القراءة السريعة .. أهميتها ودورها في تقدم المجتمع

“القراءة السريعة” مفهومٌ يُشير إلى استعمالِ مجموعة من الأساليب التي في نهايتِها تهدفُ إلى زيادة معدَّلات سرعة القراءة، وبنفس التركيز، ودون التأثير على الفهم، وتهدف القراءة السريعة إلى قراءة مادة كبيرة في فترة زمنية قصيرة، وبالتالي فهي توفِّر الوقت وتزيد من ذكاء الإنسان.

هذا وقد أجرينا حوارًا مع الأستاذة سعاد محمد إسماعيل – المُحاضِرة والمستشارة في مجال التنمية البشرية – لنتعرَّف على مفهوم القراءة السريعة ومعدلاتها في الدول العربية والغربية.

 

ولماذا يحتاج الإنسان إلى القراءة السريعة في حياته؟

وما أوجه الاختلاف بينها وبين العجلة؟

وما هو دور الأسرة في زيادة معدل القراءة السريعة لدى الطفل؟

 

وإلى نص الحوار:

بداية ما هو تعريف مفهوم القراءة السريعة؟ ومتى ظهر؟

في الواقع أول مَن تحدَّث في موضوع الصورة بعلومِ النظر وعلوم تكوُّن الصورة في عقل الإنسان هم العرب؛ كأبي بكر الرازي، والحسن بن الهيثم عالم البصريات الشهير، ونحن نفتخر جدًّا عندما نعلم أن الجامعات العالمية في أوروبا وأمريكا تقومُ بتدريس علوم الحسن بن الهيثم، الذي يعتبر أول مَن تحدَّث عن علم البصريات والرؤيا والنظر، وبالتالي يعتبر العلماء العرب هم المصدر، وبعد ذلك جاء عالِم فرنسي يدعى إيميل جافال؛ حيث انتبه أن للعين وقفات وقفازات، قال: عندما يقوم الإنسان بتثبيت العين على الكتاب تقرأُ ما بين خمس وسبع كلمات في الوقت الواحد، ومن هنا ظهرت بدايات القراءة السريعة، وبعد ذلك في الحرب العالمية الثانية انتبه القادة بالمملكة المتحدة إلى أن الجنود لا يعرفون تحديد الهدف بطريقة صحيحة، وبالتالي يقومون باصطياد أصدقائهم عن طريق الخطأ، فقرروا أن يدربوا الجنود على أن تقوم العين بتحديد الهدف، واستخدموا جهازًا يسمى التيكتسكوب، هذا الجهاز يقوم بتحديد الهدف خلال دقائق، ويجعله أكثر وضوحًا أمام الجنود، وبالفعل بدؤوا بتدريب المقاتلين في الحرب على هذا الجهاز، وبالفعل هذا الجهاز نجح وحقَّق نتائج إيجابية عالية، ومن هنا قرروا أن يستخدموا هذا الموضوع على القراءة؛ بحيث نعمل على زيادة عدد الصور التي تراها العين في أقل وقت، ومن هنا بدأ تاريخ القراءة السريعة.

 

ما هو التاريخ الحقيقي لظهور مصطلح القراءة السريعة؟

كانت البداية الأساسية في أواخر الخمسينيات عندما ظهرت باحثةٌ تسمَّى إيفلين وود، وبعدها تطوَّر مفهوم القراءة السريعة مع ظهور عدَّة مدارس خاصة بتعليم القراءة السريعة، حتى وصل العلم إلى عامِنا هذا واتسعت رقعة المدارس التي تعلم القراءة السريعة.

 

لماذا نحتاج إلى القراءة السريعة في حياتنا؟

في البداية موضوعُ القراءة السريعة هو موضوع مهم جدًّا، ونحن نحتاجه اليوم أكثر من أمس، وأكثر من غد، فأول توجيهٍ رباني نزل في القرآن الكريم كان: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، فلم يقل الله عز وجل: آمن، ولم يقل: اعبد أو صلِّ، ولكن قال: ﴿ اقْرَأْ ﴾، والقراءة السريعة مطلوبةٌ من ناحية الشرع، يقول رب العالمين عز وجل: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]، كما أن القراءة السريعة مطلوبة من الناحية العلمية والعملية أيضًا، فلو نظرنا إلى الإحصائيات في عموم الدول العربية والوطن العربي، للأسف سوف نجد أن متوسط القراءة عند الشخص الغربي هي مائتا ساعة بالسنة، بينما الشخص العربي ست دقائق فقط، كما أن الأمية في جمهورية مصر العربية تعادل نصف المجتمع المصري، أو أربعون في المائة من المجتمع المصري أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وأغلبهم سيدات، وهذا وضعٌ يجعلُنا مهتمين أكثر بموضوع القراءة السريعة، كما يجب الاهتمام أكثر بموضوع القراءة عندما نعلم أن مجموع الورق الذي تستخدمه كل دُور النشر في الوطن العربي يعادل ما تستخدمه وسيلة نشر فرنسية واحدة وهي باليمار الفرنسية!

