دور‮ ‬جمعية‮ ‬العلماء‮ ‬المسلمين‮ ‬الجزائريين‮ ‬في‮ ‬الدفاع‮ ‬عن‮ ‬اللغة‮ ‬العربية‮ ‮ ‬أثناء‮ ‬الاحتلال‮ ‬الفرنسي‮ (الجزء1)- بقلم الدكتور عبدالقادر فضيل

مقدمة:

الحديث عن حماية اللغة العربية  والدفاع عنها في فترة الاحتلال الفرنسي حديث عن الوطن وعن القيم الوطنية وعن جهود الشعب الجزائري وجهاده السياسي والثقافي من أجل الحفاظ على كيانه وإثبات وجوده، والصمود في وجه المحاولات الاستعمارية الرامية إلى تقويض أركان الشخصية الوطنية، وطمس المعالم الثقافية وتشويه التاريخ الوطني.

وقد تجلى ذلك في الصمود الذي أظهره الشعب و في المقاومة الشديدة  لسياسة الاستعمار، والمخطط الذي رسمته هذه السياسة في المجال الثقافي واللغوي، تلك السياسة التي بنيت على أساس سحق الكيان الجزائري من الوجود، أو تذويبه في كيان غريب عنه من خلال البدء بتدمير مقومات الأمة وهدم أركان الشخصية، ومحاولة إضعاف الشعور العربي الإسلامي في نفوس المواطنين أو انتزاعه منهم، ليسهل فصلهم عن أصولهم الحضارية، وتحويلهم من أناس لهم تاريخ وحضارة وانتماء عربي إسلامي إلى أناس آخرين ليس لهم انتماء محدد، إلى أناس ليسوا عربا وليسوا عجما، وليسوا فرنسيين لأن الإدارة تريد أن تبقيهم تابعين لفرنسا لغويا وعاطفيا، ولكنهم لا يتمتعون بما يتمتع به الفرنسيون، ولا تتاح لهم فرص التثقيف التي هي من الحقوق الأساسية لكل مواطن فرنسي، عليهم أن يخدموا فرنسا و يندمجوا في البيئة الفرنسية لغة وثقافة وأخلاقا، ولكن لا يجوز لهم أن يطالبوا بالحقوق التي تعطى للفرنسيين، لأنهم ليسوا فرنسيين، وإن اعتبروا رعايا فرنسيين في الأوراق الثبوتية.

إن الحالة البائسة التي كانت عليها اللغة العربية، وكان عليها المتمسكون بهذه اللغة بسبب المضايقات التي كانت تسلط عليهم، وعلى المؤسسات التي تعلم اللغة العربية هي التي حركت اهتمام الشخصيات العلمية والسياسية والجمعيات الأهلية والقوى الوطنية وكل من كانت لهم القدرة على الإسهام في مجال ترقية الحياة الجماعية: السياسية والثقافية، والفكرية وتنمية الوعي الوطني والديني والثقافي، حركت هذه الأوضاع مشاعرهم وأذكت غيرتهم على الوطن فتصدوا لمجابهة السياسة الاستعمارية، ومقاومة الأساليب التي انتهجتها حتى يقللوا من الأثر السلبي لهذه السياسة، التي كانت لها غايات متعددة.

ومن أهمها الحرص على صناعة جيل من الجزائريين لا يعرف شيئا عن أصوله، ولاعما يربطه بتقاليد بيئته، بل أحاطته بنوع من الظروف أوجدتها خصيصا لتجعله  متنكرا لأصوله منسلخا عن قيمه، غريبا عن حضارة أمته، يعيش داخل الوطن ولا يعرف تاريخ هذا الوطن، يمارس عقيدته ولكن الظروف الثقافية التي فرضت عليه أبقته جاهلا بأصول هذه العقيدة، فلا هو مطلع على ثقافة أمته ومستوعب أصول هذه الثقافة، ولا هو متمكن من ثقافة المستعمر التي يعيش في ظلها، لأن فرنسا أرادته أن يبقى هكذا بلا تاريخ، يعيش ضائع الهوية ممزق الشعور، هذه هي الحالة التي حرصت فرنسا أن تنشأ الأجيال على أساسها.

