الظروف التي انطلقت منها المدرسة في الجزائر- بقلم الدكتور عبدالقادر فضيل

ecole algerienne  web [1600x1200]

إننا حين نريد الوقوف على أحوال المدرسة التي نتعامل معها اليوم في الجزائر، والتي يميل البعض منا إلى محاكمتها، والتقليل من شأنها والطعن في شخصيتها، حين نريد ذلك يجب أن نرجع بذاكرتنا إلى الوراء، إلى الظروف التاريخية التي انطلقت منها في بداية الاستقلال، أي إلى بداية المسيرة، و من خلال ذلك نستعرض المواقف الرسمية التي اتخذت بشأنها، يوم تسلمنا مقاليد أمور الدولة.

إننا حين نستعرض تلك الظروف و تلك المواقف التي عرفتها المدرية في بداية انطلاقها، نجد أنها السبب الأقوى في الهزات التي تعرضت لها المسيرة المدرسية، و الاضطرابات التي عاشها التعليم، و أثرت في سيره: فالاشكالات التي يعانيها التعليم اليوم مردها في الأساس الى هذه البداية : التي كان يطبعها غموض في التوجه، و تردد في المواقف، و لولا ذلك لما بقيت المؤسسة التعليمية مدة طويلة تعاني الغربة في بلادها، و تعيش حالات من التمزق بين أهلها، و لولا تلك البداية و انعكاساتها النفسية و الثقافية لما تركنا المشكلة اللغوية ( المتعلقة بتصحيح الوضع) تكبر و تنمو و تتعقد، الى درجة جعلت التفكير في علاجها و الحد من انتشارها أمرا لا يقابل بالرضا دائما، بل كثيرا ما ترفضه بعض الجهات، و يعارضه بعض المسؤولين، و هذا مازاد في عمر المشكلة، و عمق الإحساس بالعجز عن مواجهة كل مخلفاتها، فالكل يعلم أن المدرسة التي ورثناها –غذاة الاستقلال- كانت مدرسة غريبة عن مجتمعنا، في توجهاتها و لغتها و أهدافها، و مع ذلك تبنيناها، و نحن مدركون أنها لا تنسجم في كثير من جوانبها مع الحقائق الوطنية، و لا تستجيب لأهداف البلاد، لأنها أسست في الأصل لغايات تخدم السياسة الاستعمارية المنتهجة في بلادنا في فترة الاحتلال.

هذه هي حقيقة المدرسة كما عشناها في بداية الاستقلال، مدرسة تعيش في ظل الدولة الجزائري، تحيا معنا و تحت اشرافنا، و لكن روحها ظلت مرتبطة بالظروف التي أنشأتها ـ و متأثرة بالنمط الثقافي الذي عاشت في كنفه أكثر من قرن.

و الخطاب السياسي لم يخف هذه الحقيقة، و لم يتجاهلها بل كثيرا ماصرح بها، و اعتبرها وضعية غير طبيعية، و دعا الى تصحيحها، و لكن هذه الدعوة لم تترجم في إجراءات و قرارات عملية و فورية، مما اطال عمر المشكلة، لان التوجهات السياسية على مستوى القول كانت واضحة و متطابقة مع إرادة الأمة، و لكن الأفعال و الممارسات التي تجري في الميدان كانت تسير في اتجاه معاكس لهذه الأقوال، مما أبقى المسعى التصحيحي يتأرجح بين القول و الفعل، بين القرار السياسي و الاجراء الإداري، بين النوايا و الممارسات، و هذا مايؤكد حقيقة قد تغيب عن البعض و هي : أن المدرسة الجزائرية لم تولد مع بداية الاستقلال، و انما الذي ولد هو الاطار الفكري و المذهبي الذي بقي فكرة مدونة في الوثائق ، و قائمة في الأذهان، و شعارا يردد في الخطب و المناسبات، و لكن تجسيده في الواقع ظل يصطدم بعقبات و عوائق نفسية كثيرة، تمثل بعضها في المواقف المترددة التي لم تحسم الأمر، و في السلوكات المضادة. و مهما كانت المواقف التي عرفتها المدرسة فان نظام التعليم كان احدى الواجهات التي جعلتها الدولة عنوانا معبرا عن سياستها الاجتماعية و الثقافية، في مجال بناء الانسان، و استرجاع الذاكرة الثقافية، التي هي السمة المميزة لكل شعب حي ، و الروح التي بها يقاوم النسيان و الركود.

من كتاب ” المدرسة في الجزائر: حقائق و اشكالات” للدكتور عبدالقادر فضيل

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2013

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*