 

كما أن الإحصائيات تقول: إنه في أوروبا يُطبع لكلِّ خمسة عشر ألف شخص نسخة كتاب، بينما في الدول العربية يُطبع نسخة كتاب لكل ربع مليون شخص، وبالتأكيد هناك فجوة كبيرة بين الدول العربية والغربية، وبالتالي يجب الاهتمام بموضوع القراءة.

 

كثيرًا ما توصف القراءة السريعة بالعجلة؟

العجلة غير مطلوبة في القراءة، وبالتأكيد هناك فرق بين السرعة والعجلة؛ يقول الله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ [القيامة: 16]، وبالتالي فالسرعة مطلوبة ولكن العجلة غير مطلوبة.

 

ما هو دور الأم في عملية القراءة؟

بالطبع يقعُ على ربة المنزل أو والدة الطفل واجبٌ ديني وواجب اجتماعي في موضوع القراءة، سواء أكانت تقرأ لنفسها أم تقرأ لأطفالها، بل من الضروري على كل رجل وكل ربة منزل وكل فتاة أن يهتموا بتثقيف أنفسهم، وعندما نعود إلى التاريخ نجد أن أكثر سيدات المنازل كانوا أمهات العظماء، فمخترع مصباح الكهرباء مثلاً “توماس أديسون” أمه كانت ربة منزل، ونتذكر من التاريخ أنها عندما ذهبت بابنها إلى المدرسة وأخبرها مدير المدرسة أن ابنها متخلِّف عقلي ولا يستطيع التعلم، حينئذٍ قرَّرت أن تقوم بتشجيع ابنها وتجعله يُحسِّن من مستواه الدراسي، فاتفقت معه أن يقرأ كل كتاب بالمنزل حتى قرأ جميع الكتب وأصبح ذا ثقافة عالية، وانتهى إلى أن اخترع المصباح الكهربائي، ولنأخذ العبرة من هذه القصة أنه على كل أم أن تهتم بابنها، وأن تشجّعه على القراءة.

 

هل القراءة السريعة فطرة وغريزة في النفس أو هواية؟

أرفض تمامًا كلمة هواية، هذا خطأ تُورِّثه المجتمعات والثقافات التي نعيش فيها، فالقراءة عادة، فهي دَيْدن العظماء وكلمة دَيْدَن هي الفعل المداوَم عليه، ولذلك من الخطأ الجسيم أن نطلق على القراءة أنها هواية؛ لأن الهواية هي الشيء الذي لا يحتاجه الإنسان في حياته العادية، بعكس القراءة، فكما أن الطعام هو غذاء للجسد، فإن القراءة هي غذاء للروح، فلا يستطيع أحد أن يعيش بدون طعام جسدي، وبالتالي فإن القراءة هي غذاء الإنسان الفكري والروحي، بالإضافة إلى الطريقة الخاطئة التي تعلمنا بها القراءة في طفولتنا، فالمعروف أن الطفل يتعلم القراءة بإحدى طريقتين:

الأولى: هي تعليم القراءة كلمة كلمة، والتهجّي حرفًا حرفًا.

 

والثانية: هي ربط الكلمة بالصورة التي تظهر أمامنا، وهذه طريقة خاطئة، ومن أهم أسباب بطء القراءة.

 

كيف نحدّد القارئ السريع في قراءته؟

لقد صنَّف العلماء القراء في العموم ثلاثة أنواع:

الأول: القارئ البطيء، وهو الذي يقرأ مائة كلمة فأقل، وبالتالي يكون لدية مشكلات في القراءة.

والنوع الثاني: هو القارئ المتوسط، والذي يقرأ من مائة حتى مائة وخمسين حرفًا.

والنوع الثالث: القارئ السريع الذي يقرأ من ثلاثمائة حرفٍ حتى ثمانمائة فيما أكثر.

