البنية اللغوية للقصيدة الجزائرية المعاصرة (1970-1990)

أولا/ البنية الإفرادية *:

ونقصد بها تلك “البنية المعجمية” التي هي عبارة عن مجموعة من “المونيمات” (Monèmes)، تحمل دلالات خاصة، بمفردها أو في سياقها التركيبي. وتستمد من قاموس عام مشترك، تسميه الناقدة (ناطالي صاروط) بـ” اللامسمى “أو “الذي لا يُسمىL’innommé “، ويسميه الدكتور عبد المالك مرتاض بـ”العالم اللفظي”[1].

تُشكل هذه المجموعة اللفظية، المستمدة من مجموعة أشمل، ما يمكن أن نسميه ” حقلا معجميا “، هو النص في هيكله البنيوي العام.

إن (اللفظ يعبّر عن الحالات الشعورية بعدة دلالات كامنة فيه، وهي دلالته اللغوية ودلالته التصويرية…)[2]، لذلك ترى صاحبات كتاب (مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص)، أنه بالإمكان “تحليل المضمون” بعد أن نضع (فهرسا للألفاظ بجدول تواترات سوف يقدم الكلمات- المفاتيح في النص)، انطلاقا مما أسْمَيْنَهُ بـ(النموذج اللفاظي/Lexicologique )[3].

وعلى ذمّة هذه الإمكانية، ولجنا قاموس الشعر الجزائري المعاصر، فتراءت لنا إمكانية تقسيمه دلاليا إلى شكلين أساسيين: أحدهما ذاتي والآخر موضوعي، مع اعترافنا المبدئي بعدم خلوّ هذا التقسيم من تعسف!، لأنه قد يفقد جدواه في ظل السياق الشعري التركيبي. إلا أننا لا نشك في أنه سيعيننا على تقصّي الاتجاهات الدلالية العامة للخطاب الشعري:

 

  • المعجم الوجداني:

هو معجم غنائي ذاتي، يسعى إلى “تذويت” الموضوع، ويسمه بسمات وجدانية واضحة، تقوم على دوال لفظية رقيقة ناعمة، تنفذ إلى وجدان المتلقي بصورة حدسية، بحكم قربها من ذاته، ومعايشته الذاتية لها.

يتكئ هذا المعجم على “المونيمات” التالية: (الحب، الشوق، الفراق، الذكريات، الماضي، الحلم، الفؤاد، الغربة، العذاب، الحنين،…)، بالإضافة إلى “مونيمات” أخرى، مستمدة من الطبيعة ذات وقع خاص على الوجدان (البحر، الموج، الشاطئ، الشراع، الشمس، الغيم، الليل، النّهر،…).

وقد ساد المعجم الوجداني في الخطاب الشعري الجزائري، خلال الثمانينيات بصورة لافتة، بعد غياب نسبي خلال السبعينيات تحت وطأة “الواقعية الاشتراكية” التي لا تسمح للشاعر بالانسياب المطلق في مجاريه الشعرية الداخلية، بل تفتح له مجالا آخر، خارج ” أناه” يُفضي فيه برؤاه، بوصفه صوتا للجماعة. ولذلك ظلّ هذا “المعجم”، خلال السبعينيات، أسير مجموعة قليلة من الشعراء (سليمان جوادي، عمار بن زايد، حسن بوساحة، مصطفى الغماري،…)، لا يكاد يتجاوزهم إلى غيرهم…

وعلى عكس ذلك، عمّ المعجم الوجداني معظم الأشعار المكتوبة خلال الثمانينيات، حتى عند أشهر الشعراء الملتزمين (عيسى لحيلح وعز الدين ميهوبي مثلا)، بحكم جملة من العوامل، نذكر منها:

– زوال عامل الالتزام الاشتراكي (مرحلة البناء الوطني خلال السبعينيات)، وعدم التزام الخطاب الشعري “الثمانيني” – إن صح القول – بقضية واضحة محدّدة يدافع عنها، ويُضحّي   – في سبيلها – بالهموم الذاتية.

– أخذ العبرة من سلبيات المرحلة السابقة، التي حاولت أن “تموضع” الذات الشعرية، وأن تتشبّث بالقضايا الموضوعية الخالصة، فكانت النتيجة ضياع الهويات الشخصية للشعراء في غمرة الجري وراء تلك القضايا، وبان للجميع جدوى القاعدة العتيقة التي قامت عليها مدرسة (الديوان) النقدية، والتي تنصّ على أنّ “الشاعر الذي لا تظهر شخصيته في شعره ليس شاعرا”.

