ذكرياتي عن مولود قاسم نايت بلقاسم – الدكتور مولود عويمر

نظم المجلس الإسلامي الأعلى ملتقا دوليا عن شخصية وفكر مولود قاسم نايت بلقاسم وذلك أيام 27، 28، 29 مارس 2005م.

ولم تسمح لي التزامات علمية سابقة لأساهم في هذا الملتقى على الرغم من حرصي الشديد على ذلك لما أكنه من احترام كبير وتقدير خاص للمحتفى به وللمنظمين للملتقى.

وفي هذه المقالة أحاول أن أسدد جزء من الدين تجاه الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم.

 

قصتي مع مجلة الأصالة:

تعرفت على مجلة الأصالة التي أسسها مولود قاسم نايت بلقاسم في مارس 1971م، وأنا تلميذ بالمدرسة الإكمالية. كنت أطالع هذه المجلة بشغف كبير بين صلاتي العصر والمغرب حين يخلو المسجد من المصلين وفي العطلة الصيفية. فأبناء الفقراء لا تتح لهم دائما فرص السفر أو الاصطياف على شواطئ البحر.

وبما أنني لم أكن مهتما كثيرا بالرياضة والألعاب التي تشغل بال كثير من أصدقائي، أفضل قراءة الكتب ومطالعة المجلات. ولكن أين أجد الكتب والمجلات في مدينتي الصغيرة (بوغني) التي تقع في أسفل جبال جرجرة وليست فيها مكتبة عمومية أو مركز ثقافي؟ وأين لي من مال لأشتري به الكتب والمجلات من أقرب المكتبات التي تبعد عن مدينتي بعشرات من الكيلومترات؟

كانت مكتبة المسجد مأواي الوحيد الذي أجد فيه ضالتي. والمكتبة تتكوّن من خزانة صغيرة مصنوعة من حديد مغلقة بالأغلال، ولا يستفيد من محتوياتها إلا الإمام الذي يستعين بكتبها لتحضير خطبة ودرس الجمعة.

وتحتوي الخزانة على كتب قليلة: تفسير المراغي، صحيح البخاري، الموطأ للإمام مالك، رياض الصالحين للإمام النووي، كتب ملتقيات الفكر الإسلامي، وأعداد من المجلات الدينية: “الأصالة”، “الرسالة ” و”منبر الإسلام” التي كانت تصدر عن الأزهر الشريف بمصر.

وشفعت لي علاقتي الحسنة مع الإمام الشيخ قدور وقيّم المسجد سي موح في الاستفادة الاستثنائية من “كنوز” هذه المكتبة.

لقد تعرفت من خلال مطالعتي لمجلة الأصالة على مجموعة من العلماء والمفكرين المسلمين، وأعدت قراءة مقالاتهم مرات كثيرة، وحفظت أسماءهم، وترسخت أفكارهم وصورهم في ذاكرتي.

واكتشفت لأول مرة كتابا وعلماء جزائريين متميزين وكنت أشعر في قرارتي نفسي براحة كبيرة من هذا الحراك الثقافي والفكري في الجزائر، والذي يعبر عن الرغبة العميقة للقطيعة مع التخلف، ورواسب الاحتلال الاستعماري، ويكشف عن النية الصادقة عند هؤلاء المثقفين للنهوض والتطور.

وكنت أتلمس ذلك بشكل خاص في مقالات مولود قاسم العميقة، والغنية بالشواهد التاريخية، والمعاني الفلسفية. فأحفظ عناوينها وعباراتها السجعية، وأسجل ملخصات لها في كراس خاص.

وأثار انتباهي أيضا تفتح مجلة الأصالة على الثقافات العالمية، فما زلت أتذكر صور هيجل وفيخته وهيغو وبيتهوفن ورينان وماركس وسارتر إلى جانب إبن سينا وإبن خلدون وجمال الدين الأفغاني والكواكبي وإبن باديس وإقبال…الخ.

وكنت أتابع تطور النشاط الفكري والثقافي في العالم الإسلامي والغرب من خلال ركن “النشاط الثقافي” وباب “التيارات الفكرية العالمية”.

وتحسرت كثيرا على الأعداد الناقصة في مكتبتنا. ولما التحقت بالثانوية في مدينة أخرى (ذراع الميزان) على بعد خمسة عشر كيلومترا من بلدتي الصغيرة، ترددت كثيرا على مكتبة مسجد المدينة العتيق حرصا على استكمال مطالعتي للأصالة من خلال الأعداد التي لم أقرأها من قبل. وهكذا تعلمت من مجلة الأصالة أكثر مما تعلمته من دروس أساتذتي المفيدة، وتوجيهاتهم النافعة.

 

في ملتقيات الفكر الإسلامي:

لم أحضر ملتقيات الفكر الإسلامي في عهد الوزير مولود قاسم إذ كنت شابا صغيرا في السبعينيات، واستطعت في عام 1988م أن أحضر ملتقى حول “الأمة الإسلامية” بالجزائر العاصمة، وملتقى آخر في تبسة عام 1989م. وتعرض هذا الأخير لإشكالية المجتمع الإسلامي المعاصر.

وكان كل ملتقى فرصة للاستزادة في العلم والمعرفة، والتعرف عن قرب على العلماء البارزين: محمد الغزالي ويوسف القرضاوي وأبي الحسن الندوي ومحمد سعيد رمضان البوطي ورجاء غارودي ومحمد عمارة وعبد الحليم عويس وعبد الهادي أبو ريدة وأنور الجندي…إلخ.

