التعليمية (Didactique) والبيداغوجيا: التباين والتمايز.

Tadrisse web

إن مصطلح البيداغوجيا (Pédagogie) تركيب يوناني مؤلف من كلمتين Péda وهي مشتقة من Paidos وتعني الطفل وOgogie وتعني القيادة والتوجيه، وكان المربي (البيداغوجي) (Le pédagogue) في عهد الإغريق هو الشخص وفي أغلب الأحيان الخادم الذي يرافق الطفل في طريقه إلى المعلمين (Les Magisters) فلم يكن البيداغوجي معلما ولكنه كان مربيا وفي هذا الصدد كتب فارون (Varon) في القرن الأول قبل الميلاد أنه إذا كان المعلم (المحاضر) يعلّم فان البيداغوجي يربّي لأنه هو الذي يسهر على رعاية الطفل، والأخذ بيده وهو الذي يختار المعلم ونوع التعليم الذي يراه ملائما حسب تصوره ويوضح هاملين (Hameline) هذا الأمر بقوله إن البيداغوجي في الأصل كان مربيا لأن التربية كانت تتم خارج المدرسة بينما التعليم يتم داخلها، حيث ارتبطت التربية بتهذيب الخلق بالمعنى الواسع أما التعليم فقد ارتبط بتحصيل المعرفة بالمعنى الضيق، بمرور الوقت تحول البيداغوجي (لأسباب عديدة) من المربي بالمفهوم العام للكلمة إلى معلم ناقل للمعرفة دون التساؤل عن نمط المواطن الذي يسعى إلى تكوينه، والبيداغوجي الناجح هو الذي يمكِّن المتعلم من النجاح في الامتحانات أكثر من الذي يتساءل عن غايات التربية وأهدافها. وتحولت البيداغوجيا من معناها الأصلي المرتبط بإشباع القيم التربوية إلى منهجية في تقديم المعرفة وارتبطت بذلك بفن التدريس وانصب الاهتمام على اقتراح الطرائق المختلفة للتعليم وتعددت هذه الطرائق بتعدد المرجعيات والخلفيات والمدارس الفلسفية … وظهرت بيداغوجيات لا حصر لها (هربارت، ديكرولي، بستتالوتزي، فروبل، مونتيسوري، روسو…) حتى أنه لم يعد من السهل الكلام عن بيداغوجيا دون الإشارة إلى صاحبها … ولم تتمكن بذلك البيداغوجيا من بناء نظرية موحدة مرجعية لتحليل وضعيات التدريس أو القسم فخلت بذلك من البعد العلمي.

أما التعليمية وكما سبقت الإشارة إلى مفهومها فإنها تهدف إلى التأسيس العقلاني لممارسة شاملة، لنقل كونية (Universelle) قادرة على تحقيق النجاح في كل التخصصات لجميع المتعلمين كما أشار إلى ذلك كومينيوس COMENIUS، وذلك باضافة البعد العلمي الذي تفتقده البيداغوجيا وتجنب كذلك الفكر الوضعي (Positivisme) الذي يميّز هذه الأخيرة. بهذا فالتعليمية تسعى عبر البحث الأمبريقي لصياغة نظام منسجم من التوجيهات القابلة للتحقيق بغرض عقلنة الفعل التعليمي وهو ما عبر عنه دي كورت (De corte) بالتعليمية التجريبية (Didaxologie) والتعليمية العلمية (Didactologie) من خلال الإجابة عن التساؤلات المتعلقة بكيف نعلم محتوى تعليمي معين؟ فالتعليمية في الأصل تفكير منهجي (La didactique est à l’origine une réflexion méthodologique).

مما سبق يمكن إدراك فروقًا جوهرية وأخرى ثانوية بين البيداغوجيا والتعليمية.