– العودة الواضحة إلى التراث الشعري العربي القديم، التي شهدتها مرحلة الثمانينيات، وكان – ولابُدّ – أن تصطبغ هذه العودة بالصبغة الوجدانية (المنعكسة على المعجم الشعري)، يحكم أنّ الخطاب الشعري العربي القديم، قد لازمته صفة “الغنائية”/ الذاتية، حقبا من الأزمان، وما استطاع أن يتخلّص منها – تخلصا نسبيا – إلا بعد ظهور موجة “المذاهب الأدبية”.

وأحسب أنّ هذه العوامل الثلاثة كفيلة بطغيان “المعجم الوجداني” في الخطاب الشعري الجزائري، خلال الثمانينيات.

واستكمالا لكلّ هذا الكلام، لجأنا إلى العمل الإحصائي، لتقصّي وحدات المعجم الوجداني عند ثلاثة من أشهر الشعراء الغنائيين الجزائريين، فتمكننا من صياغة هذا الجدول:

 

 

  الوحدات

المعجمية

الديوان

الحب الحزن الشوق الماضي الحلم الدمع العين، المقلة القلب، الفؤاد الذكرى البحر
” احتجاجات عاشق ثائر ” لمحمد شايطة 46 24 17 04 17 15 12 34 12 05
” رصاص وزنابق ” لعمّار بن زايد 69 30 09 10 33 08 13 53 10 29
” أغاني الزمن الهادئ ” لسليمان جوّادي 59 02 02 01 01 04 13 09 00 08

جدول يوضح تواترات بعض الوحدات المعجمية الوجدانية في بعض دواوين الشعر الجزائري المعاصر

 

ونلاحظ – لأول وهلة – طغيان لفظتي “الحب” و”القلب” على سائر الألفاظ، بحكم ما بينهما من صلة رحم قوية!، ولأنهما – من الوجهة الدلالية – هما عماد الخطاب الشعري الوجداني (الغنائي)، مع الإشارة إلى أن هذه الإحصاءات كانت تكون أضخم، لو أننا حسبنا – في عدادها – ما يُرادفها من ألفاظ، أو ما يقاربها دلاليا، على الأقل.

ويتفرّع عن المعجم الوجداني، “معجم مأساوي” ينبني على ألفاظ (الاغتراب، الضياع، الموت، التمزّق، الأسى،…)، يتجلّى هذا المعجم في قصائد كثيرة للشاعر عبد الله بوخالفة، وكمال أونيس، ونادية نواصر، وعبد الكريم قذيفة، وعبد الوهاب زيد،…

ويمكن أن تكون قصيدة (حيزيات مدرسة البخاري)[4] للراحل عبد الله بوخالفة، مثالا واضحا لذلك؛ إذ تحفل بألفاظ (اليأس، النعاس، القبر، ساعات البكاء، ليلة الدمع، البائس، الانكسار،…).

مثلما يمكن أن يكون ديوان (راهبة في ديرها الحزين)[5] للشاعرة “البائسة” (نواصر نادية) أوضح وأكبر مجمع لهذا القاموس المأساوي، حيث تتخلله ألفاظ كثيرة من طراز (شريد الملاهي، النواح، النّحيب، ابنة الغربة والضياع، الشقاء، الموت، النّعاس، النار، الكفن،…)، وإذا حقّ لنا أن نتجاوز “النصوص” إلى “خارجيتها” فإننا نستشفّ هذا المعجم المأساوي، بدواله ومدلولاته، من ذلك (الإهداء) المأساوي الذي يتصدّر الديوان:

(إلى كل الطبقات المسحوقة… إلى كلّ عربيد في حانات الشقاء يتمرّغ ويرمي نفسه في العفونة، ويخرج إلى كلّ الوكالات ومنه تتضوّع عفونة القانون… إلى كلّ من شتم إله الضوء وجلس حول إله الليل يتعبّد. إلى كلّ من سقط من خريطة العالم وظلّ على الحدود يعاني ألم المرور بلا بطاقة)[6].

ويتفرّع، أيضا، عن المعجم الوجداني معجم آخر، حديث العهد، بالخطاب الشعري الجزائري عامة، هو “المعجم الصوفي” الذي برز كظاهرة فنية متميزة لدى الشاعر “مصطفى الغماري” خلال السبعينيات، ليتجلّى بصورة أحلى، خلال الثمانينيات، في أشعار (عثمان لوصيف، الأخضر فلوس، مصطفى دحية، أحمد عبد الكريم، ميلود خيزار،…).

