حيويّة الإسلام: التجربة وتفعيل المقوّمات – الدكتور مولود عويمر

تميّز المجتمع الإسلامي عبر التاريخ بحيوية دائمة. ولا تتوقف هذه الحيوية عند صدر الإسلام والخلفاء الراشدين كما يشيع الاعتقاد عند المستشرقين وبعض تلامذتهم العرب.

ISTICHRAAK

فالمخزون الحضاري للأمة الإسلامية غني بالتجارب الإصلاحية والتغييرية على امتداد عمره الزمني وتوسع إطاره المكاني نلحظ ذلك في تجارب عمر بن عبد العزيز والمهدي بن تومرت ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي…كما نجد علماء ومصلحين مجددين في كل قرن وفق ما جاء في الحديث الشريف المعروف.

لقد شاء الله أن يكون الإسلام آخر الرسالات السماوية تتمة للديانات السابقة.

واقتضت طبيعة الإسلام أن يكون رسالة إلى العالمين. فشرع الله على المسلمين الدعوة لنشر تعاليمه وتبليغ مبادئه داخل جزيرة العرب وخارج حدودها.

وقد وضع الإسلام ضوابط يحفظ الفتح الإسلامي من الانزلاق، ففتح المسلمون فعلا مساحات شاسعة غربا وشرقا في فترة زمنية وجيزة وواجه قوات عسكرية كبيرة لكن دون أن يحدث وراءه جرائم إنسانية وآلافا من ضحايا أبرياء كما هو سائد في التاريخ العسكري للدول الكبرى قديما وحديثا.

وذلك أن الإسلام كان يسعى من وراء انتشار نفوذه تحقيق عدالته في الأرض، وتحرير البشرية من عبودية الإنسان والطبيعة.

ولاشك أن الأخطاء التي وقعت من بعض جيوش المسلمين هي خروج عن هذه القيّم، ولا صلة للإسلام بها.

وأدرك المسلم أنه ينتمي لعالم رحب بعد أن كان لا يعرف إلا الصحراء والمدائن القريبة من جزيرة العرب. وعبر عن هذا الإدراك في كتب الرحلات والمغامرات والاستكشاف التي يزخر بها التراث الإسلامي.

ذلك لأننا نجد فيها وصفا دقيقا للبلدان والشعوب والعادات تعبر عن تنمية حاسة الفضول وغريزة البحث عن المهمل والكشف عن المجهول عند المسلمين.

وستمثل هذه الأشياء إحدى ركائز الحضارة الغربية فيما بعد، وعنصرا من أهم عناصر قوتها.

ويكفي أن نذكر هنا وفي نفس السياق نصا واحدا للجغرافي الرحالة اليعقوبي يزيد الأمر وضوحا: “سافرت حديث السن واتصلت أسفاري ودام تغربي، فكنت متى لقيت رجلا من تلك البلدان سألته عن وطنه ومصره فإذا ذكر لي محل داره وموضع قراره سألته عن بلده ما هي وزرعه وما هو وساكنيه من هم عرب أو عجم وشرب أهلهم حتى أسال عن لباسهم ودياناتهم ومقالاتهم والغالبين عليه ومسافة ذلك البلد وما يقرب منه من البلدان ثم اثبت كل ما يخبرني به من أثق بصدقه واستظهر بمسألة قوم بعد قوم حتى سألت خلقا كثيرا وعالما من الناس في الموسم وغير الموسم من أهل المشرق والمغرب”.

إن العلم يتقدم بالتأثر والتأثير، وهذا ما أدركه المسلمون، وسعوا إلى تطبيقه. فانطلقوا في نقل التراث العلمي للإنسانية إلى لغتهم فدرسوه دراسة عميقة وأضافوا إليه قسطا وافرا.

