اللغة أداة الاندماج الاجتماعي- بقلم الدكتور عبدالقادر فضيل

 

دخلت اللغة العربية هذه المنطقة من الشمال الإفريقي (الجزائر) وانتشرت بين أهلها منذ أن تدفقت موجات الفتح الإسلامي على بلدان هذه المنطقة في القرن الأول الهجري أي يوم جاء المسلمون الأوائل إلى هذه الربوع لينشروا الدعوة إلى الإسلام، ويبثوا العقيدة الإسلامية بين سكانها، ويعلموهم اللغة العربية (لغة القرآن) التي بها يفهمون العقيدة ويستوعبون أحكامها.

CaptureD

لقد أقبل سكان الجزائر مثل غيرهم من سكان هذا الإقليم،-عن رغبة واقتناع – علي اعتناق الإسلام، والتمسك به عقيدة وسلوكا، كما أقبلوا على تعلم اللغة العربية بعد اتصالهم المباشر بالفاتحين الأوائل وإدراكهم حقيقة الإسلام، وأهمية اللغة العربية، نظرا لارتباطها بهذا الدين إرتباطا غير قابل للانفصال وفهمهم الغاية التي جاء من أجلها هؤلاء الفاتحون الذين أوفدتهم الدولة الإسلامية لنشر الحقائق الدينية وتعليمها للناس، لقد فهم السكان أن الغاية التي جاءوا من أجلها لم تكن الاستيلاء على الأرض واستعباد أهلها، والتحكم في مصيرهم، إنما كانت الغاية هي نشر الهداية وتبيان حقيقة الدعوة إلى الدين الحق وبث العقيدة التي هي أساس المحبة والألفة والتعاون بين الناس، ومحاربة الغطرسة والتكبر والاستعلاء والاستبداد وعبادة العباد، تلك الأوصاف والسلوكات التي جاء الإسلام لمحاربتها.

والذي يسر هذا الاندماج بين السكان الأصليين وبين المسلمين الفاتحين هو أن كلا الطرفين فهم طبيعة الآخر، فالسكان الأصليون من البربر فهموا طبيعة العرب المسلمين الذي قدموا لإنجاز مهمة دينية وحضارية، والذين برهنوا بسلوكهم وطريقة تعاملهم مع الناس على عظمة الإسلام، وسمو الأخلاق التي يدعو إليها، وصفاء العقيدة وصدق الإيمان فأعجبوا بهم، وفتحوا صدورهم لهم، والفاتحون من جهتهم فهموا طبيعة البربر ومواقفهم تجاه من يريد فرض سيطرته عليهم، وأدركوا طيبة أخلاقهم وعزة نفوسهم، وغيرتهم على بلادهم وعرضهم، وحبهم للحق والحقيقة، فزادهم ذلك إرتباطا بهم واطمئنانا إلى معاشرتهم، فتصاهروا معهم، واندمجوا في نظام حياتهم، وركنوا إليهم، بحيث أصبحوا يشكلون معهم شعبا واحدا لا تفرق بينهم ألألوان والأعراق، ولا يفصل بعضهم عن بعض اللهجات واللغات والعادات، لأن الدين آخى بينهم، وربط بين مشاعرهم، ووحد اتجاههم، وصنع منهم أمة واحدة تدافع عن وجودها في أرضها، وتسعى لنشر ألأفكار والقيم الإسلامية خارج حدودها. إن حرص الجزائريين على فهم حقيقة هذا الدين، وفهم تفكير المسلمين الذين حملوا هذا الدين وأصبحوا يعيشون معهم، دفعهم إلى تعلم اللغة العربية والإقبال على دراسة علومها، وإتقان قواعدها، حتى أنهم أصبحوا يؤلفون بها، ويؤسسون المؤسسات التي تتكفل بتعليمها لأبنائهم ولكل الراغبين في التعلم (علم اللغة وآدابها)، إذ لم يكن للبربر الأحرار تعصب للغتهم أو للهجاتهم إزاء اللغة العربية التي جاءت إليهم، ودخلت ديارهم وانتشرت بينهم عبر الحضارة الإسلامية، ولم يكن وجود اللغة العربية بينهم يضايق اللهجات المحلية أو يضعفها، بل كان وجودها عاملا من عوامل التثقيف الذي انعكس على اللهجات فأثراها وطورها، لأن هذه اللهجات لم يكن لها تراث مكتوب، لذلك حرص السكان                – عن رغبة وطواعية- على تعلم العربية وتعليمها لأنها تعينهم على تدوين تراثهم وتخليد أفكارهم ومآثرهم.

