الترجمة جسر إلى فهم الآخر – حوار مع الدكتور مولود عويمر

  • من من هو مولود عويمر، وأين هو موقعه من الوضع الراهن؟

18

– هو كائن ثقافي، متحصل على الدكتوراه في التاريخ من جامعة باريس. يشغل حاليا أستاذا للتعليم العالي بجامعة الجزائر2، مختص في تاريخ الأفكار. وهو عضو في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مكلف بالتراث والبحث العلمي. كاتب وباحث، صدرت له مجموعة كتب في الفكر والتاريخ، منها: أعلام وقضايا، مالك بن نبي رجل الحضارة، الإسلام والغرب بين رواسب التاريخ وتحديات المستقبل، مجالس فكرية، الإمام ابن باديس مسار وأفكار، شخصيات وذكريات، تراث الحركة الإصلاحية الجزائرية.

وكأي مثقف حامل لهاجس النهضة والتنمية يساهم بقدر المستطاع في الحراك الثقافي والفكري في الجزائر والخارج. فالمثقف مسؤول عن خدمة مجتمعه بما يسمح بتقدمه في مجالات مختلفة.

 

  • بماذا تخبرنا عن تعليم اللغات في الجزائر؟

– إن تعليم اللغات في الجزائر مازال متأخرا، فهو مركز على الجانب النظري بتلقين الأبجديات وحفظ القواعد في حين أن اللغة هي ممارسة وأسلوب وخطاب يتفاعل مع الآخر بسرعة ويتكيف معه بشكل تلقائي في غالب الأحيان.

ومن جانب آخر، نلاحظ أن المقصود هو تعلم اللغة وليس اللغات إذ بقيت اللغة الفرنسية هي السيدة بمحاسنها وسيئاتها، وعجزت المدرسة أو الجامعة الجزائرية عن ترسيخ التعدد اللغوي خارج اللغتين العربية والفرنسية.

فالحاجة اليوم ونحن نعيش العولمة إلى كسب لغات كبرى أخرى لمسايرة دينامكية التطور الحاصل في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا واليابان والصين.

نعم، فهناك أفكار جديدة وإبداعات كثيرة في كل مجالات العلم والمعرفة والخدمات عبر هذه الفضاءات العالمية أنتجت في لغتها الأصلية. فهل ننتظر حتى تترجم إلى اللغة الفرنسية أو بشكل أقل إلى الإنجليزية لكي نعربها؟ إنه الواقع الذي يذكرنا باستمرار بضعف إرادتنا وإصرارنا على العيش في التبعية.

  • لقد أصبحت مشكلة كتاب اللغة الأجنبية هاجس المثقف والدارس الجزائري لعدم قدرته على قراءته، وهذا لقلة توفر مادة فكرية معربة في السوق المحلية!! بماذا ترتبط أسباب قلة المعرفة بقراءة اللغة الأجنبية عند الطلبة عامة؟

– ألاحظ أولا أن هناك جهود عديدة في العالم العربي في الترجمة، وتعتبر الكويت رائدة في هذا المجال من خلال إصدار شهريا – وذلك منذ سنوات- كتاب “عالم المعرفة”، ومجلة “الثقافة العالمية”…الخ.

وأظن أن أزمة استيراد الكتاب من العالم العربي تفاقمت في السنوات الأخيرة. فأنا أتذكر في نهاية السبعينيات والثمانينيات كانت تصل إلى الجزائر كثير من الكتب والمجلات العربية، وأنا شخصيا اقتنيت منها الكثير رغم أنني كنت أسكن بلدة صغيرة ومعزولة وبعيدة عن الحواضر والمدن الكبرى. وكوّنت رصيدي العلمي من هذه المطالعات المبكرة.

والطالب الجزائري أو العربي في متناوله اليوم وسيلة جديدة ترفع عنه كل الحواجز وهي الانترنت إلا أنه قليل المطالعة قصد تكوين نفسه وتعميق معارفه وترقية مستواه المعرفي واللغوي خارج المدرسة أو الجامعة.

فالشبكة العنكبوتية توّفر للإنسان المعاصر مكتبة لا حدود لها، فهو يستطيع أن يطلع على آلاف الكتب والمجلات دون أن يتحرك من كرسيه أو يغادر بيته أو بلده.

ولكن هل وظفنا هذا الاختراع المذهل في مجال القراءة والكتابة والبحث؟ أعترف أن الكثير من الطلبة والمثقفين لم يكتشفوا بعد أسرار الانترنت وقدرته على تقديم خدمات لا تحصى في المجالات السابقة.