وفي هذا الصدد كتب المؤرخ الكبير جورج سارطون في كتابه الشهير “المدخل إلى تاريخ العلوم”: “كان العرب أعظم معلمي العالم، فلو لم ينقلوا كنوز الحكمة اليونانية، لتوقف سير المدنية بضعة قرون. فوجود ابن الهيثم وجابر بن حيان، وأمثالهما كان لازما وممهدا لظهور غاليليو ونيوتن”.

لقد ترجمت كتب ابن حيان في علم الكيمياء في القرن 12، وظلت عمدة للأوروبيين حتى القرن 17 م. واستفاد كبار العلماء الأوروبيون (روجيه بيكون ونيكولا كوبيرنيك وغاليليو وجون كيبلير) من أبحاث ابن الهيثم في علم البصريات.

وشجع الخلفاء والوزراء حركة الترجمة والتأليف، فكانوا يرسلون بعثات إلى بلاد الروم لشراء الكتب لترجمتها إلى اللغة العربية.

وتمكن العلماء المسلمون من تعريب تراث الإنسانية نقلا عن اليونانية والفارسية والهندية… في فترات زمنية قصيرة…

وتنافس الخلفاء والأمراء في خدمة العلم وإكرام العلماء. ودفع للمترجمين وزن ما ترجموا ذهبا.

وكثرت مجالس العلم التي كانت تضم جنبا إلى جنب فلاسفة وقضاة وشعراء وفقهاء وعلماء في شتى فروع العلم. وتفانى عامة المسلمين في الإقبال على طلب العلم وحضور هذه المجالس التي لم تكن مقصورة على الأمراء والأغنياء.

وانتشرت صناعة الوراقة (الطباعة والنشر بمصطلح اليوم)،… وأنشأت مكتبات في كثير من المدائن الإسلامية وتنافس الناس في اقتناء الكتب.

واستفادت حركة التأليف والإسهام الحضاري من الأوقاف التي كان يتبرع بها المسلمون لدعم جهود العلماء وطلبة العلم. فقد ارتبطت المدارس والمساجد والجوامع “منذ العصور الإسلامية الأولى بالأوقاف، فهي التي تمولها، وتغذيها بما تدره عليها من غلات ومنافع، مما يجعلها تنشط في أداء رسالتها تثقيفا، وتقويما، وتهذيبا”.

كما انتشرت المدارس والجامعات عبر العالم الإسلامي وذاعت صيتها في الدول الأوروبية كفرنسا وإنجلترا وهولندا التي قامت بإرسال البعثات العلمية إلى بلاد الأندلس لدراسة العلوم والفنون في معاهدها.

وكانت من أوائل هذه البعثات بعثة فرنسية برئاسة الأميرة إليزابيت بنت خالة لويس السادس ملك فرنسا. كما أرسل لملك فيليب البلفاري إلى الخليفة الأموي بالأندلس هشام الأول يسأله السماح له بإيفاد هيئة تشرف على حالة بلاد الأندلس ودراسة أنظمتها وشرائعها ليتمكن من الاقتباس منها.

وبعث الملك الجرماني وفدا برئاسة وزيره الأول (ويلميين) وتوالت البعثات إلى الأندلس، فأرسل ملك إنجلترا جورج الثاني ابنة أخيه الأميرة دوبانت على رأس بعثة من 18 فتاة من بنات الأمراء والأعيان إلى إشبيلية يرافقهن رئيس موظفي القصر الملكي.

وقدمت بعثات أخرى من فرنسا وإيطاليا وهولندا وامتلأت بهم معاهد غرناطة واشبيلية.

النهوض الحضاري من جديد؟

شغلت قضية النهوض الحضاري بال العلماء والمفكرين المسلمين منذ القرن التاسع عشر. وقام العلماء بجهود كبيرة لإحياء وظيفة المسلمين الاجتماعية، ورسالتهم الحضارية.

انطلقت الحركات الإصلاحية في العصر الحديث استجابة للتحديات وقام المصلحون بتحسيس الأمة بمخاطر التي تتربص بها من أعدائها الخارجيين والداخلين.

