمين بالدراسات الاستشراقية، ولكن بلون آخر، إذ اعتنى بما له أثر إيجابي على شؤون أمتنا في ماضيها وحاضرها ومستقبلها السياسي والحضاري، لن نتوقّف عند أقواله، بل نعمد إلى بعث حيوية في أقواله بتحليلها بما ينسجم وقراءة المعطيات الراهنة من جهة حضور التفكير الاستعماري في ثلاثة مستويات ، أولها مظاهر هذا التفكير عند غلاة الاستعماريين التقليدين، ومظاهر الأخذ بها في تصرفات الاستعماريين الجدد، لنختمها بمظاهر الأخذ بها أو تمثّلها في تصرفات بعض أهلنا، وخاصة في التصرفات السياسية لأفراد ومجموعات ما بعد الاستقلال (خروج المحتل من أراضينا) في البلاد العربية والإسلامية، فالجهد وإن كان تحليلا لأقوال، ولكنّه في الوقت نفسه محاولة تأوين أو تحيين المواصفات مع معطياتنا الراهنة.

تنطلق الدراسة من أطروحة مركزية مفادها: إنّ التفكير الاستعماري مسلك في يطبع فئات مختلفة من البشر والمجتمعات، وليس خاصا بفئة مخصوصة ولا بفترة تاريخية معيّنة، بل هو في العمق تفكير بمنطق مخصوص في الشأن السياسي والحضاري وتوابعهما في الشأن العام والخاص، تفكير يصبغ العقل والقلب؛ فيجعل المتلبّس بهذا المنطق من التفكير مؤثرا للمتغلّب الاستعماري على مصالح بلده، وهو وسيلة أساسية لتجنيد كلّ من يقدّم نفسه على أمّته ومجتمعه في مسار الاستعمار، فتجد مواقفه – وفي جميع الأحوال- ناطقة بأنانيته، وخاصة في الشأن العام، فتراه مستحوذا على مقدّرات الأمّة بغير حق، ولا يهم بعدها عناوين الاستحواذ؛ فتغيير العناوين لا يغيّر من الحقيقة شيئا، فقد يميل بعض الاستعماريين في تفكيرهم إلى تنويع عناوين الاستحواذ على مقدّرات الأمة، ولهذا يركّز التحليل على المواصفات التي تجعل الشخص أو المجموعة ضمن منطق التفكير الاستعماري، بصرف النظر عن ألوانها الإيديولوجية أو الفكرية  أو الموقع الجغرافي أو الفترة التاريخية؛ فما درجة صحة هذه الأطروحة؟.

هذا ما نحاول البت فيه تحليلا وفحصا وتمحيصا، بغرض صناعة وعي يتجاوز منطق التفكير الاستعماري بالتفكير الحر والتحرري، لأنه غير كاف أن يكون المرء صاحب فكر حر ما لم يتحوّل بصاحبه إلى فاعل تحرير يجعل الإنسان والأرض ميدان سعيه نحو التحرير، وأوّل مبادئها أن يكون الباحث في مثل هذه القضايا حرا من كلّ قيد آسر إنْ في ميدان التحليل أو آلياته أو مقاصده، ولعلّ من أوّليات التحرير([1]) التي تعني التقييد أي أنْ  يتقيّد الباحث بميراث أمته في التصورات وآليات تنفيذها والسير من أجل تحقيق أهدافها، فالمتحرر المنتمي إلى خط الأمة هو الذي يجعل رأس تحرره وباعث الفعالية فيه التقيّد بميراث أمته، بوصفها بواعث الحياة في تصرفاته الاجتماعية وتصرفات مكوّنات مجتمعه، فيتجلى فيه  الانتماء المثمر وفق قواعد الميراث الثقافي والحضاري للأمة؛ فليس في الخَلْق الأسوياء الموضوعيين المنصفين من يجعل التحرر معاداة الأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فضلا عن أنْ يكون عدوا لها في دينها وثقافتها.

فعين الحرية والسعي إلى التحرر قائمان على الالتزام بخط الأمة في دينها وثقافتها، وكلّ محاولة للتحرر بغير هذا القيد ليس إلاّ انتصارا للآخر المخالف في الملّة والوطن وبالتالي هو بذل في سبيل تحقيق مصالح الآخر القريبة والبعيدة فينا، فيكرّس التبعية عوض الاستقلال، وهو في واقع الأمر ليس إلا إماتة لأمتنا وإحياء لأمم أخرى فيها بعنوان الحرية.