لقد قذفت فرنسا هذا الوطن – كما يقول البشير الإبراهيمي – بأربعة أنواع من القوى مختلفة التأثير، متحدة الأثر، متباعدة المبادئ، ولكنها تلتقي عند هدف واحد هو: “التمكين للاستعمار” حاربت هذا الوطن بأربعة أصناف من الأسلحة البشرية أخفها فتكا هو الجندي، هذه الأصناف هي: (الجندي والراهب والطبيب والمعلم).

وقد أجرت لهم عملية التلقيح بمادة الاستعمار، فلم يبق المعلم معلما علميا، ولا الطبيب، طبيبا إنسانيا، ولا الراهب أبا روحيا، وإنما جاءوا في ركاب الاستعمارلتجذيره وتثبيت أركانه.

محاربة اللغة العربية من أولويات برنامج الإدارة الاستعمارية:

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السلطة الاستعمارية بعد أن بسطت نفوذها العسكري والسياسي والإداري على أرض الجزائر، ومكنت المستوطنين من السيطرة التامة على البلاد (بحيث أصبح كل شيء في أيديهم) شرعت في توسيع نطاق الاحتلال بهدف استكمال تنفيذ المخطط السياسي الاستعماري في جوانبه الفكرية والثقافية، وبذلك وجهت الإجراءات الإدارية والقانونية إلى إقرار سياسة ثقافية خاصة، هدفها التجهيل والفرنسة والمسخ، وطمس كل معلم من معالم الثقافة الوطنية، فسنت القرارات والقوانين المحققة لهذا الغرض، من ذلك: الإجراءات الموجهة لضرب اللغة العربية وتشديد الحصار عليها وعلى تعليمها.

ومن أخطر الإجراءات التي اتخذت منذ البداية لسد المنابع التي تغذي العربية وقطع أسباب الحياة عنها:

1- الإستيلاء على مؤسسات التعليم بهدمها أو تغيير وظيفتها، مما ترتب عنه انحصار التعليم في بعض الكتاتيب، وغياب المؤسسات الوطنية التي كانت  مركز إشعاع بالنسبة إلى الجزائريين، تلك المؤسسات التي كانت اللغة العربية فيها هي لغة التعليم والعلم والبحث، ولكن بعد الإستيلاء على هذه المؤسسات قل نشاطها وضاق مجال التعلم بها وقل عطاؤها.

2- مصادرة الأملاك الوقفية والريع الذي كانت تدره، تلك الأملاك التي كانت تغذي التعليم وتمول الأنشطة الجارية في المؤسسات التعليمية والدينية.

3- ضرب حصار شديد على الجزائر، وتشديد الرقابة على كل ما يأتيها من البلدان العربية والإسلامية من كتب وجرائد ومجلات، وتقييد حرية التنقل، حتى لا يتصل أبناؤها بما يثري ثقافتهم، ويعمق ارتباطهم بهذه الثقافة، وينمي وعيهم بذاتيتهم.

4- لم تكتف الإدارة الفرنسية بحرمان الأهالي من تعلم لغتهم والاتصال بثقافتهم، بل عمدت إلى حرمانهم من نعمة التعلم عموما، لأنها كانت تخشى من الإنسان المتعلم، فالتعلم يفتح أمام الشخص أفاقا فكرية، ويعطيه فهما دقيقا للمحيط، وهذه الحقيقة دفعتهم إلى تضييق مجال التعلم الموجه إلى الجزائريين.

وبهذه الإجراءات الظالمة بدأ التوجه نحو تحقيق تنفيذ سياسة الفرنسة والتجهيل والمسخ، التي جعلتها الإدارة الاستعمارية مدخلا رئيسا للقضاء على اللغة العربية، ومحو شخصية الأمة، وتجريد أفرادها من كل شعور يربطهم بمقومات هذه الشخصية، وبما أن اللغة العربية هي أهم مقوم من مقومات الشخصية وجه حكام الاستعمار جهودهم إليها، بالعمل على إقصائها، ومنع تعليمها، وحرمان أهلها من تعلمها، واعتمدوا في ذلك النظام المدرسي الفرنسي باعتبار أن المدرسة هي السلاح القوي الذي اتخذوه لتغيير واقع المجتمع الجزائري، في الاتجاه الذي يلائم سياستهم ويحقق أهدافهم.