ويقوم هذا المعجم على ألفاظ (الروح، الهوى، العشق، الشوق، الوجد، الشبق، الخمر، الكروم، الدالية، الانخطاف، الخلوة، الشهقة،…).

مع الإشارة إلى أنّ هذا المعجم قد انقسم على نفسه، في نظري، ثلاثة أقسام:

  • صوفية الذّوبان في الذات الإلهية وما يمت إليها بصلة، مثل ذوبان (مصطفى الغماري) وفنائه في حبّ (خضراء) ذات المدلول “الإيديولوجي” الإسلامي.
  • صوفية الذّوبان في روح المرأة، مثل تجارب الأخضر فلوس ومصطفى دحية وأحمد عبد الكريم.
  • صوفية الذّوبان في الوطن والثورة، مثل تجربة “عثمان لوصيف” الرّائدة.

فأما صوفية (الغماري)، فهي السّكر – شوقا ووجدا – من دوالي (خضراء) في حضرة الذات الإلهية… ولا نجد أدنى صعوبة في العثور على الملامح المعجمية لهذه الرؤيا الصوفية؛ يكفي أن نرجع إلى أول دواوينه الشعرية، في قصائد مثل (ثورة صوفية)[7] و(إلى صوفية الوجه والثورة)[8]…، ولا يكتفي (الغماري) بهذا، بل نراه يسعى إلى الدفاع عن الرؤيا الصوفية عامة، في قصيدته (شوق الخلود):

(قالوا التصوف بدعة من شرّ أخلاق الهنود

قلت التصوف يا فتى شوق الخلود إلى الخلود

لولا التصوّف لم يكن سرّ الوجود ولا الوجود

جهلوك يا نون الوجود لأنهم حاء الجمود)[9]

وأما القسم الثاني من (المعجم الصوفي)، فيمكن أن تكون قصيدة (رُقيّة)[10]

للشاعر (الأخضر فلوس) نموذجا له، وهي عبارة عن “إسراء ومعراج” على جناح الحبيبة “رقية”، تستوقفنا خلال هذا الرحيل الصوفي ألفاظ صوفية كثيفة، تتوزّع على مثل هذه العبارات: (مرتقى الرّوح نحو معارجها، محال يكون الفتى من تراب وماء، سدرة المنتهى، منعطف الكون والرّوح، صهوات الغمام، مركبة السّحب، انخطافات روحي، العشق، انتشاء، رعشات،…).

وقد لاحظنا – بعملية إحصائية – أنّ ديوانه (عراجين الحنين) حافل بهذا المعجم الصوفي، حيث تتواتر لفظة ” العشق ” 27 مرة، ولفظة “الروح” 11 مرة “الانتشاء” 09 مرّات، ولفظة “المعارج” 04 مرّات،…

في حين، عثرنا في قصائد للشاعر (مصطفى دحية) على الألفاظ الصوفية التالية: (سجن الظلام، الشبق الغجري، سدرة الانتهاء، الشهقات، ملكوت الهوى والتجلي، فتوح الغيب، مشكاة النبوّة، الكشف، شهقة الشبق، اللذة الكبرى،…)، تأكيدا لمقولته الشهيرة:

(التصوف فتح جديد في مملكة اللغة)[11].

وعند الشاعر (أحمد عبد الكريم) عثرنا على هذه الألفظ الصوفية:

(براق المعارج، سدرة الملكوت، جلجلة الروح، زخم الفيض، الذّهول، سدرة المنتهى، صهوات التّجلّي، الكهنوات،…).

ونرى، من باب الاستقصاء، أن نورد هذا “النموذج الكامل” وهو قصيدة (شريعة الحب) للشاعر (عثمان لوصيف)، لتتأملوا بأنفسكم مدى ثراء معجمه الصوفي وبراعة توظيفه:

(عيناك في غسّق الدّجـى أوتار           ومعـارجٌ نحـوَ السماء ونـارُ

عيناك يا أغرودة الرحمـن منْ      أغـراهما، فتجلـّت الأسـرار

أنا عاشق.. هذا الجمال مُدامتي      وعقيـدتي عينـاك والقيثـار

صلّيتُ بين يديك فانتشر الهوى      والسحـر والآيات والأنـوار

وعَصرتُ قلبي للرمال فأزهرت        بالياسمـين.. وسالـت الأشعار

متصـوّفٌ.. للبرق روحانيـتي     بحر البحور.. ومن دمي الأمطار

متجـاوزٌ في الله كـل نبـوة       حـق.. وكلّ تعصّـب إنكار

أغرقت هذا الكون في صـوفيتي      فيضا لفيـض.. والهـوى إبحار

ونسخت باسم الحبّ كلّ عبادة          إلاّ الجمال.. وصحتُ: يا قهار!