فكثيرا ما سمعت من طلبتي أنهم ما استطاعوا مطالعة المصادر والمراجع التي وجهتهم إليها بحجة أنها غير متوفرة في المكتبة الجامعية أو في غيرها. فأسألهم: هل بحثتم عنها في الانترنت وقمتم بتحميلها؟ فكان الجواب في غالب الأحيان بالنفي!

أما فيما يتعلق بمشكلة قراءة اللغة الأجنبية، فهذا مرتبط بالأساس بتكوين الإنسان في المراحل المختلفة من حياته.

لا شك أن المدرسة هي الموجّه الأول للاهتمام باللغات وتعلمها فإن قام المدرس بهذا الدور تربى التلميذ على تذوق اللغة خاصة إذا ساعدته الأسرة على استعمالها وتداولها.

غير أن هنالك عوامل أخرى اجتماعية وثقافية أخرى تتحكم في هذه العملية. وهي صناعة بيئة مكتفية بذاتها لا يشعر فيها الفرد بالتحديات الكبرى ولا يملك فيها الطموحات والآفاق.

فكيف يقدم الطالب على دراسة الفلسفة القديمة ولا يفكر في تعلم اللغة الإغريقية؟ وكيف يتخصص الباحث في التاريخ الوسيط وهو لا يعرف اللغة اللاتينية؟ وكيف يبدع في العلوم الحديثة وهو يجهل اللغات الأوروبية الكبرى؟ إلى غير ذلك من الأمثلة.

إن اكتساب لغة أخرى على الأقل إلى جانب اللغة العربية أصبح ضرورة علمية خاصة بالنسبة للباحث وطالب الدراسات العليا. فلا يعتمد دائما على الترجمات الجاهزة بصحيحها وضعيفها، فليطلع مباشرة على الأصول خاصة في تخصصه الضيق لتكون أعماله رصينة، ونتائج أبحاثه دقيقة.

 

  • ترجمة الكتب مرتبطة بمنهجية التعليم التي تعتمدها معاهد الترجمة في الجزائر، ونخص بالذكر الكتاب العلمي الذي يظل يتسيد على المجالات الأخرى، هل يخاف طلبة معاهد الترجمة من ترجمة الكتاب العلمي؟

– إن ترجمة الكتاب في أي تخصص كان يتطلب ثروة لغوية وأيضا معرفة عميقة بالموضوع المترجم. فأغلبية طلبة معاهد الترجمة الجزائرية قدموا من الأقسام الأدبية، ويدرسون فيها المواد الأدبية، فكيف يقدر واحد منهم على ترجمة الكتاب العلمي سواء في الرياضيات أو الفيزياء أو البيولوجية الخ.

في هذه الحالة، يكون الحل في التعاون بين المختصين في اللغات والعلوم. غير أن ما هو سائد في العالم المتقدم هو أن عالم الرياضيات هو الذي يترجم الكتب الهامة في تخصصه. وكذلك يفعل العلماء الآخرون كل في تخصصه.

  • مدارس ومعاهد اللغات الخاصة تؤكد أنها قادرة على تفعيل دورها في تكوين جيل يتقن اللغات الأجنبية، في حين أن مدرسة عمومية أثبتت عجزها في فعل هذا والدليل هناك طلبة في الجامعات لا يفقهون أي لغة أجنبية. كيف تشرّح هذا الواقع؟

– صحيح، فتعدد اللغات ظاهرة غائبة عند الطلبة. فقليل منهم من يحسن اللغة الفرنسية وأقل منهم يعرف اللغة الإنجليزية. أما اللغات الأخرى كالألمانية أو الإيطالية أو الأسبانية فهي غائبة تماما باستثناء ثلة قليلة التي تدرسها في كليات اللغات والترجمة.

وكل ما نسمعه من كلام حول إنشاء جيل يتقن اللغات الأجنبية يعد تناقضا مع الواقع.

فلابد من وضع إستراتيجية البناء وليس التكديس، بترسيخ النوعية قبل الكمية، بالتأكيد على الممارسة والتطبيق وعدم الاكتفاء بالنظري. إن اللغة كالرياضيات هي في حاجة دائمة إلى التمارين؛ وتمارين اللغة هي استعمالها يوميا في الحديث والقراءة والكتابة والبحث. فكيف يتعلم طالب اللغة الانجليزية هذه اللغة وهو لا يشاهد القنوات البريطانية أو الأمريكية، ولا يقرأ آدابها ولا يطالع جرائدها؟

صحيح أن البعض يخشى من المضمون الثقافي لهذه اللغات الأجنبية، وما تحمله من مخاطر على هوية الشباب العربي غير أن حل هذه الإشكالية هي مهمة المسئولين على التربية وواضعي المناهج، فليحرصوا على تعميق ثقافة التفكير والنقد، فيحصن الطالب أو الشاب العربي نفسه بنفسه قبل أن يساعده على ذلك غيره.