إن إقصاء اللغة العربية وتحريم تعليمها واعتبارها لغة أجنبية لا يجوز التعامل بها، وإحلال الفرنسسية محلها في جميع المجالات عبّد الطريق أما الفرنسة، وفتح الباب أمام البرنامج التغريبي الذي فرض على الثقافة الوطنية أن تعيش في عزلة تامة محرومة من كل ما ينميها ويبعث فيها الحياة.

مقاومة سياسة الفرنسة:

لذا كان لابد أن يثور الشعب منذ البداية أي منذ أن أدرك نوايا السياسة الاستعمارية، ورأى بعينيه الأساليب الجائرة التي تتبع في التعامل مع لغته ودينه، ومع المؤسسات  التعليمية والدينية، التي تعتبر الملاذ الآمن للدين واللغة، لذا كان لا بد أن يعلن رفضه المطلق  للسياسة اللغوية الجائرة، التي فرضت عليه أن يهجر لغته في مجال التعامل، وكان لابد أيضا أن يعلن المقاومة الصلبة بالقول والفعل، لإفشال هذه السياسة أوالتقليل من أثرها، ويسعى بكل الوسائل لحماية اللغة العربية والدفاع عنها، وإحياء مجدها وترقية اهتمام الناس بها، ليقوا مجتمعهم من مخاطر الابتلاع .

إن الفرنسة التي جعلتها السياسة الاستعمارية هدفا من أهداف الاحتلال مرتبطة بالتجهيل وقائمة عليه، بل هي مرادفة له، فالفرنسة والتجهيل كلاهما مؤد للغرض الذي خططت له الإدارة، وحرصت على تنفيذه، بواسطة المدرسة والنظام السياسي الموجه لسياسة المدرسة.

فالفرنسة لا تعني تغيير أداة الخطاب، من لغة عربية إلى لغة فرنسية فحسب، كما لا تعني التركيز على تعليم الناشئة بالفرنسية وحدها، إنما تعني فرنسة اللسان والفكر والشعور والروح، وإعادة تشكيل وجدان الإنسان الجزائري، بحيث يصبح إحساسه  بجنسه وعروبته وإسلامه ووطنه شبه منعدم، لأن التعليم زرع فيه إحساسا آخر، يتنافى مع الإحساس بالعروبة والإسلام، وبهذا الإحساس تصبح الهوية بالنسبة إليه مجرد انتماء جغرافي أوبطاقة تعريف تستخرج من مصالح الحالة المدنية لا علاقة لها بالدين واللغة والوطن، ومن ثم فالانتماء الذي تكرسه الفرنسة هو الإنتماء الثقافي واللغوي، فأية لغة يتعاطف معها الإنسان وينجذب إليها بفكره وروحه ويحس بشعور رهيف نحوها فهي  جنسه وجنسيته وهويته، وأية ثقافة يتعاطاها بفكره ووجدانه ويندمج معها فهي روحه وانتماؤه، ومن ثم يتضح أن لا فرق بين سياسة التجهيل وسياسة الفرنسة في مفهوم الاستعماروحسب خطته.

ورغم هذه المضايقات ظلت اللغة العربية صامدة في مواجهة التحديات والحرب المعلنة ضدها، كما ظل أهلها صامدين لم يضعفوا ولم يستسلموا.

لم تكتف الإدارة الآستعمارية بأنواع المضايقات التي سلطتها على اللغة العربية حتى خارج المدرسة الفرنسية، بل عمدت إلى إجبار الجزائريين على أن يتعاملوا بغيرها، لأنها في نظر الإدارة لغة أجنبية لا يجوز التعامل بها قانونا، وأضافت الإدارة أمرا آخر وهو أنه لا يجوز فتح مدرسة لتعليمها إلا برخصة خاصة ،وبشروط تعجيزية قد لاتحقق الهدف.