هذي يدي بيضاء، هذي خمرتي       للعاشقين.. وهـذه الأزهار)[12]

نبقى دائما مع (عثمان لوصيف)، لكن – هذه المرة – مع القسم الثالث من المعجم الصوفي، ويبدو لنا أنّ قصيدة (العناق الطويل)[13] تشكّل عيّنة نموذجية منه، مع الإشارة المبدئية إلى ذلك العنوان الجانبي، المكتوب تحت العنوان الأساسي للقصيدة، والموسوم بـ(رحلة جهنمية في جسد الحبيبة الثورة). والقصيدة في عمومها، هي انصهار أو ” حلولٌ ” صوفي في جسد الثورة، يُجسده هذا المعجم المبثوث طيّ العبارات التالية: (اعتصرنا الغرام، شهقة ملح، عالم الذّوبان، فيوضات المشرق الرباني، انفصلنا عن خارطات الزّمان، انصهرنا مع السدائم، نفخ الصور، لحظة الجنون، المياه وهي سكارى، غسق الشهوة، التكوين والشهوة، الإعصار والطوفان، وهج العشق، ارتعاش الليالي،…).

وبهذه الطريقة تتكرّر لفظة (العشق) في ديوانه “الكتابة بالنار” 19 مرّة، و(الانتشاء) 09 مرّات، و(الشهقة) 07 مرّات، و(الرّوح) 03 مرّات، و(المعارج) 03 مرّات كذلك،…

 

  • المعجم الواقعي:

هو معجم موضوعي، يستهدف “موضعة” الذّات، والابتعاد عن تُخومها الضيقة، بالولوج في عوالم الواقع الفسيحة، والتقاط جزئياتها، وعكسها على المساحة المعجمية للخطاب الشعري.

ساد هذا المعجم بوضوح خلال السبعينيات؛ حيث تجلّت معالم “الواقعية الاشتراكية” التي تسعى إلى التقاط الهموم اليومية للطبقة “البروليتارية” الكادحة، وتعكسها على هذا الحقل المعجمي (الفلاّح، المعول، السنبلة، الفقر، الجوع، الحصاد، الرغيف، العرق، المناجل، الأطفال،…) بالإضافة إلى أسماء بعض أعلام “الاشتراكية” والرّموز الثورية (نيرودا، لينين، لوركا،…) مثلما ساد، خلال الثمنينيات، في صورة جديدة يمكن تسميتها بـ “الواقعية الإسلامية” التي كانت قد ظهرت ملامحها في قصائد “محمد ناصر” و”مصطفى الغماري”، لتتبلور – فيما بعد – لدى (عيسى لحيلح، حسين زيدان، محمود بن حمودة، نور الدين درويش، ناصر لوحيشي، الصديق تلايجي،…)، تُجسدّها ألفاظ من قبيل: (الجهاد، خضراء، القرآن، أفغان، السيف، الصّلاة،…)، مسايرة لملامح الصحوة الإسلامية التي بدأت في البروز مع مطلع الثمانينيات. وقد لجأنا إلى الإحصاء، لرصد أهمّ وحدات المعجم “الواقعي الاشتراكي” في أشهر الدواوين الممثّلة له، فتمكننا من صياغة هذا الجدول:

 

  الوحدات المعجمية

الديوان

الرفاق الاشتراكية الحمراء الفقراء الخبز الجوع الدم
” يا أنت من منا يكره الشمس ” (زينب الأعوج) 13 01 10 06 03 16 14
” تضاريس لوجه غير باريسي ” (ربيعة جلطي) 11 05 02 10 04 02 04
” الحب في درجة الصفر ” (عبد العالي رزاقي) 09 04 05 46 03 02 15
” قائمة المغضوب عليهم ” (أحمد حمدي) 11 00 00 09 01 00 14

جدول يوضّح تواترات بعض الوحدات المعجمية (الواقعية الاشتراكية)

في بعض دواوين الشعر الجزائري المعاصر.

