توظيف اللغة العامية في الخطاب الشعري الجزائري المعاصر- الدكتور يوسف وغليسي

من الظواهر اللافتة في الخطاب الشعري الجزائري “السبعيني” ظاهرة لغوية عرفتها التجربة الشعرية الجزائرية لأول مرة في حياتها، بمثل هذا البروز، وهي ظاهرة تفشي اللغة العامية – لفظا وتركيبا – في أوساط النصوص الشعرية؛ فإذا بنا نعثر على كلمة “الشيكات”[1] عند الشاعرة زينب الأعوج، و”الآسيد”[2] عند ربيعة جلطي، و”الويسكي”[3] عند عبد العالي رزاقي حيث تتكرر هذه الكلمة الدارجة الدخيلة 04 مرات كاملة في صفحة واحدة من أحد دواوينه.

Capture

كما نعثر عند الشاعر والفنان التشكيلي المعروف (حسن بوساحة) على هذه الكلمات العامية، ذات الأصل الفرنسي: “ريسيل”[4]، “الكتي”[5]، “المدنتل”[6]، “الكبزم”[7]، “الكولون”[8]، “الطوموبيل”[9] وغيرها… .

ونعثر عند (عمر أزراج) على كلمة “غدوة”[10]، وهي كلمة عامية جزائرية مشتقة من الكلمة الفصيحة “غدا”، مثلما نعثر على تركيب عامي في قوله:       (… وخلّي “على وجه ربي”!! يديك تنامان فيّ)[11] ومعروف أنّ عبارة “على وجه ربي” عبارة فصيحة تُستعمل – عند الجزائريين – استعمالا عاميا، في حالات الطلب والاستعطاف، يقوم مقام عبارة (من فضلك). ونعثر – أيضا – عند (سليمان جوادي) على مثل قوله: (ورجعت إلى نفسي و”الدعوة” مضطربة)[12]، و”الدعوة” هنا استعمال عامي، بمعنى “الحالة”.

ومن الشعراء من لا يكتفي بهذه الألفاظ والتراكيب العامية القصيرة، بل يلجأ إلى تضمين القصيدة مقطعا عاميا كاملا، مما نسميه بـ”الشعر الملحون” أو مقطعا من أغنية شعبية معروفة، أو قولا عاميا مأثورا، كما هي الحال في قصيدة (انفجارات) للشاعر “أحمد حمدي”، المتكونة من 3 مقاطع، يتضمن كلّ مقطع منها مقطعا من “الشعر الملحون”:

1) (والله ما نبطل غنايا             والله ماني نـدرق فيه

جبته عن كل الثوار              واللي في قلبي ما نخبيه)

2) (نوري لك وين الحق كان نسيته يا بورجوازي يا وسخ يا ميته

إنّ الفقـر مـن أرضنا نحيتـه        بسلاحنا، والحـب نا رسيته)

3) (القهـر ما ينفعشي               والحر ما يرجعشي

حتى يجيب الشمس             أو النـعــش)[13].

وواضح أنّ هذه المقاطع إنما أقحمت – إقحاما – ضمن السياق الشعري التركيبي، لأنها    – من الناحية الدلالية – لا تكاد تضيف شيئا معنويا إلى الأصل اللغوي، ولأنها – من الناحية البنيوية – غير منسجمة لغويا وإيقاعيا مع السياق النصي.

وقد عمت هذه الظاهرة كثيرا من القصائد، خلال السبعينيات[14]، وما أن حلت مرحلة الثمانينيات حتى بدأت في الزوال؛ فقد رجعنا إلى البحث عن آثارها في القصائد والمجموعات الشعرية الجديدة ولم نجد لها أثرا، إلا عند الشاعر (محمود بن مريومة) في قصيدته (النيل وعيون غنية)[15]، وفي معظم قصائد (أحمد عاشوري)، بحكم أن هذا الأخير ولوع بتوظيف الخرافة الشعبية المحلية، التي تستدعي حضورا (ما) للغة الشعبية (العامية)… .

ولا يفوتنا – في الأخير – أن نشير إلى العوامل الرئيسية التي ساهمت في تكريس هذه الظاهرة الطارئة، في الخطاب الشعري الجزائري خلال السبعينيات على الخصوص، وهي عوامل ثلاثة في نظري:

* أولا/ محاولة إنزال الخطاب الشعري إلى المستوى الفهمي لعامة الطبقات الشعبية، باسم      “جماهيرية الكلمة” و”الغيرة الشعبية” و”الالتزام”… .

* ثانيا/ التأثر بالتيارات الحداثية الوافدة من المشرق العربي، وخاصة تيار “مجلة شعر” (قصائد يوسف الخال وأنسي الحاج بالخصوص)، التي تدعو إلى توظيف العامية في النصوص الشعرية، وحتى بعض الشعراء الرواد الآخرين، كـ”محمود درويش” مثلا، الذي رأيناه في قصيدته (موّال)[16]، يوظف أغنية شعبية فلسطينية كلازمة تتخلّل مقاطع القصيدة:

“يما.. مويل الهوى..