وقد هب الجزائريون جميعا لإعلان موقفهم الرافض لسياسة المستعمر في المجال اللغوي والديني، وهذا ليس غريبا عن الجزائريين الذي عرفوا بأنهم شديدو التمسك بلغتهم، فغيرتهم عليها جزء من غيرتهم على الدين .بل يعتبرونها وجها من أوجه العقيدة الإسلامية، فالإسلام أساسه العربية فهما واستيعابا، والعربية روحها الإسلام قلبا وقالبا.

لذلك وقفوا مدافعين عنها صامدين في وجه التحديات المفروضة عليها، مطالبين حكومة فرنسا بترسيمها، وتعميم التعامل بها، على غرار الفرنسية، ظل هذا موقفهم لم يتنازلوا عنه، وإن كانت الإدارة الاستعمارية تسدّد الضربات تلو الضربات للقائمين على تعليمها، وتشدد في ملاحقتهم وتفرض عليهم أن يقبلوا الواقع اللغوي المفروض، ولا يجاهروا بما يناقضه حتى لا يعتبروا أعداء لفرنسا .

لقد ظلت هذه الإدارة حريصة على إبعاد الشعب عن لغته وارتباطه بها وربطه اجتماعيا وأخلاقيا بلغة المستعمر، وإبقائه تابعا تبعية كاملة، فيها إهانة للوطن وهوان للغة واحتقارا للعنصر البشري، والهوان الذي يلحق اللغة يلحق باقي المقومات، ويدمر الهوية من أساسها، والمعروف عن الجزائريين كما  أسلفت أنهم غيورون على مقومات وطنهم، فالغيرة على اللغة العربية مثلا كانت شعورا مندمجا مع الغيرة على الوطن والدين، في كل مراحل الكفاح الوطني قبل الثورة، وفي أثنائها، فكلمة القائد عميروش حول اللغة في أحد إجتماعاته تؤكد لنا صدق هذه الغيرة التي كانت عند الوطنيين المخلصين حتى ولوكانوا غير متعلمين ومما قاله في هذا الشأن وهو يتحدث عن العناية باللغة التي كانت مهانة في دارها :

“إن أبرز ظاهرة لإستقالال الأمة لغتها وآية ذلك أن يتعلق بها أهلها ويعتزوا بها ، وقد آن الأوان أن تعز اللغة بعزة أهلها وتأخذ مكانتها في المدرسة والإدارة  والمحكمة…إلخ”*.

وقد أحست بهذه الروح جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي برز دورها كهيئة وطنية ممثلة للأمة في مطلع الثلاثينيات تبنت الدفاع عن مقومات الشخصية، لأنها أحست بمسؤولياتها في هذا المجال .

وحين لمست هذه الروح في المواطنين دعتهم إلى الالتفاف حول مشروعها الإصلاحي وبرنامجها التعليمي، الذي ركزت فيه على تعليم اللغة العربية ونشرها وتحبيبها للناشئة، وقد أسهم ابن باديس رئيس هذه الجمعية وغيره من العلماء في تنمية هذه الروح من خلال المهمة التي نذر نفسه للقيام بها، وبفضل خطته التعليمية ودروسه التثقيفية ومقالاته الصحفية التي بين فيها مكانة اللغة العربية ودورها الرائد في بناء نهضة الأمة وأهميتها في تنمية الفهم الديني الصحيح وترقية الذوق الأخلاقي .

فاللغة بالنسبة إلى ابن باديس هي الجسر الذي يصل أبناء الأمة بأسلافهم وبما تركوه من مجد وفكر، وهو الذي يربطهم بأبنائهم وأحفادهم في المستقبل، ويعزز الروابط بين الأفراد أفراد الأمة الواحدة .

