حقيقة الاستعمار وصلته بالصهيونية – الدكتور عمار جيدل

AFKAR

يتساءل أوجين يونغ  في سياق الحديث عن الاستعمار سنة 1921،  هل نحن في القرن العشرين، قرن انتشار الثقافة الواسعة بين العامة، عصر النهضة العلمية والفكرية العالمية، قرن الرقي والازدهار وحرية الرأي والعمل والفكر والقلم؟  بعيدا عن الأخلاق الفاسدة، ويقتضي هذا العصر أن يكون الناس أحرارا يختارون الدين الذي يريدون دون اضطهاد أو إكراه من أي نوع،  هذا هو الحلم،  فأين الحقيقة؟

وليس ببعيد عن تلك الصفات والتصرفات الاستعمار الجديد، إذ تؤكد تصرفاته اليومية، التي لا يمكن أن تغطيها أو تبطلها الأرقام والتصريحات،  أننا نعيش الاضطهاد في عصر الديمقراطية والحرية والمساواة والأخوة الإنسانية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنساني وغيرها من الشعارات في أيامنا الراهنة، لأن السؤال المؤرق هو ما درجة حضور هذه الشعارات في العلاقة بين الاستعمار الجديد والدول المستضعفة أو المستعمرات الجديدة بأساليب جديدة يمكن أن نسميها(الاستعمار عن بعد، دولة مستقلة ولكنها منزوعة الإرادة والشخصية)، الواقع السياسي يؤكد أن الاستعمار الجديد أشنع من الاستعمار القديم، ذلك أنه أبدع موجات متسارعة من الأساليب في قهر الشعوب، وكانت تلك الإبداعات في شكل تدفقات هائلة ما خرج المُسْتَعْمَر من واحدة إلا وأدخل في أخرى.

شغلت “أوجي يونغ” فكرة تسليط الظلم في ظل العدل، والاستبداد في ظل الحرية،  والإهانة في ظل الكرامة وحقوق الإنسان، وفي الإجابة عنها ما يمكن استثماره في الرد عن الأسئلة المكررة في أيامنا الراهنة في ظل الاستعمار الجديد، ذلك وبتأوين المضمون نجد أننا مع حالة مشابهة تماما، وللإجابة عن هذه التساؤلات الموضوعية، يقترح أوجين يونغ  عرضا تاريخيا مختصرا لحقيقة الاستعمار.

لا بد من الرجوع  بضعة قرون إلى الوراء إلى زمن الحروب الصليبية، خاصة بعد أن لاحظ بأسف أنّ الصحافة الكبيرة (الحرة، والمستقلة) سكتت متعمدّة لمصلحة أو متواطئة، وفي أحسن الأحوال تعرض الأمور بطريقة مشوّهة، ووسائل الإعلام في أيامنا ليست مبرأة من التهم نفسها، فقد بَيَّنَت الأيام أنها متواطئة مع الغالب الوقتي تُسَوِّقُ أفكاره ومشاريعه،  ومَثَّلَت في أيامنا الخطوط الدفاعية الأولى للفكر الاستعماري. فقد سكتت تلك الصحافة المأجورة عن بيان أن فرنسا (بلاد الحرية والديمقراطية) تسوس أمورها بطريقة خطيرة بسبب خضوعها في محاربة العالم العربي والإسلامي للصهيونية والفاتيكان، برغم احتجاج العرب والمسلمين، وهي مستمرة على تلك السياسة من غير أن يتحرك أي قوم أو أية ديمقراطية للدفاع عن العرب المعتدى عليهم.

حدث هذا بالأمس القريب،  أما اليوم فالولايات المتحدة (بلاد حقوق الإنسان والديمقراطية) تسوس العالم بطرق خطيرة لا تقل شناعة عن أساليب الاستعمار التقليدي، فهي تسعى جاهدة في محاربة العالم الإسلامي والعربي بمساعدة الصهيونية، وتبادل الصهيونية ذات الخدمات، فهي تحميها بحق الفيتو في مجلس الأمن، وتغطي عن جرائمها والأنكى أن تبرر جرائمها، و(و، م، أ) مستمرة على تلك السياسة الرعناء، وتكثر من الضجيج وسائل إعلامها والوسائل الإعلامية التي بأيدي اللوبي الصهيوني، كل ذلك من أجل منع وصول أنين المقهورين والمسحوقين والمستضعفين إلى العالم، يحدث هذا في ظل كذبة كبير تسمى حرية الإعلام، وتُدَمِّرُ قُرانا وتَدُكَّ منطقتنا (الفلوجة،  الرمادي، حديثة، القائم، كربلاء، النجف، قندهار، …)   بآخر ما رغبوا في تجريبه من سلاح جديد على منطقتنا، يحدث ذلك في ظل الديمقراطية والانتشار الواسع لوسائل الإعلام، كل ذلك يحدث في بلادنا ورغم وضوح الجرائم المقترفة ضدنا وضغوط المجتمع المدني في بلاد الغرب إلا أن (و، م، أ) وحلفاؤها لا يأبهون بالمظاهرات المليونية هنا وهناك، كما لا يأبهون بنداءات العقل التي دعا إليها بعض مفكري الغربي من  أمثال اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي، …

إن دفاع (و، م، أ) عن إسرائيل لا ينكره إلا مكابر، وفي ذلك أوضح دليل على الخدمات المتبادلة بين (و، م، أ) وحلفاؤها من جهة والصهيونية من جهة أخرى.

