التعريف بعلم أصول الفقه- الدكتور مسعود فلوسي

جرت عادة المؤلفين في علم أصول الفقه، عند تعريفهم لهذا العلم، أن ينظروا إلى جملة (علم أصول الفقه)، من جهتين: فهي من جهة مركبة من ثلاثة ألفاظ هي: علم، أصول، فقه، فيعرفون كل واحد من هذه الألفاظ في اللغة والاصطلاح على حدة. ومن جهة ثانية هي لقب على علم يسمى (أصول الفقه)، فيعرفون العلم الذي تطلق عليه هذه العبارة جملة.

EL  WADJIZ

 

أولا: تعريف العبارات التي تتركب منها جملة (علم أصول الفقه)

أ- علم:

العلم في اللغة هو المعرفة والإدراك. اما في الاصطلاح، فقد استخدمت كلمة العلم لإفادة جملة من المعاني، يعرف أيها المقصود من خلال سياق الكلام، وهذه المعاني هي:

1- العلم بمعنى؛ إدراك الشيء ومعرفته، سواء كانت هذه المعرفة قطعية أو ظنية. وهذا المعنى مطابق للمعنى اللغوي.

2- العلم بمعنى؛ الاعتقاد الجازم المطابق للواقع بيقين، مثل قولنا: (النار محرقة). أو هو الإدراك القطعي الناشئ عن دليل يقيني. وهذا هو المقصود من قولنا مثلا: إن الدليل المتواتر يفيد العلم، أي أنه يفيد اليقين في الحكم الذي يتضمنه.

3- العلم بمعنى؛ الملكة والقدرة العقلية التي يكتسبها الدارس من خلال التمرس بمسائل علم معين. فيقال مثلا: فلان طبيب، إذا صارت له ملكة يدرك بها الأمراض من خلال أعراضها، ويعرف الأدوية الناجعة الشافية منها. ولا يتأتى هذا لأحد إذا لم يدرس مسائل الطب ويتمرس بها في الواقع العملي.

4- العلم بمعنى؛ المسائل العلمية التي تختص بمجال معين من الحياة وتتم دراستها مجتمعة في إطار واحد. فنقول مثلا: علم الفقه، ونقصد به المسائل العلمية التي يتناولها هذا العلم بالدراسة وهي أحكام الله عز وجل في أفعال المكلفين.

ب- أصل:

وهو في اللغة ما يُبْنَى عليه غيرُه، سواء كان الابتناء حسيا أو معنويا. فأصل البناء هو أساسه الذي شُيِّدَ عليه. وأصل حكم ما هو القاعدة التي استُنبط بناء عليها.

وفي الاصطلاح تطلق كلمة الأصل، ويراد بها هي الأخرى جملة من المعاني، يعرف المقصود منها من خلال السياق، وهي:

1- الأصل؛ ما يقابل الفرع. ففي علم المواريث الأصول هم الآباء، والفروع هم الأبناء. وفي باب القياس الأصل هو المسألة التي وقعت زمن نزول الوحي ووردت نصوص الوحي بحكمها، والفرع هو المسألة الجديدة التي وقعت بعد زمن النبوة وليس لها حكم صريح في النصوص، وهي تشبه المسألة الأولى في جانب من جوانبها وهو علة تشريع الحكم، فتُلحق بها ويُعطى لها نفس الحكم.

2- الأصل؛ بمعنى الراجح، مثل: (الأصل في الكلام الحقيقة). أي أن المعنى الراجح الذي يفهم من الكلام هو معناه الحقيقي، ولا يصير المستمع إلى فهم المعنى المجازي إلا إذا تأكد أن المعنى الحقيقي غير مراد.

3- الأصل، بمعنى؛ الحكم الثابت على أصله والمستصحَب دائما في مسألة ما. مثل قول الفقهاء: (الأصل الطهارة لمن كان متيقنا منها ويشك في وقوع الحدث)، فهو يبقى على الأصل أي يستصحب حكم الطهارة ولا يلتفت إلى الشك حتى يتيقن من زوال الطهارة.

4- الأصل؛ بمعنى القاعدة التي تُبنى عليها المسائل، وهذا معنى: أصول الفقه، أي القواعد التي تُبنى عليها مسائل الفقه. ومن ذلك أيضا؛ أصول النحو، أي القواعد التي يُصَحَّحُ بها الكلام.