من هنا عددنا التحرر بالمعنى السلبي المشار إليه أعلاه، ليس إلاّ نوع تعفين للجو الفكري المفضي إلى اكتساب مرض”فقد المناعة الحضارية”، أو إذا شئت الإيدز الفكري، وإذا كان الإيدز المرض المعروف يدمّر قوى المناعة؛ فإنّ الإيدز الحضاري يدمّر قوى المناعة الحضارية ويؤسس لقبول الغزو وتضييع الحميّة الحضارية  والدينية والوطنية ومن ثم الأسرية و…،  فيشيع في الأمة ثقافة الانسحاب من الشأن الخاص والعام والإهمال، فلا غيرة على البلاد ولا على العباد فضلا عن الدين والعرض، وهو مسلك معبّد للانسحاب من التحرير وقبل ذلك من التفكير في التغيير.

فضلا عن كون التفكير الاستعماري يتأسس على أقانيم ثلاثة، يستمد منها عناصر قوّته وهي مصدر بلائنا وضعفنا المادي والمعنوي، وتتلخّص في: الطمع والاستغلال والأنانية مجموعا بعضها إلى بعض([2])، فكلّ جهوده المبذولة، سواء كانت من قبيل ما ليس صريحا في خدمة مقاصد الأمة أو ما صرّح بخدمتها، فإنّه لا يتقدّم إلى خدمتها من حيث هي كذلك في حقيقة الأمر، بل يسوّقها إعلاميا  ويتباهى بها في المجالس الإعلامية، ولكن من غير عمل جدي في خدمة الإنسان المؤسس للاستقلال الحقيقي أو الراغب في تأسيسه واقعيا.

ولعلّ مما لا يحتاج اكتشافه إلى كبير عناء، بذل أمريكا وحلفائها قصارى جهودها لمنع ديمقراطية حقيقة في العالم العربي، مع تغنيها بذلك، حتى أنّها أصمت أسماعنا بالرغبة الأكيدة في دمقرطة العالم، والسبب بسيط جدا كما قال نعوم تشموسكي: “الغالبية العظمى في المنطقة تعتبر أمريكا مصدر التهديد الرئيسي لمصالحها، بل إنّ الأغلبية معارضة لسياسات أمريكا الخارجية”، ويعتقد سكان هذه المنطقة وغيرها من بلاد المستضعفين، أنّ المنطقة ستكون أكثر أمنا إذا غادرتها الولايات المتّحدة الأمريكية، فهي أهمّ أسباب ومصدر التوتّرات في العالم العربي وغيره، لأنّها دوما نصيرة للآكل على حساب المأكول، فليس في حساباتها ظالم ومظلوم بل آكل ومأكول، وهي في الغالب نصيرة الآكل إن كان من مسوّقي أطروحاتها والمؤيّدين لسياساتها على حساب شعوب المنطقة وحريتهم في تقرير مصيرهم.

ولهذا خَلُصَ الأستاذ تشومسكي إلى القول بأنّ: “أمريكا وحلفاؤها لا تريد حكومات تعبّر عن إرادة الشعوب، فلو حدث هذا لن تخسر أمريكا سيطرتها على المنطقة فحسب، بل أيضا ستطرد منها.”

ثم يستطرد قائلا:” توجد خطّة للعبة يتم تطبيقها نمطيا ولا نحتاج عبقرية لفهمها، فإذا كان لديك ديكتاتور مفضّل يواجه مشاكل فقف بجانبه حتى آخر مدى، وعندما يستحيل الاستمرار في دعمه لأي سبب فقم بإرساله إلى مكان ما ثُمَّ قم بإصدار تصريحات رنّانة عن حبّك للديمقراطية ثم حاول الإبقاء على النظام القديم ربّما بأسماء جديدة وقد حدث هذا مرارا وتكرارا(نيكارغوا، إيران، الفلبين، هايتي، كوريا الجنوبية، الكونغو، رومانيا، أندونيسا، وأخيرا وليس آخرا مصر([3])).

لهذا حُقَّ للشرقي أن يقول في حق كلّ استعمار ورأسه في العصر الحديث الولايات المتّحدة الأمريكية، التي قال عنها العلامة البشير الابراهيمي في الخمسينات([4]) من القرن الماضي، العملاق الذي رجله في طهران ويده على الظهران وعينه على وهران([5])، إنّها مصدر بلاء العالم العربي والإسلامي، إنّ العقل الاستعماري منطقه وفق النسخة الأمريكية قائم على: حجّة القوة لا قوّة الحجة، يؤكّد هذه المعاني، قول محمد البشير الابراهيمي:” أما أحد العقلين فيتلقى الوحي من القوّة التي تعمي عن الرشد، ويمتص الغذاء من  الحقد المتأصّل الذي يضل عن الهدى، وينحط إلى الغرائز الحيوانية يأخذ عنها مُثُلَه السفلى، ويبني العلائق بين الناس على العنصرية والتفوّق والسيادة، ويرجع بطبقات البشر كلّها إلى قسمين: قوي آكل، وضعيف مأكول، ولا ثالث، ويذهب في الألفاظ ومعانيها ولوازمها مذاهب غريبة عن متعارف اللغات، فظلم القادر لا يسمى ظلما، لأنّه صادر من قادر، وقتل الأرواح ليس قتلا، ما دامت الأجساد تتحرّك، …لأنّ القوّة إله ثان نبيّه هذا العقل، وكتابه ينحصر في آية: لا صلة بين السماء والأرض، وشريعته مبنية على قاعدة: كن قويا واصنع ما شئت، ثم يستشهد منطق العقل العام، وسنن الكون وطبائع البشر، فتخذله”([6]).