وفي هذا المقام يتساءل أوجين يونغ في سياق الحديث عن الاستعمار التقليدي (فرنسا) عن القيمة الحقيقة لهذه القوى التي كبّلت القرارات الفرنسية، والإجابة في شقها المتعلق بالصهيونية ينفع في تشخيص حال الاستعمار الجديد (و، م، أ).

يذكر أوجين يونغ أسئلة واضحة، يستشف منها معرفته بالاستعمار التقليدي وينم عن خبرة ميدانية كبيرة بظاهرة الاستعمار، واستحضار منطق التحليل السابق ينفع في تحليل الاستعمار الجديد.

1- يتساءل أوجين يونغ، هل الفاتيكان قوي إلى حدّ أنه يملك القدرة على متابعة السير لهذه السياسية؟ وأن يفرض نفسه على الدول الكبيرة لمساعدته بكل الوسائل؟ ألم يكن الفاتيكان العون لكل خصومنا الأوائل؟ ألا يجب على حلفائنا القدامى أن يذكروا ذلك؟

ويوضّح المراد بدقة متناهية فيقول: “أقصد في هذا المقام الفاتيكان وليس المسيحية، لأن كثيرا منهم يعيشون في وئام وسلام تام مع المسلمين. “

2- هل تملك الصهيونية من القوة الخفية ما يجعلها قادرة على إجبار أقوى دول العالم مثل إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية على أن تقدم إليها المساعدة في حربها ضد كل مبادئ الحق التي طالما تغنت بها هذه الأقوام؟  وما هو الهدف الحقيقي الذي ترمي إليه الصهيونية؟

ولا شك أن الاستعمار الجديد قام ويقوم بحروب كثيرة نيابة عن الصهيونية حماية لدولتها،  والحرب على العراق ليست إلا صورة من صور الفكرة المشار إليها أعلاه.

قوة  الصهيونية:

يتساءل أوجين يونغ ونكرر تساؤله، هل تملك الصهيونية من القوة الخفية ما يجعلها قادرة على إجبار أقوى الدول مثل إنكلترا، والولايات المتحدة الأمريكية على أن تقدم لها المساعدة في حربها ضد كل مبادئ الحق التي طالما تغنت بها هذه الأقوام؟  وما هو الهدف الحقيقي الذي ترمي إليه الصهيونية؟[1] ليس هذا فحسب بل تواطأت عصبة الأمم فمنحت لهم أرضا ليس من حقها إعطاؤها لغير مالكيها الأصليين،  ويستشهد في هذا المقام بتصريح رئيس المنظمة الصهيونية وايزمن لجريدة لوموند الفرنسية بتاريخ28 من أكتوبر 1930م، والذي قال فيه: ” وهكذا، فإن إنشاء وطن قومي يهودي هو عهد شرعي قطعه الحلفاء على أنفسهم في لحظة ذات شأن بعد أن أستشير كل واحد منهم على حدة خلال المحادثات…إن وجود اليهود في فلسطين هو نتيجة الحق الذي منحتهم إياه كل الدول،  وهذه هي النقطة العظيمة التي يجب ألا تنسى”، ويقرر الحقيقة نفسها شيخ الإسلام مصطفى صبري[2] في كتابيه موقف العقل والنكير على منكري النعمة من الخلافة والأمة.

[1]  – المرجع نفسه17.

[2]  – شيخ الإسلام مصطفى صبري آخر شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية توفي سنة1954، حكم عليه الكماليون بالإعدام، مات غريبا بعيدا عن وطنه، ألّف مؤلفات لا نظير لها في الدراسات العقدية.

أنظر كتابه النكير على منكري النعمة من الخلافة والأمة، فقد بيّن فيه قبل إعلان إلغاء الخلافة في الدولة العثمانية أنّ الهدف الأصلي من كل المناورات التي وقعت في تركيا من قبل الحلفاء والأحزاب المحلية هو إلغاء الخلافة وإنشاء دولة لائكية وفق الأنموذج الغربي في الحكم والسياسة، ولأنظر كتابه موقف العقل و العلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين،  ولا يسما المجلد الرابع.

 

من كتاب ” أفكار استعمارية و سبل دفعها كما كشفها نزهاء الغربيين- أوجين يونغ أنمودجا- ”

تأليف الدكتور عمار جيدل

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2008

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*