الثقافة الاستعمارية وفكرة النمو – للدكتور بشير مصيطفى

HARIQUE  تحررت شعوب كثيرة من نير الاستعمار، لأن بعضها قاوم الاحتلال بذهنية التحرر و الاستفلال السياسي، و بعضها استفاد من الشرعية الدولية في إطار القرار الأممي الشهير 1514 القاضي بتصفية الاستعمار، و لكن لا ذهنية التحرر و لا القرار الأممي تمكنا من مقاومة الامتداد الاستعماري في حقول الثقافة و اللغة و السلوك الاجتماعي و الوعي النخبوي، و سرعان ما كشفت مرحلة الاستقلال لكثير من الشعوب عن عدم اكتمال منظومة التحرر كلية من التبعية للمستعمر سواء تعلق الأمر بالقرار الثقافي أو القرار الاقتصادي، و تحولت لغة المستعمر من اللغة التقنية – أسوة  ببقية  اللغات-  إلى أداة للتواصل الإداري و الاقتصادي و النخبوي و حتى العلمي مما أثر سلبا على اتجاهات التقدم و أفرغ التنمية من جزء مهم من مدلولها الاجتماعي، و حول الدولة المستقلة الى دولة محتلة ثقافيا و لغويا، في حين أن وضعيتها كدولة مستقلة لا تمكنها من جني مكاسب التقدم لدى الدول المحتلة لها تاريخيا، و بالتالي وقعت جل الدول المتحررة حديثا في فخ التبعية الثقافية و اللغوية الذي حرمها من مزايا الاستقلال كوضع بإمكانه أن يحرك الإمكانات الاجتماعية الكامنة في ثقافة المجتمع و في لغته أيضا، و في دولة افريقية استقلت بعد صدور القرار الأممي 1514 تم وقف العمل بقانون يفرض على الإدارة استعمال اللغة الوطنية بدل لغة الدولة المحتلة تاريخيا دون أن تتمكن الفئة التي قادت عمليات التحرر السياسي من مقاومة ذلك. ولهذا  لم تتقدم دولة واحدة استقلت حديثا على الرغم من إمكاناتها المادية و الطبيعية، عدا تلك التي تحررت ثقافة و لغة مثل اليابان و الفيتنام و كوريا الجنوبية على الرغم من إمكاناتها المادية المتواضعة عند الاستقلال.

حقيقة، تحتاج مرحلة استقلال الدول المستعمرة استكمال التحرر تحت غطاء تمكين الشعوب المستقلة حديثا من تقرير مصيرها بشكل كامل أي دعم فكرة “الاستقلال” بفكرة ” التحرر” من بقايا الاستعمار و حينها فقط يتحقق شرط التنمية و التقدم، مادام هذا الأخير يحمل مدلولا اجتماعيا و معنويا، فضلا عن مدلوله التقني و المادي. قعل يلقى ‘بيان الجزائر’، الداعي الى استكمال إجراءات التحرر من فكرة الاستعمار، الصدى المناسب؟

بشير مصيطفى، 15 ديسمبر 2010

جزء من مقال ” تحررت الشعوب ولم تتحرر” من كتاب ‘حريق الجسد’ للدكتور بشير مصيطفى

إصدارات جسور للنشر و التوزيع 2011

 

 

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*