تقديم كتاب «اللغة و معركة الهوية في الجزائر»

تثيرالمسألة اللغوية في الجزائر الكثير من الجدل والتموقع الإيديولوجي الذي أدى إلى انشطار واضح بين النخب المثقفة والسياسية، فلا يكاد يخلو خطاب فصيل أو فعالية في المجتمع من الخوض في الشأن اللغوي، نجد صدى ذلك الجدل في الصحف الصادرة باللغتين، وفي لوائح وخلاصات الكثير من الملتقيات والدراسات المنشورة في بلادنا، ووراء البحر المتوسط.

يستند فصيل من النخب الوطنية في دفاعه عن العربية لسانا وثقافة، وسعيه لتعزيز مكانتها في هياكل الدولة والمجتمع إلى شرعية أولى مستمدة من صمود الشعب ومقاومة أغلبيته أثناء محنة الاحتلال الاستيطاني الطويل، ومشروعه الإجرامي لاستئصال العربية وتدمير الثقافة، ومحاصرة الإسلام والعربية في آخر قلاعهما الدفاعية وهي الزوايا والكتاتيب والمعمرات حتى تَسلَّم المشعلَ الجناحُ الفاعل في الحركة الوطنية، وناظل في وقت مبكر من أجل استعادة السيادة الوطنية ومقوماتها الأساسية، المتمثلة في الإسلام والعربية، وقد كانا معا مطلبا ثابتا في كل أدبيات (جمعية العلماء و حزب الشعب والانتصار).

هناك مصدر ثان للشرعية يؤيد مطلب أنصار إنجاز تعميم استعمال اللغة العربية ورفض التهاون والتأجيل، هو القانون الأساسي للجمهورية في كل تعديلاته التي أقرت بإجماع الأغلبية الساحقة من الجزائريين المبادئ الثلاثة الكبرى للدولة الجزائرية وهي النظام الجمهوري والإسلام دين الدولة والعربية هي اللغة الوطنية والرسمية قبل إضافة البند الثالث مكرر عن الأمازيغية، باعتبارها لغتنا الوطنية، ومن الواضح أن القوانين أيا كان مصدرها وموضوعها لا تساوي أكثر من تطبيقها.

أما الفصيل الثاني فإنه يرى أن اللغة الفرنسية ميراث لساني ثقافي حصل عليه قسم من الجزائريين على الرغم من سياسة التجهيل والتحقير والإقصاء الكولونيالية، وقد فشل الاحتلال في تحويل النخبة المتعلمة بالفرنسية (وهي تمثل خلال تلك الحقبة المظلمة نسبة ضئيلة جدا في المجتمع الجزائري) إلى نخبة تابعة لخدمة أهدافه في الإلحاق الطوعي “بالميتروبول” ولكن الأغلبية حولت الفرنسية إلى سلاح مضاد، وأداة لخدمة الوطنية الجزائرية، والكفاح من أجل الحرية، وهي اليوم مدخل للحداثة والتنمية والتطور، ومن المغامرة إقصاء هذه اللغة والاكتفاء بالعربية، إذ أن التخلي عن الفرنسية سيؤدي إلى عزلة (وغفلة) عما يحدث في العالم من تطور في العلوم والتقانات، وبالتالي يؤدي إلى مزيد من التخلف، ولذلك من المقبول أن تبقى العربية لغة العبادة والفنون الشعبية، وللتعبير عن جانب من التراث المتوارث (FALKWAYS).

ومن بين الحجج التي يستند إليها الناطقون باسم هذا التيار أن العربية قد فقدت إشعاعها العلمي والثقافي من أمد بعيد، وأن البلاد الموصوفة بالعربية لا تساهم مطلقا أو بتقدير ضئيل في الابتكار والاختراع، وهي نفسها تستعمل في نظام التربية والتكوين اللغة الفرنسية أو الإنكليزية (وأحيانا من مرحلة الحضانة)، وأغلب بعثاتها للتكوين تتوجه إلى شمال أمريكا وبريطانيا وفرنسا.

هناك من أنصار الفريقين السابقين من يغفل عن تحليل الخريطة اللسانية كما هي في الواقع في بلادنا، فهل كان من الممكن حسم المسألة في العقد الأول بعد الاستقلال؟، حيث تتجاوز اليوم ثلاث لغات هي الفرنسية ونموذجها الجذاب على ضفاف السين، والعربية وذاكرتها الجريحة من جراء معاناة الجزائريين من القمع والإذلال، وتحقير كل رموز الهوية، ثم الأمازيغية بكل لهجاتها ومخزونها التراثي المنيع على النسيان؟، والذي يعطي بلادنا خصوصية ثقافية تؤسس ولا تلغي انتماءه التاريخي والراهن للحضارة العربية والإسلامية.