5- الأصل بمعنى الدليل، كقول الفقهاء: الأصل في وجوب الصلوات الخمس ووجوب أدائها في أوقاتها.

ج- فقه:

الفقه في اللغة العربية؛ الفهم العميق الناشئ عن بذل جهد عقلي. ومنه قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾([2]). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ))([3]).

وفي الاصطلاح عرفه العلماء بأنه: “العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية”.

ثانيا: التعريف اللقبي لـ(علم أصول الفقه)

تنوعت التعريفات التي وضعها المؤلفون في أصول الفقه لهذا العلم، كما تنوعت أيضا مضامينها بحسب التصور الذي نظر به واضع كل منها لمفهوم هذا العلم.

وعند استقراء هذه التعاريف نجد أنها تصب في اتجاهين اثنين:

أحدهما: اتجاه موضوعي، ركز على موضوعات علم الأصول ومباحثه.. والثاني: اتجاه وظيفي عرف علم الأصول من حيث الغاية والهدف من دراسته.

1 – الاتجاه الموضوعي:

في هذا الاتجاه نقف على تعريفات كثيرة متقاربة في المعنى الذي تدور حوله، وهو مراعاة الإشارة إلى الموضوعات التي يتناولها علم أصول الفقه بالدراسة.

ونختار من بين هذه التعريفات؛ ما عَبَّر به جلال الدين البيضاوي رحمه الله في كتابه (منهاج الوصول إلى علم الأصول)، وهو قوله في تعريف علم أصول الفقه:

“معرفة أدلة الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد”([4]).

المعرفة، هي العلم والإدراك، سواء كان على سبيل القطع أو على سبيل الظن. أما الدلائل، فهي جمع دليل، وسيأتي بيان معناه.

وإضافة الأدلة إلى الفقه يفيد العموم، فالمراد أدلة الفقه جميعها سواء كانت محل اتفاق في العمل بها أو محل اختلاف في ذلك.

ووَصْفُ الأدلة بأنها إجمالية يكشف عن مهمة الأصولي في أنه يدرس الأدلة دراسة إجمالية لا تفصيلية، فهو لا يهتم بدراسة آحاد الأدلة، وإنما بدراسة الأدلة في أصولها وقواعدها العامة التي تحكمها، مثل: الإجماع حجة، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟، وهل النهي يفيد التحريم أم يفيد الكراهة؟، إلى غير ذلك.

وكيفية الاستفادة من الأدلة؛ أي معرفة ما يميز الدليل الصحيح من الدليل الباطل، والدليل القوي من الدليل الضعيف، وكيفية استنباط الأحكام من الأدلة الصحيحة الثابتة، وكيفية الجمع أو الترجيح بين هذه الأدلة في حال تعارضها، وما إلى ذلك.

وحالة المستفيد؛ أي معرفة صفة المستفيد، وهو المجتهد، فاستفادة الأحكام من الأدلة ليس عملا متاحا لكل إنسان، وإنما هو من عمل المجتهد الذي تتوفر فيه شروط وصفات معينة تؤهله إلى درجة الاجتهاد، وهي: العلم بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإتقان اللغة العربية وقواعدها، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، والمطلق والمقيد، وغير ذلك من الشروط التي نَصَّ عليها علماء الأصول.

2 – الاتجاه الوظيفي:

وهنا نقف أيضا على عدد من التعريفات التي راعى فيها أصحابُها الإشارةَ إلى وظيفة علم أصول الفقه أو الغاية من دراسته.

ونختار هنا عبارة محب الدين بن عبد الشكور رحمه الله، حيث عَرَّفَ علمَ أصول الفقه بأنه: “العلم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية”([5]).

ومعنى القاعدة الكلية؛ المبدأ العام أو القضية الكلية التي تدخل تحتها جزئيات كثيرة، من ذلك قاعدة: (الأمر المتجرد عن القرائن يفيد الوجوب)، فهي مبدأ عام ينطبق على جزئيات كثيرة. فكل واحدة من هذه الآيات الكريمة تتضمن الأمر بفعل معين، وليست هناك قرينة تصرف الأمر إلى معنى آخر غير الوجوب الذي تفيد القاعدة أن الأمر يقتضيه، فإن هذه الآيات تتضمن إيجاب إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وقتال الذين يقاتلون المسلمين، وإيجاب طاعة الله ورسوله وأولي الأمر.