واللغة العربية من بين اللغات التي تنطبق عليها هذه الحقيقة، وقد وصلت  إلى بلادنا وانتشرت في ربوعها منذ أن أنعم الله على هذه الأرض بالإسلام، ومنذ ذلك الوقت أصبحت لغة العامة والخاصة ولغة الدولة والشعب، لأنها اللغة التي من خلالها استوعب المواطنون حقائق الإسلام، وهي الأداة التي بها يناجون خالقهم في كل يوم ويفهمون القرآن ويطلعون على التراث والتاريخ والآداب، وبها يتواصلون مع أبناء جنسهم، ويحسون بانتمائهم القوي إلى أمتهم. لهذا جعلها ابن باديس رديفة الإسلام، وخصص لها مكانة في مشروعه الإصلاحي وخطته التعليمية، ورغم كل الأساليب القهرية والقرارات الجائرة التي حاولت بها الإدارة الفرنسية أن تجعل الجزائريين يتخلون عن التعصب للغتهم، فإن ذلك لم يثنهم عن موقفهم وعن المطالبة بحقهم المشروع، بل دفعهم ذلك إلى الصمود وتنويع أساليب المقاومة التي استمرت، واتخذت أشكالا متعددة.

أشكال الصمود والمقاومة:

الصمود هوأن يثبت الإنسان على موقف واحد ويتمسك به لا يغيره، مهما كانت الصعاب والتحديات، والمقاومة هي رد فعل طبيعي لكل جماعة اعتدي عليها والشعب الجزائري قد اعتدى عليه الاستعمار الفرنسي ظلما وعدوانا، ومسته اعتداءاته في صميمه، فكان من الطبيعي أن ينهض أفرادا وفئات لمقاومة المعتدي وإعلان المواجهة بكل الوسائل .

ومن أساليب الصمود و المقاومة:

1- تمسكهم الشديد بلغتهم إلى درجة التقديس ورفضهم الكامل لكل المحاولات الهادفة الى التقليل من حبهم للغتهم و تشويه صورتها في أذهانهم وإقناعهم بأن اللغة الفرنسية هي التي تصلهم بعالم الحضارة.

2- الحرص الشديد على تعليم أبنائهم في الكتاتيب القرآنية وفي المؤسسات الدينية التي كانوا يرون فيها الملاذ الآمن الذي يحصنهم من كل تسيب خلقي وإنحراف عقائدي.

3- رفضهم القوي للمدرسة الفرنسية ولبرامجها وامتناعهم عن تسجيل أبنائهم فيها، لأنهم يرونها وسيلة من وسائل التنصير والتكفير، ونشر العادات الفرنسية التي لا تنسجم مع عاداتهم وهذا ما دفع الكثير من العائلات أن ترفض المدرسة الفرنسية.

هذا اتجاه ولكن هناك اتجاه آخر لم يكن يرفض المدرسة لذاتها إنما يرفضها لأن برامجها بنيت على أساس ما تحتاجه الإدارة الفرنسية لا ما يحتاجه الجزائريون .

4- ولإيجاد بيئة تعليمية تلائم الجزائريين اتجه اهتمام الجمعيات الأهلية وبعض النخب الوطنية من العلماء والسياسيين إلى الجهد الذاتي والمقاومة الثقافية بتأسيس المدارس الحرة، وتنظيم التعليم الأهلي رغم العوائق وتنشيط العمل الصحافي الذي هو شكل من أشكال المقاومة وعامل من عوامل تنميتها، لأنه يسهم في بث الوعي الوطني والقومي الذي من شأنه تحصين أبنائنا  مما يتعرضون له من أشكال المسخ، ويبقيهم واعين بحقيقتهم.

هذا وقد خططت جمعية العلماء المسلمين التي أسست عام 1391 لهذا النوع من المقاومة الثقافية من خلال تأسيس المدارس وبناء المساجد، وتنظيم العمل التعليمي .

تلك المقاومة التي ظلت تقودها الجمعية إلى جانب الهيئات السياسية في المجال الفكري والسياسي والتربوي .ضبطت هذه الجمعية خطة إصلاحية وبرامج تعليمية نفذتها بواسطة المدارس التي تم تشييدها من قبل الشعب بغرض مقاومة أشكال الإنحراف وسياسة المسخ والتجهيل والتنصير والإدماج، وتمكين الأجيال من معرفة لغتهم وتاريخهم وأمور دينهم.