 

وواضح للعيان، من هذا الجدول طغيان نسبة تواتر كلمتي (الفقراء) و(الرفاق) على سائر الكلمات، من باب أنّ (الفقراء) هم وجوه “الطبقة البروليتارية” التي تسعى “الواقعية الاشتراكية” إلى الدفاع عنها ومناصرتها، وأنّ لكلمة (الرفاق) دلالة تقدمية معروفية في الإيديولوجية الاشتراكية. وبعملية مماثلة في معجم الدواوين التي يمكن أن تكون أحسن ممثّل لتيار “الواقعية الإسلامية” تحصّلنا على هذا الجدول:

 

  الوحدات

 المعجمية

الديوان

الإسلام الله الرسول، محمد، أحمد السيف الجهاد خضراء الإيمان القرآن
” وشم على زند قرشي ” (عيسى لحيلح) 07 17 02 02 01 02 04 02
” أغنيات النخيل ”  (محمد ناصر) 06 24 03 01 05 04 02 12
” عرس في مأتم الحجّاج ” مصطفى الغماري 14 06 07 16 18 08 01 02

جدول يوضّح تواتر بعد الوحدات المعجمية (الواقعية الإسلامية) في بعض الدواوين الشعر الجزائري المعاصر

 

ولرصد وحدات معجمية أخرى، من هذا الطراز، اصطفينا لكم من بين القصائد قصيدة مطوّلة للشاعر (محمد ناصر)، عنوانها (في رحاب الله)[14]، تبدو حافلة بمعجم “إسلامي” فياض،  لا أدل عليه من هذه الألفاظ: (الله، المحراب، خضراء، الذكر، الآيات، الإمام، القرآن، الإسلام، الرسول، الجهاد، صلاح، الإسراء، الشريعة، خالد، طارق، القدس،…).

وتحت المعجم الواقعي، ينضوي معجم آخر، أسميناه “المعجم الثوري” الذي يخيط نسيجه الدلالي من الألفاظ التالية: (الخيل، السيف، المطر، اللهب، البركان، الريح، العاصفة، الدم، الثورة، الطوفان، الموج، الصراخ،…). وبغضّ النظر عن المدلول الإيديولوجي لهذا المعجم الثوري، يمكننا صياغة هذا الجدول:

 

  الوحدات المعجمية

الديوان

الإعصار الثورة الغضب أوراس النار الريح الحكّام الموج الصراخ
“في البدء، كان أوراس” (عز الدين ميهوبي) 04 00 02 17 01 02 04 07 03
“زنابق الحصار”     (أحمد شنة) 02 04 07 11 03 02 00 07 02
“قائمة المغضوب عليهم” (أحمد حمدي) 00 08 08 01 02 07 04 01 00

جدول يوضّح تواتر بعض الألفاظ الثورية في ثلاثة من دواوين

الشعر الجزائري المعاصر

 

من شأن هذه الجداول، إذن، أن تعطينا صورة تقريبية عامة عن التّوجّه الدلالي للخطاب الشعري الجزائري المعاصر، انطلاقا من بنيته المعجمية.

الخصائص الدلالية للمعجم الشعري:

على المستوى الدلالي للمعجم الشعري الجزائري المعاصر، يمكن أن نسجّل الخصائص التالية:

* ينقسم الشعراء الجزائريون المعاصرون، من حيث انتقاؤهم للمعجم الشعري إلى ثلاث طبقات:

طبقة أولى: تؤثر الألفاظ الرشيقة الناعمة، ذات الامتدادات “الرومنسية” الوارفة، بما فيها من “طلاوة وحلاوة” – كما يقال في النقد العربي القديم – من طراز (النور، الضياء، الشمس، المواويل، الغناء، الشفق، البحر، الشاطئ، الهوى، القلب، الموج، الذكرى،…).

والتي تقصيناها أثناء وقوفنا عند “المعجم الوجداني”. ويمثّل هذه الطبقة كلّ من: الغماري، شايطة، بن زايد، جوّادي، عقّاب بلخير، عياش يحياوي، نورة سعدي، الشريف بزازل، عبد الوهاب زيد،…

وطبقة ثانية: تؤثر الألفاظ المستمدّة من واقعنا السياسي أو الاقتصادي أو الحياتي، بصفة عامة، ويمثّلها: عبد العالي رزاقي، حمري بحري، أحمد حمدي، عز الدين ميهوبي، محمد زتيلي،… ولا ترى هذه الطبقة ضيرا في حشو قصائدها ببعض المصطلحات السياسية والاقتصادية أو بعض أسماء الأعلام والأمكنة (الاشتراكية، الثورة الزراعية، الديماغوجية، الفيتو، الفيتنام، القرية النموذجية، الصراع الطبقي،…).