فالتعليمية تهتم بالجانب المنهجي المتعلق بتوصيل المعرفة واكتسابها في علاقته بالمحتوى التعليمي وتنطلق من أن طبيعة المعرفة الموضوعة للتدريس تلعب دورا محددا بالنسبة للتعلم وبالتالي للتعليم، فالمتعلم يتعلم بطريقة مختلفة على سبيل المثال في قسم الرياضيات عنه في قسم الانجليزية ليس فقط في ضوء اختلاف العقد التعليمي الذي قد يختلف بين القسمين بل لأن محتوياتهما لهما خصوصيات مختلفة تقود إلى تنمية مهارات مختلفة ومن هنا يعتبر فهم علاقة المعرفة المقدمة في بعدها المعرفي أساسيا بالنسبة للمختص في التعليمية.

بينما لا تحتاج البيداغوجيا إلى دراسة وضعيات التعليم/التعلم من زاوية خصوصية المحتوى ولا تهتم في العمق بالبعد المعرفي للتعلم بل تهتم بأبعاد أخرى نفسية اجتماعية فعندما ندرس مثلا العلاقة بالمعرفة (المحتوى) في إطار البيداغوجيا ضمن أبعاد متعددة نتكلم عن بيداغوجيا توجيهية وغير توجيهية، بيداغوجيا مؤسساتية وبيداغوجيا المشروع  بينما لا نتكلم إطلاقا في المقابل عن تعليمية توجيهية وغير توجيهية أو مؤسساتية أو تعليمية المشروع لأن البيداغوجيا تحدد انطلاقا من طرائقها أكثر من قيمتها المتصلة بالغايات.

وبشكل أدق يمكن القول أنه في الوقت الذي تواصل فيه البيداغوجيا التساؤل حول الغايات تتساءل التعليمية عن الوسائل.

كما يمكن القول بدقة أكثر في سياق التمييز أن التعليمية تتناول منطق التعلم انطلاقا من منطق المعرفة، أما البيداغوجيا فتتناول منطق التعلم انطلاقا من منطق القسم، فكأن التعليمية تهتم باكتشاف عناصر التشخيص لكنها تجد صعوبة في اقتراح العلاج بحيث يهتم المختص في التعليمية بتحليل وضعيات التعلم/التعليم لنمذجتها. لكنه يحتاط في اقتراح ممارسات لهذه الأبعاد في ضوء تحليله.

يتم التركيز في التعليمية على شروط اكتساب المعرفة من طرف المتعلم وتعتبر الوضعيات التعليمية كمساعد على التفاعل الأقصى بين المعرفة والمتعلم والمعلم. أما في البيداغوجيا فيتم التركيز على الممارسة المهنية التي تتضمن التفكير السابق لوضع العلاقة التربوية في مجال محدّد، وتنفيذ الاختيارات التعليمية التي تسمح بقيادة وتسيير القسم في أبعاده المختلفة (التواصل الشفوي وغير الشفوي، تكنولوجيا التعليم، معرفة النظام التربوي في أبعاده التنظيمية والتاريخية…).

وتحديدا يقودنا تمييز التعليمية إلى ذكر المثلث التعليمي الذي يعد النموذج الأقدم الذي يضع في علاقة كل من المعلم، المتعلم والمادة المدرّسة. فهو يبرز عملية التعليم والتعلم بكيفية مبسطة. فهذا المثلث يسمح بإقامة عدد من العلاقات وهي: العلاقة متعلم-مادة التي تبرز العمل التعلمي، فهي تبين ما يصدر من طرف المتعلم، العلاقة  معلم-متعلم وهي علاقة تميل أو تتجه إلى إبراز التعليم الذي يقدمه المعلم وأخيرا العلاقة معلم-مادة التي تجد مبررها أثناء تحضير الدرس. هذه العلاقة تبين بعض الروابط الجوهرية المتدخلة في كل عمل تعليمي (ديداكتيكي).

فتهتم بذلك التعليمية بالتفاعل القائم بين المعرفة والمعلم والمتعلم (تفاعل معرفة-معلم-متعلم) بينما تهتم البيداغوجيا بكل ما يتعلق بالتنظيم داخل القسم بما في ذلك الفضاء، المعلقات؛ الجداول، وضعيات نشاط المتعلّمين فرادى أو في مجموعات… ويمكن القول بعبارة أدق أنها تهتم بجغرافية القسم.

 

 

من كتاب”المرجع في التعليمية” لعبدالقادر لوريسي

اصدارات جسور للنشر والتوزيع2015

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*