بشير مصيطفى: لا منقذ للبلاد والعباد إلا العلم والرؤية الاستشرافية

رجل يعيش المستقبل تماما مثلما يستنشق الهواء. اليقظة عنده استشراف ورؤية استراتيجية. لم يدم مقامه على رأس وزارة الاستشراف والإحصاء طويلا لكن كان ثريا أعطى للوزارة ديناميكية علمية متفتحة على النخبة العلمية والمجتمع. ها هو دون كلل أو ملل يواصل نشاطه “مناضلا” في سبيل جمعنة ونشر ثقافة اليقظة الاستراتيجية كأسلوب لإيجاد الحلول الذكية للمشكلات المحلية والمسائل الوطنية الكبرى، مؤمنا أن لا منقذ للبلاد والعباد إلا العلم والرؤية الاستشرافية. حاورنا في جملة من المسائل التي فرضتها الأحداث وتحدثنا عن تجربته الميدانية مع الجامعات والمجتمع المدني وسفرياته إلى خارج البلاد.

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2015-08-28 13:48:31Z |  |

 

قمتم في المدة الأخيرة بجولة في عدة ولايات في إطار الدعوة إلى تفعيل اليقظة الإستراتيجية وجملة من الأفكار المتعلقة بقراءة المستقبل. ما الداعي إلى القيام بهذه المساعي على المستوى الجمعوي والمحلي؟

هذا النشاط يدخل في اطار العمل الجمعوي والعلمي في نفس الوقت حيث برز مؤخرا اهتمام واضح من قبل: الجامعات، مخابر البحث، الاتحادات الطلابية الجمعيات، بمبادرة صناعة الغد التي أطلقناها في 2013 والموضحة في مؤلفي الأخير باللغتين الوطنية والأجنبية (صناعة المستقبل) .

ويدخل النشاط أيضا في اطار تلبية دعوات المجتمع الجامعي والمجتمع المدني لتأطير سلسلة من النقاشات في موضوع التنمية المحلية المبنية على الاستشراف والحلول الذكية تحت عنوان كبير هو (فطور صباح الاستشراف) الذي نعمل على أن يتطور الى آلية من آليات اليقظة الاستراتيجية في خدمة صناع القرار في بلادنا.

أما الداعي إلى القيام بهذه المساعي فهو المشاركة في توجيه المجتمع المدني الذي تؤطره في الجزائر 110 ألف جمعية ( وطنية وحلية ) إلى قضايا المستقبل والى الحوار المبني على الاستشراف ومن ثمة التأسيس لثقافة مشاركة المجتمع المدني في تصميم مستقبل البلاد.

 

هل لمستم تجاوبا من الحركة الجمعوية ومن طلبة الجامعات إلى أي مدى كان هذا التجاوب وهل لمستم حركية في هذا الاتجاه؟

نعم ، التجاوب كان منقطع النظير واكتشفنا التفافا واسعا من مجتمع الطلبة والجامعيين والنخبة والإطارات والشباب حول الحوار الهادئ في موضوعات المستقبل، ونحرص على أن ينقل الاعلام محتوى ذلك الحوار وخاصة التوصيات العملية التي يخرج بها دائما في إطار دعم التنمية المحلية بأفكار قابلة للتجسيد.

والمؤشر على هذا الاهتمام هو عدد النشاطات التي نظمت عبر ولايات الوطن والمؤسسات الجامعية كان آخرها ندوة ولاية تندوف في موضوع ( مفاتيح تنويع الاقتصاد الوطني)، والنشاطات المبرمجة خلال شهر أفريل 2015 في كل من: أدرار، المدية، الشلف، جيجل، المسيلة. وجميع هذه النشاطات يدور حول فكرة واحدة هي ( تصميم مستقبل الجزائر على أساس المعرفة والذكاء) ، ونعمل كي يصل المسعى الى أوساط الجالية الجزائرية بالخارج حيث يتوفر رأس مال بشري ومالي ومادي مهم يمكن استثماره لفائدة الجزائر مستقبلا ومن ذلك عدد الباحثين الذي يتجاوز عددهم الـ 60 ألف باحث عبر جميع القارات.

