الفلسفة و الفلاسفة- لأبي حامد الغزالي

 الفَلسْفَة

  • محصولها.
  • المذموم منها وما لا يذم.
  • وما يكفر به قائلة وما لا يكفر به.
  • وما يبتدع فيه وما لا يبتدع.
  • وبيان ما سرقه الفلاسفة من كلام أهل الحق.
  • وبيان ما مزجوه بكلام أهل الحق لترويج باطلهم في درج ذلك.
  • وكيفية عدم قبول البشر وحصول نفرة النفوس من ذلك الحق الممزوج بالباطل.
  • وكيفية استخلاص الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم.[1]

ثم إني ابتدأت ، بعد الفراغ من علم الكلام ، بعلم الفلسفة وعلمت يقيناً ، أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم ، من لا يقف على منتهى ذلك العلم ، حتى يساوي أعلمهم في أصل [ ذلك ] العلم ، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته ، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور[2] وغائله ، وإذا ذاك[3] يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقّاً. ولم أر أحداً من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك.

ولم يكن في كتب (( المتكلمين )) من كلامهم ، حيث اشتغلوا بالرد عليهم ، إلا كلمات معقدة مبددة ، ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار بـها بعاقل[4] عامي ، فضلاً عمن يدعي دقائق العلوم. فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنهه[5] رمى في عماية ، فشمرت عن ساق الجد ، في تحصيل ذلك العلم من الكتب ، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية ، وأنا ممنو[6] بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفر من الطلبة ببغداد.

فأطلعني الله سبحأنه [ وتعالى ] بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة ، على منتهى علومهم في أقل من سنتين. ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة ، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره ، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع وتلبيس ، وتحقيق وتخييل ، اطلاعاً لم أشك فيه.

فاسمع الآن حكايتهم[7] وحكاية حاصل علومهم ؛ فإني رأيتهم أصنافاً ، ورأيت علومهم أقساماً ؛ وهم على كثرة أصنافهم يلزمهم وصمة[8] الكفر والإلحاد ، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين ، وبين الأواخر منهم والأوائل ، تفاوت عظيم في البعد عن الحق والقرب منه.

*       *        *

 

 

 

أَصْناَف الفَلاَسِفةَ وشُمول وَصْمَة الكُفِر َكافَّتهمُ [9]

اعلم: أنـهم ، على كثرة فرقهم واختلاف مذاهبـهم ، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون ، والطبيعيون ، والإلهيون.

الصنف الأول: الدهريون:- وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر ، العالم القادر ، وزعموا أن العالم لم يزل موجوداً كذلك بنفسه بلا صانع ، ولم يزل الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان ، كذلك كان ، وكذلك يكون أبداً وهؤلاء هم الزنادقة.

والصنف الثاني: الطبيعيون:- وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة ، وعن عجائب الحيوان والنبات ، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات ، فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى وبدائع حكمته ، مما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر[10] حكيم ، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها. ولا يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء مطالع ، إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ؛ لا سيما بنية الإنسان. إلا أن هؤلاء ، لكثرة بحثهم عن الطبيعة ، ظهر عندهم – لاعتدال المزاج – تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان بـه. فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضاً ، وأنـها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم[11]. ثم إذا انعدمت[12] ، فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا. فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود ، فجحدوا الآخرة ، وأنكروا الجنة والنار ، [ والحشر والنشر ] ، والقيامة والحساب ، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ، ولا للمعصية عقاب ، فانحل عنهم اللجام وأنـهمكوا في الشهوات أنـهماك الأنعام.

وهؤلاء أيضاً زنادقة لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله واليوم الآخر. وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر ، وإن آمنوا بالله وصفاته.

