الثورة التحريرية: تحوّلاتها وأبعادها في الواجهة الشعرية الجزائرية

 

“نوفمبر” هو الإيمان.. العزم.. الصمود.. المقاومة.. التّمرّد.. الثورة… التحرّر.. وسائر أبجديات الرفض…،. هو زئير الأسود البشرية!،، هو أوّل حرف في قاموس أكبر ثورة تشهدها الأمة العربية الإسلامية في خريفها الحضاري،، هو الريح الصّرصر العاتية التي عصفت بأعتى طاغوت في منتصف القرن العشرين، فإذا هو يغدو كأنْ لمْ يكن شيئًا مذكورا!،، هو منطق الفئة القليلة التي غلبتْ فئةً كبيرة بإذّن ربّها،، هو النّار التي لم تكن على الأعداء بردًا وسلاما!،، هو صرخةٌ “إسرافيلية” في “الصور” الكوني، قبل أوانها، إيذانًا بقيامةٍ أولى تُحقُّ الحقّ وتزْهقُ الباطل!… .

Capture

جدل “الثورة والأدب” إشكال مفروغٌ منه ومفْصولٌ فيه، والثورة التحريرية تَجاوزَ تأثيرُها في شعرنا الجزائري إطارَها التاريخي (1954-1962) إلى المراحل التاريخية اللاحقة، وبين مرحلةٍ وأخرى تختلف الرؤيا الشعرية وتتباين أُطرُها الفنية، لذلك تأتي هذه الدراسة لتحدّد موقع ثورة نوفمبر الخالدة على الخارطة الشعرية الجزائرية، مع تبيان التضاريس الفنية التي تحدّد استراتيجيات الموقع الثوري، وتُحيط بجمالياته المكانية. وتريكزنا على الخطاب الشعري بذاته واجهةً للثورة عائدٌ – بالدرجة الأولى – إلى إيماننا بأنّ (الشعر هو فنّ المقاومة بشكل عام)(1)، نظرًا إلى ما (يحتويه بناؤه الموسيقي في اختيار الكلمات وطريقة وضعها إلى جانب بعضها البعض من قدرة على الانتقال من الفم إلى الأذن إلى القلب، ومن فمٍ إلى فم إلى فم…)(2).

وقد اقتضت الضرورة المنهجية أن نحدّد للدّراسة ضفافًا على مستوى المتن الشعري والإطار التاريخي؛ وذلك بتقسيم الإطار الثوري إلى مراحل تاريخية – ذات خصوصيات معينة – تبدأ من بداية الثورة التحريرية وتنتهي – على سبيل التحديد المنهجي – عند مرحلة الثمانينات، أمّا على الصّعيد الشعري فَقَد اكتفينا بأخذ عيّنات محدودة، اجتهدْنا – قدر الإمكان – في أنْ تكون محْتوية على أكبر قدر من المحمولات الدلالية والبنيوية للمرحلة التي تمثّلها من جهة، والحياد عن النماذج الشائعة المستهلكة من جهة أخرى؛ ويدخل في هذا القَبيل استثناؤنا لتجربة (مفدي زكريا) الثورية، على سبيل المثال، لا لشيء إلاّ لأنها قد كانت مدَارَ أحاديثَ كثيرةٍ متشابهة في عمومها، وقد كان لنا شيءٌ من ذلك في مناسبة فائتة(3).

وبعْد، فإنّ الإطار التاريخي لهذه الدراسة يتمفصل – في نظرنا – على أربع مراحل، تُغطّي كل مرحلبة عَشْريةً بذاتها، لها مواصفاتها وخصوصياتها على شتّى الأصعدة، وإنْ كانت ثمّةَ تداخلات بينها لابدّ منها، وخاصة إذا تعّلق الأمر بخطابٍ كالخطاب الشعري الذي يأْبى الخضوع الآلي وإلكرونولوجي،، لإطاره الواقعي المادي.

 

من كتاب ” في ظلال النصوص : تأملات نقدية في كتابات جزائرية” للكاتب يوسف وغليسي

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2009

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*