 

ما هي أهم الأفكار التي ركزتم عليها في جولتكم وهل تنوون ترقية هذه الحركية إلى شبكة وطنية أو ربما دولية؟

 

إذا أردت أن تقتل فكرة فضعها بين أفكار مبعثرة، ولذا كان تركيزنا على أفكار محددة وقليلة هي:

-تدريب الشباب ومناضلي الجمعيات وطلاب الجامعات على التفكير في بناء المستقبل.

-التحسيس بتقنيات التفكير المبني على اليقظة ونشر ثقافة الاستشراف.

-ادماج المجتمع المدني في مسعى التنمية المحلية من خلال الحوار ولقاءات التفكير وإنتاج التوصيات العملية .

 

سافرتم إلى خارج الوطن وشاركتم في ندوات. ما الهدف منها؟ ماهي الآفاق التي فتحتها لكم بالنسبة للورشات التي فتحتموها في ما يخص الاستشراف واليقظة الإستراتيجية؟

جميع نشاطاتي بالخارج كانت بدعوة من مؤسسات جامعية أو مراكز تفكير أو مؤسسات فكرية أو إعلامية أو منظمات إقليمة ودولية مهتمة بفكرة الاستشراف كمحرك من محركات التقدم. والهدف من ذلك كان ولازال التعريف بتقنيات الاستشراف وصناعة المستقبل والتدرب عليها، إضافة الى العروض التي قدمناها في إطار معالجة مشكلات النمو برؤية جديدة مبنية على (اليقظة الاستراتيجية) مع التعريف بتجربة الجزائر في هذا المجال.

أما عن النتائج فقد اعتمدت جهات عدة شاركنا معها مقترحات العمل بالاستشراف وإطلاق مراكز المعطيات في توصيات أعمالها كما فعلت منظمة دول التعاون الاسلامي في مؤتمر الشارقة بالإمارات، ومؤسسة الفكر العربي في مؤتمر صخيرات بالمغرب، ومشروع اطلاق كرسي الاستشراف في الشقيقة تونس.

 

النظرات الأكثر تفاؤلا لا تستبعد تفاقم الأزمة المتعددة الجوانب التي تعيشها البلاد خاصة مع تزايد التوترات الاجتماعية في القطاعات المختلفة مثل التربية والتوترات التي يعرفها الجنوب وهناك دعوة ملحة من الجيش والرئاسة للحفاظ على الوحدة الوطنية. ما هي نظرتكم إلى مآلات مثل هذه التجاذبات؟

 

من خلال قراءة محايدة لمؤشرات التنمية في بلادنا لا أحد  ينكر حجم الاختلالات المضرة بالتوازن العام سواء تعلق الأمر بالأسواق أو القطاعات وأرقام النمو وتوزيعه عبر الاقليم . هناك بعض النقص في الخدمات وفي أداء القطاعات ذات الصلة المباشرة بالمواطن ( الصحة والإدارة مثلا ) ، ونقص ملحوظ  في إدارة الآلة الاقتصادية ( مردودية رأس المال ، انتاجية القطاع العام ، تنافسية القطاع الخاص ، تخصيص الموارد ، ادارة الاستثمار ومتابعته ). وهو ما فتح الباب أمام التجاذبات في ظل غياب رؤية واضحة ودقيقة لنموذج النمو المناسب للبلاد .

أظن أن وصف الحالة قد استكمل لدى الحكومة ويبقى علينا الأخذ بأدوات ( الحلول ) المبنية على المعرفة واستغلال المورد البشري الكامن في المجتمع والمورد المادي والمالي الكامن في الاقتصاد ، والمورد الفكري الكامن في الثقافة . عندما نتمكن من تصميم رؤية علمية وواضحة لنموذج نمو البلاد على الآماد : القريب  ، المتوسط والبعيد ، سهل علينا انتقاء الحلول والآليات الكفيلة بتجسيد أهداف تلك الرؤية ومن ثمة تحويل الرساميل التي ذكرت ( البشري ، المالي والمادي ، الفكري ) الى محركات حقيقية للنمو.