ومهما اختلفت توجهاتهم وتعددت مشاريعهم وتنوعت فلسفاتهم من حيث الأولويات والإستراتيجيات والوسائل فإن الغاية كانت واحدة تتمثل في إيقاظ الأمة الإسلامية من سباتها العميق.

وأحيت الفعالية الإسلامية من جديد في أعمال الإمام محمد بن عبد الوهاب وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ورفاعة الطهطاوي، عبد الحمان الكواكبي، الطاهر الجزائري، وشكيب أرسلان، محمد إقبال، مالك بن نبي.

كما تجددت في علماء ومصلحين معاصرين عاشوا عمرا قصيرا ولكنهم تركوا آثارا عميقة في الفكر الإسلامي الحديث والصحوة الإسلامية أمثال الشيخ حسن البنا، والشيخ عبد الحميد بن باديس، والدكتور علي شريعتي والشيخ محمد باقر الصدر…

ولم تكن عملية النهوض مقصورة فقط على العلماء والمفكرين، فقد قام أيضا الأمراء ورجال السياسة بإصلاحات في بعض الأقطار الإسلامية كتجربة محمد علي في مصر وخير الدين في تونس والأمير عبد القادر في الجزائر.

ولا يمكن أن نحكم على كل هذه التجارب بالفشل في تحقيق نهضة المسلمين في القرن العشرين دون أن نضع في الحسبان مجموعة من المعطيات التاريخية التي توضح أكثر كم عانت محاولات النهوض من ضربات داخلية وهجومات خارجية، كانت كافية لإحباط كل الجهود المبذولة لولا صلابة هذا الدين. وقدرته على المقاومة والوقوف بعد كل عثرة:

– تعرض هؤلاء المصلحين لمضايقات عديدة، فيها النفي ( جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمان الكواكبي،…) والسجن أو الإعدام أو الاغتيال (حسن البنا، عبد الحميد بن باديس، بديع الزمان النورسي، أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، على شريعتي،…). الخ.

– إستنزاف مجموعة من الحروب طاقات العالم الإسلامي، وعطلت مسيرة التطور والتقدم: الحروب الأهلية في لبنان، والسودان وأفغانستان، وحرب الخليج الأولى والثانية، وتفاقم القضية الفلسطينية.

– عرقلة التجارب الإسلامية في إيران والسودان بفرض عقوبات اقتصادية والتشويه الإعلامي ومساندة القوى المعارضة لها.

– تأليب الرأي العام الغربي على المد  الإسلامي كما يتضح من كتابات باول شمتز وصمويل هنتنغتون وبرنارد لويس وتروجانوسكي. وغيرهم من الكتاب والصحافيين، فيكفي أن نختصر على مثال واحد كتب باول شمتز في الأربعينات في كتابه “الإسلام قوة الغد العالمية”: “إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو وينفض النوم عن عينيه”.

والسؤال الذي نطرحه هنا هو: كيف نستفيد من الفرص الجديدة للنهوض من جديد؟

– ضرورة استيعاب مبدأ توازن المصالح وتكافؤ القوى:علمتنا فلسفة الإستراتيجية أن العالم قائم على مبدأ توازن المصالح وتكافؤ القوى إذ هي التي تمنع الحروب من أن تشتعل وتحافظ على السلم العالمي وهذا ما تجسد فعلا خلال سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والليبرالي وهذا ما نلاحظه اليوم في الصراع الدائر بين الهند وباكستان حول مقاطعة كشمير.

إن السلاح النووي- الذي تملكه كل من الدولتين- يخيف الطرفين ويفرض عليهما اللجوء إلى المفاوضات السياسية عوضا من الدخول في حروب مدمرة.

فإذن كلما كان العالم الإسلامي قويا في مختلف الجوانب، كلما كان محترما، وأصبح محل تقدير الآخرين خوفا أو طمعا.

