القانون والجريمة والدرس الصيني – بشير مصيطفى

prospective - internet

نفذت بكين وسط  العام 2010م حكما بالإعدام كان صدر عن القضاء الصيني ضد مواطن بريطاني ضبطت بحوزته كمية من المخدرات وزنها 4 كغ. ونفذت السلطات الحكم على الرغم من المساعي التي بذلتها السلطات في لندن لإلغاء العقوبة تحت ذرائع شتى منها أن الرجل مصاب عقليا. وعلقت السلطات القضائية في بكين على المساعي البريطانية بأن تنفيذ الحكم يأتي في سياق سلطة القانون وصرامة العمل على مكافحة تهريب المخدرات. وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه تنفيذ حكم الإعدام في بكين تم بالجزائر الإعلان عن ضبط 3 أطنان من الكيف المعالج بالحدود الغربية للبلاد وذلك ضمن سلسلة من العمليات التي مازالت السلطات الأمنية تكشف عنها على مدار العام. وبين الكمية المضبوطة في الصين وتلك المعلن عنها بالجزائر، و أمام الفرق الكبير بين البلدين على سلم المساحة وعدد السكان يبقى الجميع متسائلا عن نجاعة السياسات بين الدول في مكافحة أخطر مادة سامة على الإطلاق اسمها المخدرات.

في الحقيقة يبدأ مستقبل  المجتمع  – أي مجتمع – في السقوط عندما تفقد القوانين سيادتها وتصبح ساحة للتلاعب بين يدي أصحاب المصالح  فيسقط بذلك واحد من أهم معايير الحكم الصالح أي “تطبيق القانون”.  وعندما نص القرآن الكريم على ضرورة تطبيق الحدود “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” البقرة: 179، وحسمت الأحاديث النبوية الشريفة في حيادية تنفيذ الأحكام وسيادة القانون على الجميع ((والذي نفسي بيده  لو أن فاطمة بنت محمد سرقت  لقطعت يدها))، فإن في ذلك إشارة إلى ضرورة أن تتمسك السلطات القانونية بالصرامة في تنفيذ الأحكام وأن يسري ذلك على الجميع بغض النظر عن الموقع الاجتماعي أو المهني وحتى السياسي بل يتعدى ذلك إلى أفراد الجاليات الأجنبية التي عليها احترام أبجديات المواطنة في الدولة. هذا ما يفسر الموقف الصيني – الذي أشرنا اليه – من حيث المبدأ .

وعلى الصعيد التقني فإن السياسات الوطنية تحقق سلطتها عندما تسهر السلطات القضائية على حماية القانون وتطبيقه وبغير ذلك يفقد المواطن الثقة في نظام إدارة المجتمع، يبحث عن سبل عنيفة للتعبير عن التذمر وفي أحسن الأحوال يستسلم لليأس ويتخلى عن العمل المنتج. سلوك تفسره المقاربات “السوسيولوجية” بأنه رد فعل من الفئات المظلومة التي  ترى القانون وقد تحول من طابعه التشريعي في مكافحة الجريمة إلى أداة ذات طابع سياسي واقتصادي لتحقيق أهداف محددة بعيدا عن مفهوم “الاستقرار الاجتماعي”.

والجزائر التي مضت سبع سنوات على إطلاقها لقانون مكافحة الفساد     – جانفي 2006م – وعلى الرغم من أنها أول دولة توقع على “اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد” التي وضعت العام 2004م، وفي مقابل العدد اللافت لقضايا الفساد لدى المحاكم إلا أن المشاهدات اليومية تؤكد حالة النهب المنظم لموارد الدولة، توسع رقعة الرشاوى  والمحسوبية، تراجع الشفافية في مجال إبرام الصفقات، نشاط الأسواق خارج نطاق القانون وتمدد الجريمة وسط فئة من السكان لم تكن تعرف العنف من قبل. ظواهر لا تفسير لها سوى أن القانون في محتواه الردعي يحتاج إلى تفعيل.

 

لا أحد يستطيع أن يفسر لنا تنامي الجريمة بالوتيرة السريعة وبالأشكال التي نشاهدها في بلدان تدين بالإسلام وتعمره مساجد الصلاة سوى أن القوانين لم تعد ناجعة ليس من جانب النصوص التي أبدع المشرع في وضعها ولكن لأن أثر الردع  المستهدف من كل نص تشريعي اختفى تحت ضغط الممارسات. وبالفعل تحول التسامح الذي هو فضيلة عظمى تجاه أبناء الأمة الخاطئين إلى ورقة بين يدي مهندسي الجريمة لتجنيد مجرمين جدد وتحولت السجون التي فتحت لإعادة التربية المفقودة لدى أولئك الخاطئين إلى مدارس لتبادل الخبرة في حقل مازال يتمدد بين العاطلين عن العمل والفاقدين للأمل. وتحول التهرب الجبائي الذي يكافحه القانون  إلى عبئ جديد على ميزانيات الأسر وتصميم السياسات الحكومية لبناء المستقبل وعلى مخططات تنفيذ موازنة الدولة.

ربما يبدو المشهد متشائما وسوداويا إذا تعلق الأمر بدول تشهد تنامي الانحراف والجريمة والعنف ولكنه الواقع الذي يجب علينا جميعا الاعتراف به وتجاوزه لمستقبل قانوني أكثر تماسكا إذا ما أردنا بالفعل إعادة الاعتبار للجدار المبني على أرضية من القيم الاجتماعية وعلى رأسها  احترام القانون وتطبيقه على الجميع، وإذا أردنا حقا صناعة الغد الزاهر بقيم العدالة،  فالقانون مثل الديمقراطية تماما ممارسة قبل أن تكون شعارا كما أن استشراف اتجاهات الجريمة مستقبلا وتركيبتها والفئات المعنية بها ومسبباتها عامل مساعد على رسم القانون من منظور الغد ومن منظور الإبداع والتطورات التشريعية. إنه حقا أحد موضوعات المستقبل، المستقبل المبني على الذكاء وعلى النباهة وعلى اليقظة وعلى الاستعداد.

من كتاب ” صناعة الغد: مقالات في الاستشراف” للدكتور بشير مصيطفى

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2013

 

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*