كما أدى إغفال المصادر التي تغذي الصراع وما يصحبه من انفعالات إلى مخاوف من فقد مواقع ومكاسب تدفع إل تعبئة لم تبرز فيها وظيفة كل واحدة من اللغات الثلاث، فالعربية لغة أصلية في الجزائر ولم تفرض بحد السيف، وتعايشت مع الأمازيغية في تناغم ووئام لأكثر من ألف عام، وهي قبل كل ذلك وبعده لغة جامعة ومشتركة، ومن ضمانات الوحدة الوطنية.

إن الحرص على مقومات الوحدة الوطنية والتجانس المجتمعي ليس بدعة جزائرية، وليس اعتراضا على تعدد المنابر والمدارس، فهو هدف استراتيجي لكل الدول التي تستقرى ما يحدث في العالم وفي منطقتنا بوجه خاص، وتسعى لتدعيم ثوابت القوة (Constantes de Puissance) وليست أطروحة الاستثناء الثقافي الفرنسية (Lexemption Culturelle) التي تجند الدولة الفرنسية ونخبها ضد اللغة والثقافة الأنغلو أمريكية، وهي في الحقيقة مواصلة وتعزيز لمدرسة جول فيري (J.Ferry) التي وحّدت اللسان في فرنسا وجعلت لغة ولهجة منطقة باريس (lle de France) اللغة الفرنسية المعيارية لكل الناطقين بها.

أما اللغة الفرنسية المتمكنة الآن في عدد من مواقع التدبير والتسيير والمعاملات الأخرى بين شرائح من المجتمع فإن تحديد وظيفتها في أي سياسة لسانية وتخطيط لغوي، هو أن تبقى لغة أجنبية بكل ما يعنيه هذا الوصف أي في خدمة مصالح الجزائر، وليس لخدمة مصالح طرف آخر في الجزائر، وأن استعمالها الواسع في عدد من القطاعات وفي اختصاصات جامعية لا يعني أنها حتمية لا مفر منها، فهناك لغات وبلاد أخرى في القوس اللاتيني (L’arc latin) إسبانيا والبرتغال مع امتدادها في أمريكا اللاتينية وإيطاليا، فضلا عن الصين العملاق الصاعد والثنائي الأمريكي البريطاني وكلها يمكن أن تكون من شركاء الجزائر في نهضتها المأمولة، ومشاريعها التنموية الضخمة على طريقة الكل رابح           ( Win – Win).

وفيما يتعلق بالأمازيغية وهي لغتنا الوطنية الثانية فإن العناية بها وتخليصها من التسييس الذرائعي ومن تحريك الخارج هي مسألة على درجة عالية من الأهمية ، فأي صراع أو تنافر بين اللغتين الأصليتين سيضر بوحدتنا الوطنية، ويسمح لأطراف تتربص بالجزائر تحت ستار حقوق الإنسان، وحماية الديمقراطية والتعددية بالتشويش والادعاء بأن هناط أقليات وطوائف مضطهدة في الجزائر، وهو ما فشلت فرنسا في تحقيقه عن طريق المسخ والسلخ والفسخ (التعبير لمولود قاسم الأمازيغي) وعن طريق الخداع والاحتواء الذي لا زال يراودها (وهو ما يستبعد، الأستاذ محمد حربي تحقيقه في مقدمته للدراسة الهامة عن الطلبة الجزائريين في الجامعات الفرنسية (1880-1962) لقي برفيي (Guy perville) يحيث تنبأ بأن أنصار الكتلتين (مستعملي الفرنسية ومستعملي العربية) في مجموعة أشمل لن يكون إلا باللغة العربية (1997).

إن التنافر والإقصاء المتبادل بين العربية والأمازيغية لن يكون سوى لصالح الفرنسية، التي تكتسسب وظيفة غريبة عنها بحكم التاريخ والواقع هي وظيفة اللغة الجامعة والموحدة.

ارتأينا في البداية بالسطور السابقة للتعريف أولا بطبيعة الحقل الذي نصب فيه د/ عبد القادر فضيل مرصده لتوصيف وتحليل جوانب من “معركة اللغة والهوية في الجزائر المعاصرة” وهي معركة تستخدم فيها كل الأسلحة في صراع يحمل عناوين كثيرة، يعضها يدافع عن المرجعيات المبدئية للوطنية وبعضها الآخر للدفاع عن مواقع ومصالح اقتصادية واجتماعية.

وثانيا لأن مقاربة المسألة اللغوية شأنها شأن الإسلام لا تتقبل ادعاء الحياد والموضوعية، وكأننا نلاحظها من خارجها، ونحن في الحقيقة في صميمها وهذه الحقيقة إحدى المعضلات المنهجية في كل علوم المجتمع، التي هي علم الإنسان في مسلكيّته، أي في ما يقول وما يفعل.

يقدم د/ فضيل مقارباته للمسألة اللغوية بأسلوب المرافعة البليغة ويتتبع مسارها التاريخي منذ صدمة الاحتلال، ويعرض بالشواهد معاناة الجزائريين خلال قرن وثلث من التدمير المادي والمعنوي، وصمودهم للمحافظة على هويتهم الوطنية، إلى درجة أن الإسلام والعربية أصبحا الجنسية الوحيدة الباقية للأهالي في عقر دارهم، وهي محنة لم يتعرض لها الجوار المغاربي، ولم تعرفها البلاد العربية الأخرى في المشرق، التي حافظت على شكل دولة تحت الحماية، ولمدة قصيرة نسبيا.