والصنف الثالث: الإلهيون :- وهم المتأخرون منهم ، [ مثل ]: سقراط[13] ، وهو أستاذ أفلاطون ، وأفلاطون[14] أستاذ أرسطاطاليس ، وأرسطاطاليس[15] هو الذي رتب [ لهم ] المنطق ، وهذَّب لهم العلوم ، وحرّر لهم ما لم يكن محرراً من قبلُ ، وأنضَجَ لهم ما كان فِجّاً من علومهم ، وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية ، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا بـه غيرهم. (( وكفى الله المؤمنين القتال )) بتقاتلهم. ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ، ومن كان قبلهم من الإلهيين ، ردّاً لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم ؛ إلا أنه استبقى أيضاً من رذائل[16] كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنـزوع عنها[17] ، فوجب تكفيرهم ، وتكفير شيعتهم[18] من المتفلسفة الإسلاميين ، كابن سينا[19] والفارابي[20] و غيرهم[21]. على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين. وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط وتخليط يتشوش فيه قلب المطالع حتى لا يفهم. وما لا يُفهم كيف يُرد أو يقبل؟ ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس ، بحسب نقل هذين الرجلين ، ينحصر في ثلاثة أقسام: –

  1. قسم يجب التفكير به.
  2. وقسم يجب التبديع به.
  3. وقسم لا يجب إنكاره أصلاً فلنفصله[22].

[1]  جميع هذه النقط الثمانية زائدة في ش و ق.

[2]  في ش : غوره.

[3]  في ش: فإذذاك.

[4]  في ش: بغافل.

[5]  كنهه : قدر الشيء ونـهايته ؛ يقال : بلغت كنه هذا الأمر أي غايته. لسان اللسان.

[6]  ممنو : مبتلِّى به.

[7]  في ش : حكايته.

[8]  في ش : سمة.

[9]  في ش : أصناف الفلاسفة واتصاف كافتهم بالكفر.

[10]  في ش : بقادر.

[11]  في ش : فينعدم.

[12]  في ش : انعدم.

[13]  فليسوف يوناني (469-399 ق. م.) ادعى أنه لا يعلم شيء، وليس له آثار مكتوبة وكل ما عندنا ما سجله تلميذه أفلاطون من محدثاته. رفعت المحكمة اليونانية دعوة ضده بتهمة افساد الشباب وأعدمته بالسم.

[14]  فليسوف يوناني ( 427-347 ق.م.) تلميذ سقراط سجل محدثات أستاذه، وأسس مدرسة للفلسفة سماها الأكادمية، جرب الدور السياسي في سركيوز (ايطاليا) ثم رجع إلى عاصمة اليونان أثنيا عندما تغير الوضع السياسي حوله ، قال مبرراً لذلك أنه لا يريد أن تتكرر الجريمة ضد الفلسفة مشيراً إلى حادثة إعدام سقراط. من أهم أعماله كتاب الجمهورية.

[15]  فليسوف مقدوني ( 427-347 ق.م.) تلميذ أفلاطون، دَرس في مدرسته عشرون عاماً، ثم رجع إلى بلده ليكون مدرساً للإسكندر المقدوني، ثم عاد إلى أثنيا وأسس مدرسة سماها الليسيم، بعد وفاة أفلاطون، وبحث فيها مع تلاميذه شتى أنواع المعرفة واستمرت بعد مماته بسنوات عديدة. ثم اضطر مغادرة أثنيا عندما توفى الاسكندر وضعف أمر المقدونيين. تلاميذه اشتهروا ( بالمشائين ) لأنه كانت عادة المعلم أن يمشي وهو يلقي المحاضرة. من أشهر المعلقين على أعماله الفليسوف ابن رشد القرطبي الحفيد المعروف بـ”المعلق” الذي ازدهر بعد الغزالي بمائة عام. هذب علم النطق وكتب في الاخلاق والنفس وما وراء الطبيعة، واعماله السياسية لم تصل العرب واكتفوا بما كتب افلاطون.

[16]  في ق: رذاذ.

[17]  في ش : للنـزع منها.

[18]  في ش : متبعيهم.

[19]  هو أبو الحسين علي ابن سينا (370-428 هـ) (فارسي الأصل) الطبيب والفليسوف ، صاحب كتاب (القانون في الطب) وكتاب (الشفا) وكتاب (النجاة) في الفلسفة.

[20]  أبو نصر الفارابي (260-339هـ) الفليسوف (تركي الأصل) المشهور صاحب كتاب الموسيقى الكبير وكتب في الفلسفة. زعم أبن سينا أنه لم يفهم ارسطو حتى قرأ شرحه الذى ألفه الفارابي. لم يشتهر في عصره، ولكنه اشتهر بعد ابن سينا.

[21]  في ق: أمثالهما ، وفي ش غيرهما.

[22]  ناقص في ش : فلنفصله.

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*