إذا كان الاستعمار هذا شأنه فإنّ بغضه فطرة بشرية سويّة، ليس لعاقل أن ينكرها، وهل يحب المرء من يحرّش بينه وبينن أهله.؟ وهل تودّ القلوب مؤسسات لا يهدأ لها بال بغير الحفاظ على تبعيتها الفكرية والمادية والمعنوية؟

وبما أنّ الولايات المتّحدة هي أم الاستعمار على قول البشير الإبراهيمي، فالأم أكره إلى القلوب من الأبناء والأحفاد فضلا عن  الموالي و المُموّلين من العرب والعجم، لهذا عُدَّ محب الاستعمار والمرافع عن مشاريعه فاسد الفطرة إنسانيا وأخلاقيا، تجده في الغالب يطوف على نفسه، أناني مسكون بقاعدة الفارين من المصحات النفسية” أنا وبعدي الطوفان”، أو أنْ أحكم أو أتحالف مع الشيطان لأمنع المجتمع من التعبير عن إرادته السيّدة، وشاهده تحالف الاستبداد(فلول الأنظمة البائدة) والاستيلاب  ممثلا في حركات “شعبية” يسارية ويمينية ضد إرادة الشعب، مثلما وقع ويقع في كثير من بلاد المسلمين.

يسجّل الشيخ العلامة الإبراهيمي التحايل الاستعماري الأمريكي على شعوب المنطقة عبر التاريخ، وما تابت أمريكا عن سياستها الاستعمارية، فقال عنها رحمه الله:” هي التي ألّبت الأمم الصغيرة ودويلاتهم حتى إذا جالت الأزلام وأيقنت بالفوز، أمسكت إمساك المتعفف، وتظاهرت بالروية والحكمة، وجبرت خواطركم بالحياد، وملأت الدنيا بهذا الحياد الفاضح، فكانت كالقاتل المعزّي…” ([7]).

وخير شاهد على السياسة الاستعلائية الاستعمارية الاحتقارية للشعوب المستضعفة ما فعلته وتفعله في أيامنا الأخيرة ببلاد المسلمين شرقا وغربا([8])، فجمعت الولايات المتّحدة الأمريكية بسياستها الاستعمارية وحيلها الجهنمية ما لا يجتمع، وفرّقت ما أصله أن يكون مجموعا، فحرّشت بينهم -والتحريش وظيفة إبليسية([9])– وهوّلت ضد إرادة الشعوب، وهوّنت من شأنها، لأنّها للأسف لا تؤمن بالاستقلال الحقيقي للمجتمعات الإسلامية والعربية، ومن رضيت عليهم من العرب والعجم فهم كتبة حواشي على متنها، يستأصلون التفكير في مقاومتها، ميسّرون لمرور غارة الغزو الفكري والسياسي بكلّ أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والحضارية، مانعون لكلّ تفكير في نهضة مستقلة تجعلنا أمّة إيجابية مؤثرة في حاضر الإنسانية ومستقبلها.

([1])  ترد الكلمة بمعاني متنوّعة،  و تدور في مجملها على  التقييد؛ فتحرير محلّ النزاع تحديد مناط الخلاف، وهو تنبيه على ضرورة  التَقَيُّد به في المطارحة أو المنازعة،  و تحرير الكتابة تقييدها.

([2])   راجع آثار الشيخ البشير الإبراهيمي 5/ 66.

([3])  الانقلاب على الإرادة الشعبية المعبّر عنها بالانتخابات الشرعية في جمهورية مصر العربية، فقد تآمرت و م أ على السلطة الشرعية في مستهل يوليو 2013.

([4])  جريدة البصائر العدد 113، بتاريخ 27 مارس 1950م.

([5])  آثار الشيخ البشير الإبراهيمي 3/406.

([6])  آثار الشيخ البشير الإبراهيمي 4/166.

([7])   آثار الشيخ البشير الإبراهيمي 4/450.

([8])  من أفغانستان إلى العراق إلى سوريا،… وأخيرا وليس آخرا مصر الكنانة.

([9])  شاهد ذلك ما أخبر به النبي(صلى الله عليه وسلّم)، فيما أخرجه مسلم رقم  (2812) ، قال النبي(صلى الله عليه وسلّم): «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*