– تأسيس مؤسسات أهلية لتمويل الإبداع الفكري والمشاريع الثقافية والعلمية، منها: مؤسسة الفيصل الخيرية في المملكة العربية السعودية، ومجمع ماجد في الإمارات العربية المتحدة، ومؤسسة شومان في الأردن، ومؤسسة الخوئي في إيران…

– تقوم مراكز علمية مستقلة في العالم الإسلامي وعلى الرغم من إمكانياتها المادية، بأعمال جليلة كدراسة أسباب تأخر العالم الإسلامي والبحث عن حلول لها، نذكر هنا المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومركز الوحدة العربية ببيروت، ومركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية…الخ.

ومهما اتفقنا مع هذه الجمعيات والمراكز أو اختلفنا معها، فهي حاجة ماسة لدفع عجلة التقدم والتطور في الأقطار الإسلامية. وقد عرف الغرب قيمة الجمعيات الخيرية والأهلية، والمراكز المستقلة، وما يمكن أن تقدمه من خدمات للعلم والعلماء، فشجع كثيرا على انتشارها، واشتهرت كثير منها، وتضاهي بعضا منها في خدماتها، وزارات التعليم والبحث العلمي في العالم الثالث.

– ضرورة الاستفادة من الطاقات الإسلامية المهاجرة التي فرضت نفسها في أوروبا وأمريكا، وتتمتع بخبرات واسعة في مختلف فروع العلم والمعرفة. ولعلنا نستفيد من تجربة الصيني التي استقطبت في السنوات السابقة أدمغتها المهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فأثمرت هذه التجربة وأصبحت الصين من الدول المتقدمة. وستمثل حسب كثير من علماء الإستراتيجية عملاق القرن الواحد والعشرين.

ولعل العالم الإسلامي الذي يطمح إلى النهوض والتحضر أولى من غيره في الإقدام على مثل هذه التجارب الناجحة. ويعتبر مشروع العالم المصري الدكتور أحمد زويل – الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء- المتمثل في بناء مدينة العلوم والتكنولوجية في مصر خطوة سليمة على درب التقدم والتطور.

– الحاجة إلى الاستفادة من تناقضات الغرب: تشعبت مراكز القرار في الغرب، فالحكم لم يبق رهينة سلطة الحكومات كما هو السائد في العالم الثالث، فالإعلام ورجال الثقافة والمنظمات ذات الطابع الإنساني أصبح لها وزن في المجتمعات الغربية ولها تأثير على أهل الرأي والقرار كالتي تقوم مرارا بمظاهرات ضد منظمة التجارة والتنمية الاقتصادية العالمية.

فمن مصلحة المسلمين إذن أن يشاركوا في هذه المنظمات المستقلة التي ستدافع عن مطالبه التي لا تصغي لها المنظمات الحكومية والعالمية الواقعة تحت قبضة الدول الصناعية الكبرى.

إن كل هذه العناصر كلها تمثل – بالإضافة إلى دورها في تفعيل قيم الإسلام التي هي العمود الفقري للكيان الحضاري الإسلامي- مقومات صلبة لنهوض المسلمين من جديد، والقيام بشهودهم الحضاري على البشرية كلها دون احتقار للجهد واستعجال للنتيجة، والإسهام بصورة فعالة في دفع مسيرة التطور، وتحقيق سعادة الإنسان المعاصر التي تسعى كل الأمم المتحضرة والفلسفات الوضعية الطموحة إلى السبق بالفوز بها.

وفي الأخير، لابد من تقييم المكتسبات التي حققها المسلمون، والاستفادة منها، وهي كثيرة لمواصلة المسيرة الحضارية، ولا ندري أيا من هذه المكتسبات هي التي ستعجل مسيرة النهضة في العالم الإسلامي، فالتاريخ لا تصنعه فقط الأحداث الكبرى والشخصيات العظمى.

 

من كتاب ” مقاربات في التستشراق و الاستغراب” للدكتور مولود عويمر

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2013

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*