كل هؤلاء الأعلام تعرفت عليهم من مطالعاتي لكتبهم ومقالاتهم في مجلات إسلامية ك “منار الإسلام” و”الأمة”.

وأتذكر جلسة جمعتني بالأستاذ مولود قاسم والشيخ محمد الغزالي والشيخ أحمد حماني بقاعة المحاضرات بفندق الأوراسي، وفي وسط الحديث، اقترب منا أحد الصحافيين والتقط لنا صورة. ولا أدري لحد الآن مصير هذه الصورة التذكارية.

جاء الأستاذ مولود قاسم وعالم أسباني يلقب بعبد الله إلى الحي الجامعي بتبسة بعد صلاة العشاء… وألقى كل واحد منهما كلمة داخل مسجد الطلبة، ثم فتح المجال للنقاش والحوار. كان اللقاء ثريا تخللته الدعابة والنكت، اكتشفنا فيه الوجه الآخر لمولود قاسم المعروف بالصرامة.

وفي تقديمه للضيف الجزائري، ذكر مولود قاسم أنه سافر مع الدكتور عبد الله إلى طهران، والتقيا بالإمام الخميني مباشرة بعد نجاح الثورة الإيرانية في عام 1979م. وقال أنا لست محظوظا كالدكتور عبد الله الذي أهدى له الخميني نسخة من كتابه “الحكومة الإسلامية”. وقد قام مولود قاسم بدراسة لهذا الكتاب، ونشرها على صفحات مجلة الأصالة.[1]

وعند الخروج من مسجد الطلبة أنطفأ الضوء، وانتشر الظلام في الساحة. بحث مولود قاسم عن صديقه الأسباني المسلم فلم يجده بجانبه، فصاح قائلا: “ضيعتمونا! ضيعتمونا!” وافترق الجميع، وهم يضحكون من هذه الحادثة الطريفة.

 

نصحني بمطالعة جريدة العروى الوثقى:

نصحني مرة الأستاذ مولود قاسم بقراءة جريدة العروى الوثقى التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في باريس في عام 1885م. فسألته: ولكن أين أجد هذه الجريدة القديمة؟ فقال إنه يملك نسخا منها، وأعطاني عنوان مكتبه بقصر الحكومة، حيث كان آنذاك مسؤولا على المجلس الأعلى للغة الوطنية.

وكان حرصي شديدا على مطالعة هذه الجريدة، فقمت بزيارته مرتين، لكن في كل مرة، يخبرني البواب بالمقولة الشهيرة في العالم العربي: “هو في اجتماع، ولا يستطع أن يستقبلك اليوم”!

حزنت على عدم السماح لي بلقاء مولود قاسم، وحزنت أكثر على “العروى الوثقى” التي جئت من أجلها، ولم أتحصل على بعض أعدادها. ولم أعد إلى زيارته مرة أخرى لأنني أدركت أن لقاء مولود قاسم في هذا المكان مستحيل. لقد اعتبرنا أن تجديد لقائنا أمر سهل، ولم نكن ندري أن البيروقراطية هي السيّدة في كل موقع.

وشاء الله أن يعوّضني عن ذلك خيرا كثيرا بعد سنوات؛ فاطلعت على كل أعداد هذه الجريدة في المكتبة الوطنية بباريس، وكتبت دراستين عن جمال الدين الأفغاني، وجريدة العروى الوثقى[2]، وزرت أيضا مقرها بالعاصمة الفرنسية، وأخذت به صورا تذكارية قبل أن يهدم هذا الصرح التاريخي العظيم، وتبنى في موضعه عمارات ومحلات تجارية! ويزول بزواله معلم من معالم ذاكرة الوجود العربي الإسلامي في أوروبا!

 

محاضرته في الجامعة المركزية:

وتابعت نشاطاته الثقافية والفكرية عندما كنت طالبا بجامعة الجزائر، وقرأت حواراته في الصحافة الجزائرية، وكتاباته في مجال التاريخ.

واستمعت إلى محاضرته التي ألقاها في قاعة إبن بعطوش بالجامعة المركزية في عام 1989م. وقد لخص في هذه المحاضرة أهم الأفكار التي وردت في كتابه “شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830م”، والذي أصدره في عام 1985م.

وقد ساد نقاش حاد بينه والمؤرخ الدكتور مولاي بلحميسي[3] الذي أراد أن يقنع الأستاذ مولود بوجهة نظر أخرى، وهي أن الجزائر -قبل الاحتلال الفرنسي-  لم تكن دولة مستقلة عن الباب العالي، وإنما كانت ولاية خاضعة إداريا وسياسيا بصورة مباشرة للإمبراطورية العثمانية.

 

اللقاء الأخير:

كان آخر لقاء لي مع الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم في عام 1990م في النفق الجامعي بالجزائر العاصمة، حيث استمعنا إلى محاضرة للدكتور الربيع ميمون[4] أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر.

وفي أوت 1992م، وأنا أنصت لنشرة الأخبار الثامنة، أعلنت الصحافية عن وفاة مولود قاسم نايت بلقاسم، فتألمت كثيرا لرحيله في ظرف كانت الجزائر في أمس الحاجة إلى رجالها المخلصين والوطنيين. رحمه الله رحمة واسعة وجعل الجنة مثواه.

من كتاب « شخصيات و ذكريات» للدكتور مولود عويمر
إصدارات جسور للنشر و التوزيع 2012

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*