الثورة التحريرية:تحوّلاتها وأبعادها في الواجهة الشعرية الجزائرية ( جزء2)

  • مرحلة المسايرة والمواكبة (1954-1962):

– أبو القاسم خمار نموذجا –

Capture

يمكن أن يكون شاعر الثورة مفدي زكريا خيرَ من يمثّل هذه المرحلة، تاريخيا وفنيا، إضافة إلى أسماء أخرى “كصالح خرفي” و”أبي القاسم سعد الله” و”أبي القاسم خمار” ومعظم الشعراء الذين عاشوا أو شهدوا الثورة.

سنقف الآن عند قصيدة (منطق الرشاش)(4)، التي تبدو لنا أنها تتوفّر على خصائص كثيرة من روح ذلك العصر:

(لا تفكّرْ… لاتفكّر…

يا لهيب الحرب زمجرْ… ثمّ دمّرْ…

في الذرى السمراء من أرض الجزائرْ… لا تفكرْ…

مزّقِ الأحياء… أشلاء… وبعثرْ…

حَطّمِ الطغيان… كسّر…

وانشر الإرهاب… والنيران… أكثرْ

ثم أكثر…

وإذا ناداك غرّ… فتحجّرْ…

وتمرّدْ.. وتكبّرْ… لا تفكرْ…

سوف تظفرْ

قوة المدفع… والرشاش… أكبر)… الخ… .

تتشكل القصيدة من 32 سطرًا، في شكل جمل متوثّبة قصيرة، تمثّل انعكاسًا لغويا للفعل الثوري السريع على ساحة الحرب، إضافةً إلى معجم ثوري واضح ومباشر (الحرب، زمجر، أشلاء، حطّم، كسّر، النيران، الإرهاب، المدفع، الرشاش، بركان، الدم، أحمر، لهيب، الله أكبر، يغلي، يزفر،…). “لا تفكّرْ” هي الجملة اللازمة لهذا النص، إذْ يستهلّ الشاعر بها قصيدته، ويكرّرها طيلةَ مقاطعها الثلاثة (08) مرات كاملة، تأكيدًا دلاليا منه على إزاحة أيّ تردّد يمكن أن يشوب العقلية الشعبية الجزائرية آنذاك.

وعلى صعيد البنية النحوية، نلاحظ هيمنةً “فعلية” واضحة على حساب “اسمية” النص، بما يدلّ على الدلالات التغيّرية التجديدية التي تعكس نظيراتها على صعيد الساحة الثورية، ويستبدّ “فعل الأمر” بالقسط الأوفر من الأفعال: 19 فعلَ أمرٍ واضحًا، إضافة إلى 08 أفعال مضارعة صيغةً ولكنها اكتسبت دلالةً “أمْرية” لاقترانها بـ “لا الناهية” (مثال: لا تفكّرْ)، ليصبح الرصيد 27 فعل أمر من أصْل المنظومة الفعلية للنص، المشكّلة من 44 فعلا، وهو رصيدٌ يكشف عن نمط الأسلوب الخطابي المنبري الذي كان الشاعر، وقتذاك، لا يجد أجْدى وأنفع منه.

وعلى مستوى آخر، سرعان ما يبرز أمامنا حرف “الراء” ظاهرة صوتية متفشية في النص، ومسيطرة على “فونيم” لغة الشاعر؛ حيث كشف لنا الإجراء الإحصائي عن تواتره 60 مرّة كاملة، مقترنًا في الغالب بأفعال الأمر (زمجِر، بعثِر، دمِّر، كسّر، تحجّرْ، تمرّدْ، تكبّرْ، إزخرْ، شمّرْ، كشّرْ،…) ، وبمعدل ما يقارب المرّتين في كلّ سطر، بل لا يخلو أيّ سطر شعري من حرف “الرّاء”، ولاشكّ أنَّ لانفجارية صوت هذا الحرف وجرْسه الصارخ دلالةً كبرى على الرسالة الخطابية التي يحملها الشاعر ويوّد تبليغها بثقة وثبات يتجلّيان في تلك القافية المقيّدة (ذات الرّوي الساكن) التي يركُن إليها في نهاية كلّ سطر شعري.

دائما، وعلى مستوى الوحدات اللغوية للنص، يستوقفنا ذلك التّوافق اللغوي الإيقاعي المدْهش (لا تفكرْ، ثمّ دمّرْ، ثمّ أكثرْ، فتحجّرْ، وتمرّدْ، وتكبّرْ، سوف تظفرْ، فتأجَّجْ،…)؛ حيث تستقلّ كل كلمة من هذه الكلمات – إذَا غضضْنا الطّرْف عمّا يسبقها من حروف مساعدة فقط ولا إسناد فيها – ببنيتها الإيقاعية (تفعيلة “رمليّة” واحدة/ فاعلاتن) ودلالتها التّامة، حتّى لكأنّ كلّ وحدة معجمية من وحدات القصيدة رصاصةٌ بذاتها، أو لغْم ناري يزرعه الشاعر في ساحات الوغى، وإلى هذا أشار الأستاذ “عثمان سعدي” في مقدّمته للديوان، وهو بصدد الحديث عن قصيدة (منطق رشاش)، حيث قال عنها:

(.. يحسّ الإنسان وهو يترنّم بها أنّ أبياتها قُدّتْ من رصاص وكلماتها صُنعتْ من دويّ المدافع، كل شطر منها يوحي بالمعركة، وكلّ حرفٍ منها يرسم بثقةٍ طريق النصر لكلّ سلاحٍ شُهِر ضدّ الظلم والاستعباد)(5). وليس غريبًا أن يكرّر الدكتور “عبد الله ركيبي” الملاحظةَ عينَها إذْ يقول: (… إنّ هذا الإيقاع المتوتّر وهذا الرّوي يجعلها أشبه بالطلقات السريعة التي تتلاءم مع وصف الحرب وما يحدث فيها من صراع)(6).

وبالعودة إلى البنية الإيقاعية للقصيدة، نلاحظُ أنّ بنيتها العَروضية (وزن… رمَلي + قافية مقيّدة “رْ”) تنسجم تمام الانسجام مع ملاحظة موسيقية للدكتور إبراهيم أنيس، حين قال عن القافية المقيّدة: (تكثر هذه القافية في بحر الرّمل بنسب تفوق أيَّ بحر آخر)(7)، وهو ما قد يعكس المرجعية الذوقية التقليدية التي كُتبت القصيدة في ضوئها، رغم القالب الحديث الذي ارتدتْه فذ ذلك الوقت المبكّر     (سنة 1958)، بالقياس إلى حداثة الشكل الحرّ آنذاك!… .

من جهة أخرى، نلاحظ اختفاء الفضاء التّخييلي من سماء البنية الشعرية للقصيدة، ظنًّا من الشاعر أنه سَيُموّهُ واقع الرؤية الشعرية، وأنّ تكثيف الصورة من شأنه أن يحجب جوهر الرسالة الثورية التي يؤثر الشاعر تبليغها من أقرب السبل، في أقصر وقت وبأوضح الأشكال. وذاك هو معظم حال القصيدة الجزائرية أثناء الثورة.

 

من كتاب: “في ظلال النصوص: تأملات نقدية في كتابات جزائرية” للكاتب يوسف وغليسي

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2009

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*