اللغة و معركة الهوية- الدكتور عبدالقادر فضيل

اللغة أو اللسان ـ كما ذكرها القرآن الكريم ـ هي خاصية الإنسان وأداة التعبير عن وجوده، فهي وعاء فكره وترجمان مشاعره، ورمز هويته، ووسيلته في التواصل مع أبتاء جنسه والتفاعل مع أفكارهم.

لذلك تحرص المجتمعات الواعية بذاتيتها على التمسك بلغتها والارتباط بها وبالقيم التي تحملها، وأن تجعل من التعامل بها في حياتها أهم مظهر من مظاهر وجودها، وأقوى ركيزة من ركائز بنائها الإجتماعي، ومن ثم تسعى بكل الوسائل والأساليب إلى المحافظة عليها والعمل الجاد من أجل توريثها لأبنائها وتعليمها لهم. وتنمية مشاعرهم نحوها، وجعل الهدف من هذا التوريث سبيلا لتمكينها من أن تبقى مغروسة في أعماق وجدان أفرادها، بحيث يعيشون حياتهم وهم يحسون بقوة الانتماء إليه، وإلى الأصول الثقافية التي نتجت عنها، وهذا الإحساس يدفعهم إلى الغيرة عليها، إنها الحقيقة التي بها عاش الإنسان إنسانا، وبها تميز وجوده وارتقى تفكيره، وأصبح يمارس دوره في الإسهام الحضاري، لذلك تحتل اللغة مكانة كبيرة في حياة الإنسان، فهي التي تحدد ذاتيته وتجسد أفكاره وأحاسيسه، وتميزه عن غيره من بقية الأجناس، وتجعله يستحضر بمعرفتها تاريخه وأمجاده ويعي حقيقته، ويتابع بوعي ما يجري في حاضره، ويتطلع بأفكاره إلى ما سيأتي به مستقبله.

هذه هي اللغة التي تعيش مع المجتمع وتسكن وجدان أفراده، تتوارثها الأجيال وتنتقل معهم من وضع إلى وضع، وبها يسعون إلى تسجيل تاريخهم، وتدوين تراثهم.

وقد تطرأ على المجتمع ظروف لا دخل له فيها، فيتغير واقعه اللغوي بحيث تفرض عليه لغة دخيلة، وتكرهه على التعامل معها، والعيش تحت تأثيراتها الفكرية والثقافية، بل تسعى إلى عزله عن كل ما يربطه بلغته وثقافته، وتحاول قتل الإحساس بالوطن في أعماق أفراده.

والمجتمع الذي يعي أهمية اللغة في بقاء وجوده وتطوير حياته وبناء حاضره لا يستسلم لهذه الظروف، بل يتصدى لها ويقاوم الوسائل التي اعتمدتها في تغييب وعيه بذاته، ويقف في وجه كل إجراء يستهدف فصله علن أصله، وجعله يعيش حياة الغربة اللغوية، يدفعه إلى الانبهار بالواقع اللغوي الجديد، الذي يقوم أساسا على قيم تمجد هذه الواقع الذي يفرض الاندماج فيه أن يعيش المواطن غريبا عن أصله مفصولا عن حضارة أمته.

وهذا جانب من الوضع اللغوي الذي فرض على الجزائر بعد عام 1830 أي بعد نكبة الاحتلال الذي كان هدفه ابتلاع الجزائر أرضا وثقافة، ومحو وجودها المتميز، ومسخ هويتها وتشويه تاريخها.

إن غاية ما كان يسعى إليه ساسة الاستعمار هو تغيير هوية الشعب وطمس معالم ثقافته بمحو لغته وجودا واستئصالها استعمالا، ودفع أفراد المجتمع إلى اعتناق قيم ثقافية تبقيهم متنكرين لعقيدتهم، وهذا ما كانت تسعى إليه برامج المدرسة الفرنسية التي أسسها الاستعمار، ووجهها خصيصا لتحقيق هذه الغاية، وجند لها كل ما يملك من المسيرين والعلماء والمعلمين والفلاسفة والخبراء العسكريين، قد حاول بكل الوسائل أن يقتلع الجزائريين من عقيدتهم ولكن لم يستطع أن يحقق ما كان يريد، لأن الشعب أحس بهذه الإهانة، وبعمق الجرح الذي سببه الغزو الفكري واللغوي، فلم يستسلم لهذه السياسة، بل ظل يقاومها.

وينبغي أن نذكر أن القوى الحية في البلاد أدركت خطورة النتائج المنجرة عن هذا الغزو الثقافي فهبت للدفاع عن الذاتية الثقافية، ومقاومة الأساليب والإجراءات الهادفة إلى محو الهوية، وتذويب المجتمع في غيره، ومن هنا بدأت معركة الهوية التي شارك فيها عديد من العلماء، والكتاب ورجال الفكر والثقافة والسياسة، تلك المعركة التي وظف فيها الجزائريون كل ما يملكون من وسائل وأساليب مادية أو أدبية، والتي استمرت طوال فترة الاحتلال، وما تزال بعض آثارها اليوم شاهدة على هذه الروح الوطنية التي لم تخمد جذوتها في نفوس الجزائريين رغم المعاناة التي لاقوها في سبيل هذه المعركة.