الدكتور عبد القادر فضيل باحث صاحب قضية كرس لها جهده قولا وعملا في مختلف المواقع، فهو مناضل في سبيل العربية، لا تثنيه عن هدفه (وهو استعادة العربية لمكانتها الطبيعية لومة لائم، أو مغريات ينجذب لها آخرون)، نلمس ذلك في توصيفه لوضعية العربية بعد الاستقلال، وخاصة ما حدث من انقلاب على رأس قطاع التربية في السبعينات، وكان أحد إطاراتها التي تعرضت بعد ذلك للإقصاء بسبب الاختلاف في التوجه والاختيارات الأساسية.

ويخصص د/ عبد القادر فضيل جزءا كبيرا من القسم الأول من كتابه للدفاع عن العربية والرد على خصومها الذين ألصقوا بها مجموعة من الأوصاف المنفرة، وخاصة أثناء عقد التسعينات وكأن جماعة بادر ماينهوف المتطرفة في ألمانيا ومثيلتها الألوية الحمراء في اليابان على سبيل المثال قد حولت اللغة الألمانية واليابانية إلى لغة الإرهاب كما أنّ المدرسة وهي المشتلة التي ترسم فيها معالم المستقبل وثوابت الهوية والانتماء هي من مؤسسات الدولة والمجتمع التي ينبغي أن لا تخضع للأمزجة والأهواء الشخصية أو يختطفها تيار إيديولوجي ضد إرادة المجتمع وتجربته التاريخية .

على الرغم من أن أي حديث عن العربية لا يخلو من التنبيه إلى أنها لا تقصي اللغات الأخرى والمقصود الفرنسية فإن د/ فضيل يخصص لها فقرات عديدة لطمأنة المحذرين والمتخوفين من زحف وهمي لن يحدث في هذا الجيل وربما في الذي يليه، حيث يتردد في صفوفه السؤال المخجل من أنا؟ من نحن؟ ويتزايد التهجين والخطاب الكريولي الذي تنشره موجة الأغاني التي تذكر بلغة المواني البائدة المعروفة باسم لينغوا فرانكا (Lingua franca ).

وينبه الكاتب وهو على حق إلى ما تثيره كلمة تعريب من حساسية لدى البعض، على الرغم من شيوعها في الوطن العربي مشرقا ومغربا وفي بلاد مثل الجزيرة العربية وهي منبع العربية منذ أقدم العصور، ولذلك يحدد د/ فضيل مدلولها ومجال انتشارها بالماصدق والمفهوم.

ويتصدى الكاتب في القسم الثاني إلى فتح جبهات أخرى في معركته على ساحة اللغة والهوية ويفصل عن طريق المحاجة بعض القضايا التي تناولها في القسم الأول مثل علاقة الفصحى بالعامية ومستويات الخطاب، واللغة والسيادة.

ولا يرى الدكتور عبد القادر فضيل اللوحة سوداء قاتمة فهو يرصد في متابعاته لمسيرة العربية أربعة مواقع لامستها أو رسخت فيها ويذكر بالمواقف والإجراءات التي يصفها بالمضادة في نفس تلك المواقع ومن بينها تجميد قانون التعريب الذي اعتبره من الكبائر التي بدأت بها العشرية الدموية التي تكبدت بلادنا أثناءها عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء وكلفت دولتنا خسائر وعزلة دولية، قبل أن يبادر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بمشروع المصالحة الوطنية الذي أعاد الجزائر إلى مكانتها وإلى مشروعها الحقيقي للتنمية والتقدم، ولا شك أن المصالحة الوطنية تعني أيضا المصالحة مع ذاتنا الحضارية بأبعادها الثلاثة الإسلام والعربية والأمازيغية وبها جميعا تحقق الجزائر حضورها في العصر.

ومن بين أهم الفقرات التي يتضمنها كتاب د/ فضيل ذلك الجزء المتعلق بالآفاق والإقتراحات التي لا تخلو بدورها من النقد والتقييم بهدف التقويم في صورة آمال وتأملات .

ينبغي وضع كل مقاربات الكتاب في سياق الظروف والمواقف التي شارك فيها د/ فضيل أو رد عليها، وهو في كل ذلك مرافع بارع بالقلم والموقف، هناك بالتأكيد من يتفق معه ويؤيد مقولاته، وهناك أيضا بلا ريب من يختلف معه في بعض أو جل أطروحاته، ولكن في الحالتين يستحق الكاتب أجر المجتهدين في تبليغ الرأي والدفاع عن قضية هي قضيتنا جميعا.

ونحن على يقين بأن القارئ سيجد في هذا الكتاب حوارا بين العقل والقلب جيئة وذهاب، بين الواقع والمأمول.

د/ محمد العربي ولد خليفة

                                                     أستاذ جامعي

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*