  • وكيف كانت تجربة إصلاح المنظومة التربوية في نظركم ؟؟؟

– إن إصلاح المنظومة التربوية منذ سنوات لم تحدد أفقها، واختيار النماذج المناسبة لإعداد التلميذ أو الطالب المنشود. لا شك أن هناك إنجازات قد تحققت، غير أن هنالك أيضا تراجع ألاحظه شخصيا كل سنة في الطلبة الجدد الذين التحقوا بالجامعة.

ففي عصر العولمة، نحتاج إلى طالب متفتح ويقظ ومتجدد وطموح، فعالمه يتغير بسرعة فائقة والعلم فيه يتطور بشكل رهيب، ولا مكانة فيه إلا للأكفأ والأفضل.

هل استطاعت المنظومة التربوية أن تزرع فيه قيم التفكير والنقد وتجديد المعارف، وإتقان العمل والقدرة على المنافسة، وحب التميز والتفوق…الخ؟ أم أن هاجس المنظومة التربوية هو تلقين المعلومات الكثيرة والحث على حفظ المتون دون مراعاة لسن التلميذ وقدراته واستعداداته وبيئته؟

إننا لم نحقق بعد التلميذ أو الطالب المنشود رغم كل الجهود والإمكانيات المسخرة لأن الخلل يكمن في المنهج والرؤية قبل أن يكون في الوسائل.

  • أسالت قضايا الجزائر المستقلة الكثير من الحبر بعدة لغات، خصوصا المذكرات التي تتراشق بين أطراف كانت فاعلة في صناعة التاريخ في الجزائر. ألا ترون أن مثل هذه المؤلفات يتوجب ترجمتها إلى العربية لتمكين النخب من ‘قراءة ما يكتب عنهم؟

– لا شك أن هذه الظاهرة التي تجددت بعد صمت رهيب طويل مفيدة للتاريخ والتواصل بين الأجيال. لقد صدرت مذكرات عديدة في الستينات والسبعينات لصناع الثورة وقيادة المؤسسات الثورية من المجلس الوطني للثورة الجزائرية والحكومة الجزائرية المؤقتة…

فقد نشر حسين آيت أحمد وفرحات عباس ومحمد لبجاوي… كتبا تضم صفحات من تجربتهم في الحركة الوطنية والثورة التحريرية. وكانت كلها مكتوبة باللغة الفرنسية. وترجمت معظمها إلى اللغة العربية في السنوات الأخيرة.

وأما المذكرات المنشورة مؤخرا فالعديد منها مكتوبة مباشرة باللغة العربية ورأينا كيف ساهمت مذكرات علي كافي في تنشيط النقاش والجدل حول بعض محطات الثورة الجزائرية.

وقد شاهدنا أيضا تزاحم الناس لاقتناء مذكرات الطاهر الزبيري المجاهد المعروف وقائد أركان الجيش الجزائري في عهد الرئيس هواري بومدين.

إننا اليوم في حاجة إلى مذكرات المفكرين والمثقفين والعلماء الذين يزهدون في الكتابة عن تجاربهم باستثناء الدكتور أبو القاسم سعد الله الذي نشر يومياته التي بلغت لحد الآن 6 مجلدات ضخمة.

  • ما هي رسالة مولود عويمر إلى هؤلاء؟

– ومن هذا المنبر الإعلامي أتوجه إلى المثقفين والمفكرين الجزائريين وأحثهم على إصدار مذكراتهم قبل فوات الأوان.

ومن جهتي أصدرت مؤخرا كتابا سميته “مشاهد من عالم الذاكرة” تضمن الكثير من الذكريات ورحلاتي.

 

 

  • كلمة ختامية ؟

– لقد دخلت الإنسانية رحاب الحضارة من باب الكتابة والتقارب والتواصل بين الشعوب والدول، وعن طريق العلاقات التجارية والترجمة وغيرها من وسائل الاتصال.

ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى ترجمة كل ما أنتجه العقل البشري في مختلف العلوم والآداب والفنون، لنتواصل مع غيرنا في طريق التقدم والرقي والازدهار.

وهو السبيل الذي اختاره أجدادنا حينما ترجموا كنوز العالم وطوروها فأسسوا حضارة يشهد لها الكل بالعظمة.

 

حاوره: أ. محمد فخرالدين تراي/ جريدة الديار (الجزائر).

من كتاب : ” مقاربات في الاستشراق و الاستغراب” للدكتور مولود عويمر

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2013

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*