 

كيف يحسب الفرد سرعته في القراءة؟

يوجد قانون بسيط، من خلاله يستطيع الشخص أن يقوم بحساب سرعته في القراءة، وذلك من خلال حساب عدد الكلمات التي نقرؤها في الكتاب، وذلك عن طريق حساب عددِ السطور في الصفحة الواحدة وضربها في متوسّط الكلمات في كل سطر، فتكون النتيجة هي عدد كلمات الصفحة الواحدة، ونقوم بضرب عدد كلمات الصفحة الواحدة في عدد صفحات الكتاب، وبهذه الطريقة نستطيع حساب عدد الكلمات التي يقرؤها الشخص، فالشخص الذي سوف يبدأ بالقراءة يحتاج أن يضع زمنًا بجواره يبدأ فيه القراءة، ويقوم الشخص بقسمة عدد الكلمات المقروءة في الصفحة الواحدة على الزمن، فتكون النتيجة هي سرعة القراءة في الدقيقة الواحدة، وبعد حسبانِ سرعة القراءة يقوم الفرد بتصنيف نفسه من أي الأنواع الثلاثة.

 

ما هو متوسط القراءة السريعة لدى الأشخاص؟

لقد أجريت تجارب واسعة في هذا الموضوع، وأكَّدت النتائج اختلاف مستوى سرعة القراءة باختلاف المراحل العمرية، فطلاب المرحلة الابتدائية عادة يقرؤون بسرعة من مائة لمائة وخمسين كلمة في الدقيقة، وطلاب المرحلة الإعدادية يقرؤون من مائتين لمائتين وخمسين كلمة في الدقيقة، أما طلاب المرحلة الثانوية، فيقرؤون من ثلاثمائة لثلاثمائة وخمسين كلمة في الدقيقة، ولكن نجد في المراحل الأخرى ما بعد الثانوي والجامعة تعود السرعة المتوسطة في القراءة، وهي من مائتين لمائتين وخمسين كمدى متوسط.

 

هل تكون السرعة واحدة في قراءة الكتب في مختلف العلوم والمواد أو تختلف؟

ليس شرطًا أن نقرأ الكتب السياسية في نفس الوقت الذي نقرأ فيها كتبًا اجتماعية عملية، ولكن المرونة في هذه الحالة هي التي تُحدِّد القراءة، وبالتالي يستطيعُ الفرد من خلال المرونة أن يُغيِّر سرعتَه في قراءة كل كتاب، ونضرب مثالاً بسيطًا في هذا الأمر، فسائق السيارة لا يسير على سرعة محددة طول الطريق، ولكن يزيد ويقلل من سرعته بحسب الطريق، وهذا ما يحدث تمامًا عند قراءة الكتب المختلفة في جميع المجالات، وبالتالي لا بد أن يتمتَّع الشخص بالمرونة الكافية التي يستطيع من خلالِها توازنَ واختيار سرعة القراءة لكل كتاب على حدةٍ.

 

هل هناك تجارب دولية في القراءة؟

بالتأكيد هناك تجارب رائعة ومميَّزة، ولكن للأسف هذه التجارب هي غربية فقط، وأتمنى أن نسمع قريبًا عن تجارب عربية تكون بالفعل على مستوى ينهض بأمتنا، وعلى سبيل المثال في التجارب الدولية تجربة إنجلترا، ففي إنجلترا يوجد شيء اسمه القراءة العائلية، وهي تتمثَّل في أن يقوم الأب والأم بالخضوع إلى كورسات في القراءة لأولادهم، واختيار نبرة الصوت المناسبة، وأيضًا اختيار الكتاب المناسب، واختيار عمر الولد المناسب للقراءة، وغير ذلك من الكورسات التي يخضع لها الأبوان في إنجلترا، بالإضافة إلى تعليم أطفالهم استثمار جزء من مصروفهم الشهري في شراء الكتب.

 

وأيضًا في أمريكا وتحديدًا في ولاية ميزوري يقوم عمَّال قَطْع الأشجار بالغابات، والذين يسافرون لعدة أيام باصطحاب سيارة خاصة مليئة بالكتب المعينة حتى يقوموا بالقراءة في وقت الاستراحة من عملهم، ويقوموا باستثمار الوقت بالقراءة، والعمال في المصانع نفس الشيء يُجبرون على قراءة الكتب في أوقات الاستراحة.

 

وأيضًا تقوم اليابان بترجمة أكثر من مائتي عنوان سنويًّا، وذلك من خلال أن ترصد أهم الكتب التي أُلِّفت سنويًّا في مختلف دول العالم، وتقوم بترجمتها للغتها الأصلية حتى يستفيد منها شعبها، كما أنهم مؤمنون بالحكمة التي تقول: إن الصورة الواحدة تعبر دائمًا عن ألف كلمة.

بقلم أحمد الشايب

 

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*