فاللغة العربية بالنسبة إليهم هي المفتاح الذي يفتحون به أبواب المعارف ويدخلون عالم الحضارة الإنسانية التي وصلت إليهم عبر الحضارة الإسلامية فاللغة إذن هي التي تربطهم بهذه الحضارة، وهكذا دفعهم إيمانهم بأهمية الإندماج في عالم الحضارة العربية الإسلامية، ورغبتهم في الإسهام فيها إلى الإلمام بالثقافة الإسلامية، ومعرفة أسرار القرآن الكريم، الذي هو دستور هذه الحضارة، فانكبوا على حفظه ومدارسته وتحفيظه لأبنائهم، ولم يفصلوا في ذلك بين القرآن، ولغة القرآن لأنهما مرتبطان، وبهذا سكن الدين قلوبهم،وجرت العربية على ألسنتهم، فأصبحوا عربا مسلمين أو مسلمين عربا، لا فرق بينهم وبين القادمين من المشرق  يحتكمون في أمورهم الدينية والأخلاقية إلى العقيدة، ويلتجئون في تسيير أمورهم الحياتية إلي اللغة العربية، وهكذا تعايش القوم وتعايش معهم اللسان العربي إلى جانب اللسان البربري في كنف العقيدة ورعاية الدولة الإسلامية التي كان ملوكها ومعظمهم من أصول بربرية يعتزون بالعربية ويدعون إلى تعلمها، فلم يسجل التاريخ أي عداء أو تصادم بين العربية والبربرية، أونتج عن احتكاكهما أي إحساس بأن العربية لغة دخيلة أو غريبة لأنها كانت لغة الدين والدنيا معا .

وقد عبر الشيخ البشير الإبراهيمي عن هذا التمازج بين العربية والبربرية فقال في مقالة له بجريدة البصائر العدد (41) عام 1948، تحت عنوان (العربية في الجزائر عقيلة حرة وليس لها ضرة)، قال فيها: (فلما أقام الإسلام بهذا الشمال الإفريقي إقامة الأبد أقامت معه العربية لا تريم ولا تبرح، ما دام الإسلام مقيما لا يتزحزح … ومنذ ذلك الوقت بدأت تتغلغل في النفوس، وتنساغ على الألسنة واللهواث، وتنساب بين الشفاه والأفواه، يزيدها طيبا وعذوبة أن القرآن بها يتلى، وإن الصلوات بها تبدأ وتختم، فما مضى جيل أو جيلان حتى اتسعت دائرتها، وخالطت الحواس والمشاعر معا .. وزاحمت البربرية على ألسنة البربر … وسلطت سحرها على النفوس البربرية فأحالتها عربية .. كل ذلك باختيار لا أثر فيه للجير ، واقتناع لا يد فيه للقهر).

إن اللجوء إلى استخدام اللغة العربية في المجالات الكتابية الرسمية لم تفزضه جهة من الجهات ولم يفرضه الناطقون بهذه اللغة، إنما إندفع الناس إليه بعفوية وتلقائية، وبدافع ديني وبوازع المصلحة الوطنية، لأنهم رأوها مفيدة لهم، ومن ثم فاللغة العربية هي التي فرضت نفسها، وجذبت الناس إليها فتعلموها، وأصبحوا يتكلمونها إلى جانب اللهجات التي عندهم واستخدام اللغة العربية في الإدارة والتعليم وتسيير نظام الحياة لم يزعج أحدا في الماضي، فالحكام – رغم أنهم من أصول بربرية – كانوا يقدرون اللغة العربية، فلم يفكروا في التخلي عنها أو يقللوا من شأنها، بل جعلوها جزءا من اهتمامهم السياسي والثقافي، لأنهم كانوا ينظرون إليها على أنها لغة الوطن ورمز الدولة ولسان العقيدة,، وفي الوقت نفسه لم يتخلوا عن لهجاتهم التي كانوا يستخدمونها في مجالسهم الخاصة وقد تطور اهتمام السكان بهذه اللغة فاصبحوا يشعرون بها ويؤلفون الكتب بها وفي نحوها (من أمثال ابن معطي).*

وهكذا انتشرت اللغة العربية خارج بلاد العرب وما كان لها أن تنتشر خارج بلادها وبهذه السرعة، وتؤثر في لهجات البلدان التي دخلتها أو تحل محلها لولا أنها لغة القرآن الذي يتلوه المسلمون ويتعبدون به .

وبذلك توطنت اللغة العربية في هذه المنطقة واستقرت بين أهلها  وأصبحت لغة العلم والتعليم، والإدارة، ولسان الدولة وصارت لها مؤسسات علمية تستقبل الوافدين من طلاب المعرفة وتلقنهم العلوم بها، وتوفر لهم مجال البحث والدراسة، وهكذا عاشت اللغة العربية إلى جانب العقيدة الإسلامية مدة 14 قرنا في هذه المنطقة، وكانت بحق الرابطة القوية التي ربطت بين المتساكنين جميعهم بربرهم وعربهم وألفت بين مشاعرهم، وقوت لحمة التواصل بينهم، وظلوا على هذه الحال إلى أن جاء المحتل الغاصب الذي دمر البلاد وخرب النظام الثقافي الذي كانت تسير عليه الأمة وحاول أن يقضي على كل شيء جميل في نفوس العباد .

لقد كان هدفه الجوهري من احتلال البلاد هو اقتلاع العقيدة الإسلامية من نفوس الجزائريين وطمس معالم الثقافة العربية  الإسلامية التي تغذي هذه العقيدة وتذكي وعي الإنسان بذاتيته، كما كان هدفه القضاء على اللغة العربية التي هي الرابطة القوية التي تبقي الجزائريين متماسكين متآلفين يلهجون بفكر واحد ولغة واحدة .

 

* ابن معطي عالم بربري ألف في النحو العربي ألفية سبقت ألفية ابن مالك.

 

من كتاب ” الغة و معركة الهوية في الجزائر ” للدكتور عبدالقادر فضيل

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2013

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*