ويمكن أن نشير هنا، بإصبع الاستثناء، إلى تجربة خاصّة ينفرد بها الشاعر (توفيق سالمي) الذي يحفل “معجمه الشعري” بجملة من المصطلحات العلمية (أنابيب الاختبار، البوتقة، ذبذبات الصدى، الأملاح، الشحنات، التيار، خصائص المياه، خياشيم، عود الثقاب، الكيروسين،…)؛ وهي – عموما – كلمات صلدة لا نبض فيها ولا حياة، لكنّ الشاعر – بمهارة فنية خاصة – يبعث فيها إشعاعا شاعريا وضاء كما في قصيدته: (القصيدة التي لم تُقرأ):

(مُعلمَنٌ… ومع الأملاح تجربتي    مع الأنابيب.. للأشواق مِخْبار

ضوء مع الضوء.. فالمرآة تعكسني          وللأحاسيس كالشحنات تيار)[15].

وهو – وراء ذلك – يرى أنّ العلاقة بين الشعر والكيمياء (بصفته أستاذا في مادة الكيمياء وشاعرا في آن واحد!) “علاقة ودّية.. علاقة احترام” قائلا:       (.. إنني أستعير من الكيمياء ما يحتاجه الشعر أحيانا كبعض المفردات العلمية، وأعطى للكيمياء من الشعر اللغة الخصبة في سبيل توصيل “المادة “،…)[16].

وطبقة ثالثة: ترفد ألفاظها من المعجم التقليدي القديم (ولسنا نقصد بهذا الوصف غير الألفاظ التي سادت كثيرا في الشعر العربي القديم)، موظفة إياها بدلالاتها القديمة تارة، وبدلالات جديدة (في سياق جديد) تارة أخرى، ويمثّل هذه الطبقة كلّ من عيسى لحيلح وعبد الله حمادي والأخضر عيكوس، ومصطفى الغماري…؛ حيث يحفل معجم (عيسى لحيلح) – على سبيل المثال – بالألفاظ ملتقطة من المعجم الشعري الجاهلي والأموي (الدار، الدّمنة، الأطلال، الرسّوم، الحادي، العيس، الثمام، السّعف، السيف، الخيل، دار ميّة، الظبي، الفرس، الرّبع،…)، لكن ذلك لم يمنعه من “عصرنة” بعض تلك الألفاظ القديمة، وشحنها بدلالات جديدة؛ إذ أصبحت (الديار، الرّسوم، الدّمن، الرّبوع، الأطلال)، في كثير من قصائده، تعني القيم الأخلاقية المنهارة، وحين نتمعّن البيتين المواليين من شعره:

(أفقت مـن حلمي والرّيـق يبلعني       وجدتُ “ميّة” في أحضان صهيونا

سحبتُ سيفي من حقد ومن غضبٍ  وصحت ويلكمُ.. واعـزّ ماضينا)[17].

نلاحظ كيفية تصرفه في المعجم القديم، إذ لم تعد (ميّة) عنده تلك المخلوقة (من ماء وطين) التي تغنّى بها “النابغة الذبياني” أو التي شغفت (ذا الرّمة) حبّا في عصور غابرة، بل أصبحت تعني وطنًا اسمه (فلسطين)…

نلاحظ كذلك كيف أنّه يوظف (السّيف) سلاحًا، في القرن العشرين!، في عصر الأسلحة النووية!، ولا مبرّر لذلك سوى أنه يريد أن يصبغ اللفظ بصبغة إيديولوجية، لأنّ (السيف) يخلع على ثورته صفة “الجهاد الإسلامي”.

وفي قصيدته (عذابات ثائر)[18]، نراه يحيد تماما بكلمة (الحادي) عن مدلولها التقليدي، بوساطة المصاحبة اللفظية غير العادية، في قوله: (فيا حادي الرّوح عجّل)…

* ثمة ظاهرة بارزة على مستوى المعجم الشعري، تتلخّص في اشتراك مجموعة من الشعراء في معجم واحد، وقد لاحظ ذلك الدكتور (حسن فتح الباب)، وهو بصدد دراسة بعض التجارب الشعرية “السبعينية”:

(.. تتداخل القصائد أو تتشابه حتى لا يتبقى لكثير من أصحابها ما تستطيع أن تميّز به قصيدته غير اسمه المكتوب عليها، وبذلك يزاحم الدخيل الأصيل. وهذا النسق الشعري الذي يطبع عديدا من القصائد يتمثّل في تكرار مجموعة بعينها من المفردات والصور والتراكيب والرؤى والأفكار، وكذلك أساليب التعبير، وكأنهم جميعا يترامون عطاشا على نبع صغير واحد لا ثاني له…)[19]. وإذا شئنا تأكيد هذا الكلام تطبيقيا، فلنوازن – مثلا – بين معجمي الشاعرين (مصطفى الغماري) و(عياش يحياوي)، لنلاحظ أنّ الثاني ولوع بمعجم الأول[20]؛ إذ يُكثر من توظيف مثل هذه الكلمات: (الموّال، الكروم، السكر، الأغاني، الشروق، الصلاة، الوتر، الضاد، الهوى، الضوء، المدى، الوتر، يكتحل، يخضلّ، يطوّح، شاخ،…)، وهي كلمات ذات حضور مكتّف في المعجم الشعري “الغماري” بل إن من يقرأ قصيدته (أشواق في المنفى)[21]:

(غريب تأكل الأشواقُ فاصلتي… وتشتعلُ

غـريب من دمـي تتعطّر المأساةُ، تكتحلُ

غريب من حياض العلقم المسموم.. أغتسلُ

فـلا أهل ولا وطـن.. شريد هاهنا وجلُ

يُطوحني الأسى الممقـوتُ.. في جنبي يقتتلُ

يضمّ الحزن أشلائي سكارى… ضوءها ثملُ)

يعتقد، لأول وهلة، أنه بصدد قصيدة “غمارية” سقطت سهوا من (أسرار الغربة)!…

والملاحظة نفسها تسجل على شعراء “بوسعادة” وبخاصة الثلاثي (الأخضر فلوس، أحمد عبد الكريم، مصطفى دحية)، معشر الشعراء المتصوّفة!، الذين يغرفون من قاموس صوفي مشترك، حتّى لا تكاد تخلو قصيدة، من قصائدهم، من مثل هذا المعجم: (غيمة الروح، سدرة المنتهى، الهودج الملكي، الصهوات، الغمام، المرتقى، المعارج، الروح، السّعف، الحنين، الانتشاء، الانخطاف،…).

إنّ معجم قصيدة (رقيّة)[22] (للشاعر الأخضر فلوس) على سبيل المثال، قد فعل فعله في قصائد كثيرة لمصطفى دحية، مثل (مقابسات العشق)[23] و(مرثية الماء)[24]، وأخرى لأحمد عبد الكريم: (العاشق ومرايا الرمل)[25]، (فيوضات الرحيل)[26]، (مزمور الرحيل)[27]، وبخاصّة هذه القصيدة الأخيرة التي لو حذفنا منها اسم (مليكة)، وعوّضناه بـ(رقيّة)، لأصبحت مجرّد مقطع من قصيدة (رقية)، كامل الانسجام مع سائر مقاطعها!.

وهناك نماذج كثيرة من هذا النوع…

* تبعا لهذه الملاحظة، كان – ولابدّ – أن يقود التهافت على معجم واحد إلى ما آثرنا تسميته بظاهرة (الفقر اللغوي)، المتمثلة في قلّة رصيد شعرائنا من مفردات اللغة، إذ يُكثرون من توظيف مجموعة لفظية محدودة في معظم قصائدهم، بدلالات شبه موحدة، إلى درجة تفضي بهم إلى استنفاد الطاقة الدلالية للفظة الشعرية، وتحويل هذه الأخيرة إلى “كليشيه” جاهز ذي دلالة نمطية.

إنّ شاعرا مثل (محمد شايطة)، لا يكاد يتجاوز معجمُه الشعري هذه الألفاظ (الشوق، الوداع، الصمت، الذكريات، الضياع، اللحن، الأسى، الموّال، الاجتياح، الحنين، الدروب، الرّيم، الرّحيل،…)، وكذلك حال شاعر مثل (كمال أونيس) الذي يتشكل معجمه الشعري من هذه الألفاظ اليتيمة التي لا تكاد تبرح قصيدة من قصائده: (البوح، الصمت، القصيد، الجرح، الدهشة، سيّدتي، الحنين، البراءة، الدم، الوحدة، الحزن،…).