ومن ذلك أيضا: قاعدة (النهي المتجرد عن القرائن يفيد التحريم)؛ فهي مبدأ كلي يمكن أن ينطبق على كل نص شرعي يتضمن نهيا عن فعل ما، وكان هذا النهي مجردا عن أية قرينة تصرفه من التحريم إلى الكراهة، فوفق القاعدة المذكورة، فإن هذه الآية تتضمن نهيا عن أكل الأموال بالباطل، وبما أن النهي المجرد عن القرينة يقتضي التحريم، فإن ما تفيده الآية في ضوء القاعدة، هو أن أكل الأموال بالباطل سلوك محرم شرعا.

ومعنى أنه يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام؛ أن هذه المبادئ يعتمد عليها المجتهد ويستهدي بها في عملية الاجتهاد والاستنباط.

والأحكام، جمع حُكْم، وهو مراد الله عز وجل من المكلف، كوجوب الصوم مثلا، فإنه حكم ثبت من الآية الكريمة: ﴿ﭦ ﭧ ﭨ﴾([10]).

ووصف الأحكام بأنها شرعية، معناه أنها تتوقف على الشرع، والشرع مصدرها، كقولنا: الحج واجب، والزنا حرام، والنوم مباح، فهي أحكام ثبتت بأدلة من الشارع الحكيم.

وتقييد الأحكام بكونها شرعية؛ يُخْرِجُ منها الأحكامَ الحسية، وهي التي تُدْرَكُ بالحسّ، كقولنا النار محرقة، والشمس طالعة. كما يخرج الأحكام العقلية، وهي التي تُدرك بالعقل، كقولنا: الواحد نصف الاثنين، والضدان لا يجتمعان وقد يرتفعان، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان..

ومعنى كون الأحكام عملية؛ أنها تتعلق بعمل المكلف، سواء كان هذا العمل متعلقا بالجوارح، أو القلب، أو اللسان، وبذلك تخرج الأحكام الاعتقادية التي لا تتعلق بكيفية عمل، وإنما قُصد منها الاعتقاد فقط، مثل العلم بأن الله واحد، وأن محمدا رسول الله، وأن البعث حق. كما تخرج الأحكام الأخلاقية كالوفاء والكرم. وتخرج كذلك الأحكام النظرية في علم الأصول كالعلم بأن الإجماع حجة مثلا.

من أدلتها: الأدلة، جمع دليل، وهو في اللغة: المرشد إلى الشيء والهادي إليه، حسيا كان أو معنويا، مثال الحسي: هذا الرجل دليل الركب، أي هاديهم إلى الطريق. ومثال المعنوي: هذا الرجل دليل إلى الخير، أي مرشد إليه وناصح به. والدليل في اصطلاح الأصوليين: “ما يمكن بصحيح النظر فيه التوصل إلى إدراك حكم شرعي”. أو هو “ما يُستفاد منه حكم شرعي مطلقا، سواء كان على سبيل القطع أو على سبيل الظن”.

وهذه الأدلة (تفصيلية)، أي أنها تتعلق بتفاصيل وجزئيات الأفعال، فوجوب الصلاة ثابت بدليل تفصيلي في القران، وتحريم أكل مال اليتيم ثابت بدليل تفصيلي ايضا. وهذه الأدلة التفصيلية هي التي يطبق عليها المجتهد القواعد الأصولية ليستنبط منها أحكام الشرع في أفعال العباد. لكن ليس معنى كون الأدلة تفصيلية أنها كلها نصوص شرعية من القرآن والسنة، فإن هناك أدلة تشريعية ليست نصوصا، ولكنها تستمد حجيتها من النصوص الشرعية، وذلك مثل الإجماع والقياس والاستصلاح والاستحسان والعرف وسد الذرائع وغيرها.

 

من كتاب “الوجيز في علم أصول الفقة ” للكتور مسعود فلوسي

اصدارات جديدة- حسور للنشر و التوزيع 2015

عن دار جسور

تعليق واحد

  1. السلام عليكم بالفعل امتنا تحتاج الى تفصيل في اصول الفقه وبارك الله فيك اتمنى ان يكون هذا الكتاب في المعارض الدولية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*