5- من أساليب المقاومة التشبث بالتراث والقيم الثقافية التي تجعل الإنسان الجزائري يصمد في الدفاع عن وجوده، ويحافظ على خصوصياته، ويرفض الإذلال أو الانحلال.

وقد كان للزوايا وحلقات العلم في المساجد دور لا يستهان به في توفير فرص التعلّم والتثقيف، والانكباب على حفظ القرآن الكريم وتحصيل المعارف، التي من شأنها تحصين المواطنين ضد سياسة المسخ والجهل، وخاصة في بداية الأمر حينما لم يكن أمام الجزائريين إلا أحد أمرين :

إما أن يتركوا أبناءهم فريسة للجهل والأمية، وإما أن يدفعوهم إلى الاندماج في سياسة فرنسا التعليمية، لهذا كانت الزوايا الحل الثالث الذي يجنبهم الخيار الصعب، لأنها تفتح أبوابها للراغبين في التعلم، وتمكنهم من تعلم لغتهم ودينهم، وتحصن شخصيتهم، وتوفر لهم الملاذ الذي يقيهم شر الانحراف أو الضياع  .

6- لقد كان للزوايا التي تهتم بنشر العلم والتعليم فضل كبير في تربية الناس على الارتباط بتراثهم ولغتهم والتمسك بأصولهم، وكثير من المعلمين والأساتذة تخرجوا من هذه الزوايا .

7- المقاومة السلبية التي دفع الناس إليها والمتمثلة في هجرة العلماء والمثقفين الذي أحسوا بخطورة المخططات الفرنسية الهادفة إلى مسخ الإنسان الجزائري، وتغيير عقيدته فالتجأت أعداد من العلماء الذين خافوا على عقيدتهم إلى الهجرة الداخلية والخارجية، بمغادرة البلاد والاتجاه نحو الأماكن البعيدة عن الضغط، هروبا بعقيدتهم وحفاظا على ثقافتهم ولغتهم، وبحثا عن الاستقرار النفسي.

8- تشجيع التعليم الأهلي والإقبال عليه، سواء في رحاب الزوايا أو في المدارس التي تؤسسها الجمعيات أو يتكفل بها الأشخاص.

9- إلتزام المسؤولين في الأحزاب والهيئات الوطنية التي كانت في ذلك  الوقت تمارس نضالا سياسيا، باستعمال اللغة العربية في خطابهم مع الجماهير، واستهجان الحديث بالفرنسة، ويعد هذا شكلا من أشكال المقاومة، لأنه سلوك مضاد لما يجري في المحيط الرسمي، ومنسجم مع الاتجاه الوطني.

هذه نماذج من المواقف التي عبر بها الشعب الجزائري عن رفضه للسياسة اللغوية التي انتهجتها فرنسا في الجزائر، وهذه المواقف نفسها هي جانب من جوانب الصمود في وجه القوانين الجائرة التي كانت تعامل بها العربية .

أما الدور الذي أدته الجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية في مجال بذل الجهد المنظم لحماية اللغة العربية، وترقية الاهتمام بها، وتحبيبها إلى الناس، فهو دور له أثره الكبير في إنماء الشعور الوطني، وتعبئة الجماهير من أجل خدمة الأمة ومسايرة تطلعاتها.

ونود هنا أن نركز على دور جمعية العلماء المسلمين الجزائرين التي ظهرت إلى الوجود بصفة رسمية سنة  1931، تلك الجمعية التي ضبطت خطة عمل في المجال التربوي والإصلاح الفكري والديني وصممت برنامجا تعليميا نفذته بواسطة :المدرسة والمسجد والصحيفة والنادي واللقاءات الدورية التي كانت تجمع العلماء وطلاب العلم والخيرين من أبناء الوطن. وتستهدف تنمية وعي الأمة بذاتيتها ودعوة أفرادها إلى البذل والعطاء، والتكفل ببناء المدارس وتشييد المساجد.

* يؤكد هذه المقولة الأستاذ محمد الصالح الصديق باعتباره كان أحد الحاضرين فيما سبق.

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*