 

يبدو أن خارطة الطريق السياسة الاقتصادية بدأت تتضح أكثر مع سياسة التكامل بين القطاعين العمومي والخاص والمحلي والأجنبي من خلال فتح رأس المال وإتاحة الفرصة لاستثمار الرأسمال المحلي خارج البلد. هل هذه الرؤية من شأنها أن تدفع بعجلة الاقتصاد لبلوغ أهداف تنموية أثر طموحا؟

 

من فترة طويلة دعوت الى تجاوز التصنيف التقليدي لرأس المال ( عام – خاص ) الى التصنيف الذكي ( رأس المال الوطني ) ، والصيغة العملية لذلك متوفرة وهي نفسها الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص PPP

وللجزائر في هذا الصدد ميزات متينة : البنى القاعدية وتجربة الاستثمار العمومي من جهة والتجارب الناجحة للقطاع الخاص من جهة ثانية . هناك أيضا الرساميل الجزائرية  والعدد المهم  للباحثين الجزائريين بالخارج . وهناك النسيج الصناعي الممكن تأهيله، وهناك السوق الافريقية بنسبة نموها المتقدمة، وهناك فرص النمو في الهضاب العليا والجنوب والساحل ، باختصار هناك سلة من الفرص الممكن اقتناصها لتحسين أداء الاقتصاد الوطني، ويكفي لأجل ذلك تصميم خطة طريق على ثلاثة مستويات: الاقلاع في 2019 – الصعود في 2030 – التقدم الشامل في 2050 تدعمها رؤية استراتيجية واضحة الأهداف ومنظومة إحصائية قوية وتسمح للدولة بوضع الدراسات الأكثر جدوى.

 

نجحت الجزائر في تسوية الأزمة في شمال مالي وهي تمسك اليوم بالملف الليبي هل يدل هذا على أن الجزائر أصبحت تصدر الحلول بدل أن تجلب المشاكل وهل هذا يدل على استقرارها؟

هذا يعود الى مخزون الدبلوماسية الجزائرية والذي أثبت جدواه في عدة مناسبات اقليمية ودولية مثلما هو الحال في البنية الاقتصادية، الفرق هو أن الدولة عرفت كيف تدير المخزون الدبلوماسي على قاعدة المعرفة والكفاءة في ادارة العلاقات الخارجية بشكل أفضل. الموضوع هنا موضوع ( علم ) وليس ( خطاب ) ولذا كانت الفعالية مؤكدة ولو تحولت الكفاءة نفسها لباقي قطاعات الدولة لكانت النتائج باهرة .

الاستقرار السياسي والأمني وإرساء نظام ديمقراطي مبني على مؤسسات سياسية ممثلة للمجتمع وقوية وهل الجزائر على هذه الدرجة من الاستقرار والتنمية السياسية؟

نعم ، التنمية المستديمة منظومة متكاملة ، أنت ممكن أن تضحي بالديمقراطية في سبيل تحقيق نمو اقتصادي ويمكن أن تحقق ذلك ولكن لن يكون للمدى البعيد وستفقد النمو بعدها. وكذلك يمكنك أن تضحي بالنمو الاقتصادي في سبيل تحقيق المشاركة السياسية ولكنك ستفقد كل شيء في المستقبل البعيد عندما تتفاقم مشكلات السكان تحت ضغط الطلب الداخلي. ولهذا تتصف التنمية المستديمة بالتكامل بين أهداف: المشاركة السياسية، المساءلة البرلمانية، العدالة في توزيع الثروة (ولا يعني ذلك بالضرورة المساواة )، الحكم الصالح المبني على رشاد الإدارة، التعليم الجيد والعلاقة الثلاثية بين ( البحث العلمي – الانتاج – الابتكار ).