لقد وقفوا صامدين تجاه القوانين التي فرضت عليهم مسايرة هذه السياسة والرضوخ للواقع المفروض، ولكنهم مع ذلك لم يهجروا لغتهم، ولم يفرطوا في قيمها، بل عاشوا واعين لخصوصياتهم، متمسكين بذاتيتهم، وبكل ما يربطهم بأصولهم، وقد اندفع المجتمع لمواجهة الوضع الثقافي المعادي، ذلك الوضع الذي أحدثته سياسة المحتل من جراء الإستيلاء على الأملاك الوقفية، وتدمير المؤسسات التي كانت تعني بتعليم الناس دينهم ولغتهم وتاريخهم، وما يرتبط بمجالات حياتهم، وقد فرض هذا الوضع المنافي لحاجة المجتمع أن يجتهد الناس في تغيير الظروف والأساليب التي تحقق لأجيالهم ما حرموا من تعلمه، وتبقيهم مرتبطين بثقافتهم وقرآنهم.

وبهذا الجهد أعلن العلماء ومن كان يسير في اتجاههم حربا على الوضع السائد والظالم، الوضع الذي حرم الناس من التعايش مع لغتهم ومع ثقافتهم، وتجسد ذلك في نشاط الزوايا والكتاتيب وحلقات العلم في المساجد والجوامع التي أتيح لها أن تستمر، أو فتح أمامها المجال لنشر المعرفة، حتى ولو كانت تلاقي في سبيل ذلك عنتا كبيرا.

ولولا هذه المؤسسات التي نبتت في جهات عديدة من الوطن وأتاحت المجال للراغبين في تعلم اللغة، وحفظ القرآن، واستيعاب أمور الدين، لولا ذلك لضاع وجود هذه اللغة في الجزائر، ولهجر الناس الاستعمالات اللغوية التي درجوا عليها، لأن اللغة الفرنسية التي فرضها حكام الاستعمار بالقوة لم تبق محصورة في المدرسة وفي الإدارة فحسب بل عمموها في كل مجالات الاستعمال، فانتشرت بين الناس وفي مظاهر المحيط، وأصبحت تؤثر حتى في استعمالات غير المتعلمين، فأصبح الإنسان الأمي يردد ما يسمعه، ويحاول تقليده، حتى ولو كان لا يفهم كل العبارات المستعملة، لذلك اختلط اللفظ العربي باللفظ الأجنبي، وشكل هذه الخليط لغة هجينة، لغة ركيكة لا هي فرنسية ولا هي عربية، وماتزال هذه اللغة سائدة في واقعنا اليوم، وبذلك تخلخلت الاستعمالات العربية وضعفت تراكيبها.

وفي هذه الحال وجد الجزائريون أنفسهم مدفوعين بدافع الغيرة على لغتهم إلى التصدي لهذه الأوضاع ومقاومتها، والسعي إلى تبصير الناس بضرورة الاستمرار في الدفاع عن الهوية، التي أساسها اللغة وروحها القيم الدينية، ومجابهة الظروف الطارئة التي أرغمت المجتمع بكامله على مسايرة وضع لغوي غريب عنه، بعيد عن حقيقته، كما فرضت عليه ظروفا ثقافية جعلته يعيش تحت تأثيرات هذا الوضع في جميع مجالات حياته، ومن هنا وجهت فئات المجتمع اهتمامها لخوض المعركة المصيرية المتعلقة بالذود عن اللغة التي هي جانب من الدفاع عن قيم الوطن وسيادته.

لقد بدأ الشعب هذه المعركة مع بداية الاحنلال واستمرت في السنوات الأولى للاستقلال وخفت لهيبها بعد أن بذلت الدولة جهدا معتبرا في مجال التعليم الذي وجدت فيه اللغة العربية متنفسا لها، ولكن هذه الجهود لم تستثمر بقوة في باقي المجالات، مما دفع الناس إلى استئناف المعركة من جديد، فالمعركة اليوم مستمرة وبحدّة، لأن اللغة الفرنسية الغازية ما تزال محافظة على مكانتها، وفي عدد من المجالات الحية لأن البلاد أعطت لها مكانة لم تعطها للغة أخرى، فبقيت متشبثة بهذه المكانة التي احتلتها، ولم تترك المكان للغة البلد إلا في المجالات الدينية وفي جانب من مجالات التعليم والمرافق القضائية، وكان أملنا أن تستعيد العربية في عهد الاستقلال مكانتها في جميع مجالات الحياة، لانه من غير الطبيعي أن يستعير بلد مستقل لغة في مجالات التعامل الحياتي، وهو يملك لغة كاملة التأهيل وقادرة على خوض جميع مجالات المعرفة وأنشطة الحياة المختلفة .

وموضوعات هذا الكتاب الذي يحمل عنوان: (اللغة ومعركة الهوية في الجزائر) أساسه الوضع الذي تعيشه اللغة العربية، والردة التي عرفتها جهود التعريب في مجالات المحيط والتعامل الإداري الرسمي في مختلف الدوائر وغاية ما تسعى إليه من طرح هذا الموضوع هو الدعوة الملحة إلى التفكير في صناعةواقع لغوي متطور، ومنسجم مع تطلعات الأمة، وآمال الأجيال في مجال التحكم في صناعة الفكر وامتلاك ناصية المعرفة، واتخاذ المواقف الحاسمة التي تعيد للغة العربية مكانتها ودورها، وتهيء المرافق الإدارية والتعليمية لاحتضانها،وزيادة العناية بها، وجعلها أداة التعامل في المستويات المختلفة.

وبذلك يسهم المجتمع في تنمية ثقافته وتطوير حياته، وتحقيق كامل سيادته.

 

تمهيد كتاب “اللغة و معركة الهوية” للذكتور عبدالقادر فضيل

اصدارات جسور للنشر و التوزيع

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*