يما.. مويليا ضرب الخناجر.. ولا

حكم النذّل فيّا”.

 *ثالثا/ إنّ بعض الشعراء الذين وظفوا اللغة العامية ومقاطع من الشعر الشعبي، هم – في الأصل – من فحول “الشعر الملحون”؛ كالشاعر “أحمد حمدي” والشاعرة “زينب الأعوج”، اللذين قد يفوق نبوغهما في “الشعر الملحون” نبوغَهما في الشعر الفصيح!… .

مع الإشارة – في هذا المقام – إلى التجربة الاستثنائية للشاعر (عبد الله حمادي) الذي رأيناه في قصيدته (قصيد)، يوظف مقطعا باللغة الإسبانية، يُعزى إلى ثقافته الكبيرة في اللغة والشعر الإسبانيين:

(وقال في احتراق: “فايس الماوكورثون دي ميب

يا أراب سي مطور نراد…”)[17].

ويعني بالعربية: “قلبي يفلت مني..

ربّاه ليته يستعاد!”.

وهو ضرب من ضروب ما يسمى (في الشعر الفارسي أو التركي أو الأوردي) بالملمعات أو “الشعر الملّمع” الذي يتضمن أشطرا أو بعض أبيات من الشعر العربي على نظام مخصوص[18].

[1] زينب الأعوج: يا أنت من منا يكره الشمس، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1983، ص 10 و28. وأصل الكلمة هو (Chèques)، أي “صكوك”.

[2] ربيعة جلطي: تضاريس  لوجه غير باريسي، ص 10 و93. وأصل الكلمة هو (L’acide)، أي “الحمض”.

[3] عبد العالي رزاقي: أطفال بورسعيد يهاجرون إلى أول ماي، ص 51. وأصل الكلمة هو (Whisky)، وهو نوع من المشروبات الكحولية.

[4] حسن بوساحة: درب الوفاء، م.و.ك، الجزائر، 1986، ص 22 و51. وأصل الكلمة هو (Ricil)، وهي مادة لتزيين الجفون.

[5] المصدر نفسه، ص22، وأصل الكلمة هو (Coty)، وهو نوع من العطور الرفيعة.

[6] المصدر نفسه، ص22، وأصل الكلمة هو (Dentelle)، وهو نسيج خفيف، مزين الحواشي.

[7] المصدر نفسه، ص74، وأصل الكلمة هو (Cubisme)، وهو الفن التكعيبي.

[8] المصدر نفسه، ص70، وأصل الكلمة هو (Colon)، أي المستوطن والمستعمر.

[9] المصدر نفسه، ص70، وأصل الكلمة هو (Automobile)، أي سيارة.

[10] عمر أزراج: وحرسني الظل، ط2، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1981، ص64، و32 على التوالي.

[11] عمر أزراج: وحرسني الظل، ص64، و38 على التوالي.

[12] سليمان جوادي: يوميات متسكع محظوظ، ص18.

[13] أحمد حمدي: انفجارات، ص45، 46، 48 على التوالي.

[14] نجد مثل هذه الظاهرة عند ” حمري بحري ” (ما ذنب المسمار يا خشبة: ص68، 69، 102)، وعند “عمر أزراج” (وحرسني الظل: ص 37، 38، 55)، و”سليمان جوادي” (يوميات متسكع محظوظ: ص 15، 55)، و” عبد العالي رزاقي ” (الحب في درجة الصفر: ص 54)، و” أحمد حمدي” (قائمة المغضوب عليهم: ص 14)، و” عبد الحميد شكيل ” (قصائد متفاوتة الخطورة: ص39)، و”ربيعة جلطي” (تضاريس لوجه غير باريسي: ص93)، و”عبد العالي رزاقي” (من يوميات الحسن بن الصباح: ص78، 80)،…. .

[15] محمود بن مريومة: رسالة حب إلى امرأة غير عادية، م.و.ك، الجزائر، 1986، ص44، 45.

[16] محمود درويش: آخر الليل، ط10، دار العودة، بيروت، 1980، ص27.

[17] د. عبد الله حمادي: قصائد غجرية، م.و.ك، الجزائر، 1983، ص 76.

وقد أخبرني الشاعر – بالمناسبة – بأنّ له ديوانا شعريا، باللغة الإسبانية، مطبوعا في مدريد عنوانه “حوار مع النسيان”، وأنه لم يستطع أن يترجمه إلى العربية، بالنظر إلى لغته الشعرية الخاصة!… .

[18] حاكى الشاعر الأمريكي الشهير (عزرا باوند/Ezra Pound ) تجربة “الملمعات” هذه، في كثير من قصائده.

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*