 

 أدخلت الدولة تعديلات على قانون العقوبات وتنوي أخرى على قانون الأسرة. وقد أثارت ضجة كبيرة. كيف تنظرون إلى هذه التعديلات المتعلقة بالعنف خاصة هل هي كافية لعلاج المشكلة في المجتمع؟

 

لا أحب كثيرا الخوض في موضوعات خارجة عن حدود تخصصي ومعارفي مثل ما هو الحال مع موضوع الأحوال الشخصية  ، ولكن عندما يتعلق الأمر بالمستقبل وبرأي المثقف ( وليس العالم ) يكون مناسبا أن أقول رأيا يحتمل الخطأ. وفي موضوع السؤال اطلعت مؤخرا على مفهوم جديد في القانون هو ( الابتكار في التشريع) ، وللمفهوم صلة بما كان يعرف بـ( مرونة التشريع )  أي أن النصوص القانونية  لا تنجح  الا عندما تملك أدوات تطبيقها أي تكون واقعية من الجانبين : الاجتماعي والثقافي ، وبمعنى آخر نص القانون هو منتوج المجتمع ولا يمكن تحقيق العكس أي صناعة المجتمع بالقانون . وفي حالتنا يتمتع المجتمع الجزائري كما هي ثقافته بمخزون جد متطور من النصوص التشريعية المنظمة للأحوال الشخصية منذ تشكل ( العرف ) في مرحلة  بناء المجتمع وتشكل ( القانون ) في مرحلة تطوره ثم تشكل ( الادارة ) بعد استعادة الاستقلال . وإذا حمل مشروع قانون العقوبات الجديد أو مشروع قانون الأسرة المرتقب رسائل ( الابتكار التشريعي ) أي تكريس قيم المجتمع وثقافته فهو مشروع قابل للتطبيق أما إن كان المشروع  مناقضا لتلك القيم ( وهي موضحة في قانون الأحوال الشخصية )  فالأمر لا يعدو أن يكون اجتهادا ظرفيا سيؤول الى اختبار صوابه عند التطبيق .

 

قدم الوزير الأول معاينة نقدية حادة لوضع التجارة الخارجية ووعد بقانون مالية تكميلي لوضع حد للنزيف الذي تشهده ما رأيك في التقييم المقدم والتدابير المقترحة؟

 

تجربة القروض الاستهلاكية ليست جديدة بالجزائر وجرى إلغاؤها في قانون مالية 2009 بسبب آثارها السلبية على بنية التجارة الخارجية في ذلك الوقت أمام عدم مرونة الانتاج الوطني تجاه الطلب الداخلي .

اليوم ، نلاحظ بأن بنية التجارة الخارجية للجزائر تراجعت أكثر تحت ضغط الواردات وفي بداية العام الجاري 2015 سجل الميزان التجاري عجزا لأول مرة منذ العام 2000 ، وقد تراجع الميزان التجاري للجزائر في 36 شهرا ( أي بين بداية  2012 ونهاية  2014  ) بنسبة 86.83 بالمائة ، ومن ثمة فإن فتح المجال للطلب الداخلي مرة أخرى من خلال القرض الاستهلاكي سيؤدي الى نفس النتائج ما لم يؤطر بشكل مدروس على النحو التالي :

أولا – تسقيف قيمة القرض الاستهلاكي بشكل مدروس ماليا على حسب قدرة الزبون على السداد على المدى المتوسط وليس القصير.

ثانيا – تحديد سلة السلع المعنية بالقرض الاستهلاكي بشكل مدروس على أساس هدف  حفز الانتاج الوطني من جانبي : السعر والجودة .

ثالثا – وأخيرا ، إعطاء الأولوية للسلع المنتجة عن طريق الشراكة الاستراتيجية مع ( الاستثمارات الأجنبية المباشرة ) على قاعدة نقل تكنولوجيا الانتاج وتقنيات تسيير المؤسسة وتكوين الموارد البشرية .

وتهدف هذه الرؤية ادماج موضوع القرض الاستهلاكي في مسار النمو الكلي للاقتصاد الوطني وليس الطلب الاستهلاكي فقط .

 

حاوره احسن خلاص، نشر في جريدة الجزائر بتاريخ 04 أفريل 2015

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*