ولعلّ هذه الظاهرة أن تكون أجلى وأوضح، لدى الشاعر (مصطفى الغماري) الذي يُكثر من الدّوران حول معجم قارّ، ينثر ألفاظه في كلّ قصيدة من قصائده، تقريبا، بنفس المدلول مهما اختلف السياق (الرؤى، الهوى، الشوق، خضراء، المسافات، السكر، الألم، الليل، الفجر، الحلم، المدى، الأسى، الوتر، السفر، الضياء، الغناء، الدروب، يطوّح، أسلسل،…)، وهي ظاهرة غريبة قياسا إلى ثقافة الشاعر اللغوية، وطول باعه في “لسان العرب”!.

علمًا أنّ معظم من قرأ شعر (الغماري) ودرسه، قد لاحظ ذلك، وآخذه به، كالدكتور (أبي القاسم سعد الله)[28]، والدكتور (محمد ناصر)[29]، والدكتور (حسن فتح الباب)[30] والدكتور (محمد حسين الأعرجي) الذي قال ذات يوم عن شاعرنا: (… إنّ معجمه اللغوي صار محدودا حتى لتشعر أحيانا وأنت تقرأ ديوانا له، أنك قرأت قصيدة واحدة على قوافٍ مختلفة…)[31].

* هناك من الشعراء ذوي الباع الطويل في “لسان العرب” و”القاموس المحيط”…، من لجأ إلى لغة قاموسية صلبة، مبنية على ألفاظ معجمية نادرة الاستعمال في لغة المعاصرين، تستدعي قارئا “أعرابيا”!، أو بحثا مضنيا في معاجم العربية وقواميسها.

وعلى رأس هؤلاء الدكتور الشاعر (عبد الله حمادي) الذي نعثُر في ديوانه (تحزّب العشق يا ليلى) على مثل هذه الألفاظ القاموسية الصعبة: (الغبوق، الفتيق، أكرع، المقتر، المنيف، عضب، أراكة، فدم، خشف، غليون، صافنة، البراذيل،…)[32].

* ظاهرة معجمية أخرى، برزت خلال السبعينيات تمثلت في انضواء المعجم الشعري الجزائري تحت لواء المعجم الشعري المشرقي، معجم الشعراء المشارقة الرواد (السياب، نزار، عبد الصبور، درويش، أدونيس، البياتي، حاوي،…)

واختصارا للجهد، نورد ملاحظة للدكتور (محمد ناصر)، توصّل إليها بعد دراسة إحصائية في أشهر الدواوين، التي تمثل “جيل السبعينيات” أحسن تمثيل، وهي: (وحرسني الظل) للشاعر عمر أزراج، (الحب في درجة الصفر) لعبد العالي رزاقي، (قائمة المغضوب عليهم) لأحمد حمدي، حيث خلص (إلى القول بأنّ المعجم الشعري في هذه الدواوين متشابه إلى حدٍ بعيد، بل هو يكاد يكون مقتصرا على ألفاظ وتراكيب كثيرة الورود في دواوين الشعراء المشارقة الرواد)[33].

ثم تكرّرت هذه الظاهرة، خلال الثمانينيات، بحدة أقل.

وقد يعنّ لمعترض أن يعترض على هذه النظرة، بدعوى أنّ الكلمات ليست ملكا لهذا، أو حكرا على ذاك، وأنه لا يحقّ لأي كان أن ينسب كلمة إليه، لأن كلّ الكلمات إنما هي ملك لمعاجم اللغة العربية وقواميسها، فنعترض عليه بدورنا قائلين: إن قواميس العربية هي أوسع من أن تحصر في نطاق لفظي محدود، وإنّ “لسان العرب” هو أطول بكثير من ألسن الشعراء الجزائريين المعاصرين!…

* يرى الدكتور أحمد بسّام ساعي أنه (من الطبيعي أن يطفو على سطح الشعر عيب آخر من عيوب “الواقعية اللغوية” هو البذاءة وألفاظ الجنس)[34]، وقد عدنا إلى ما أطلقنا عليه – سابقا – اسم (المعجم الواقعي) فألفيناه كذلك؛ لا يخلو من الكلمات الجنسية البذيئة، وكلمات السباب والشتم.

لقد ظهر ذلك بصورة لافتة، في شعر “السبعينيات” في عزّ الرّواج الواقعي، ولنلاحظ ذلك عند (سليمان جوادي) في ديوانه (يوميات متسكع محظوظ)، الحافل بهذه الكلمات: (البرغيث، أجامع، الدّعارة، ربّ لقيط، جنس عنيف، الرّفث، الهمجي، مرحاضي، المومسة، ناهديها،…)[35]، ونقرأ عند (عمر أزراج) في ديوانه (الجميلة تقتل الوحش)، هذه الكلمات: (الخنزير، تضاجع الكلاب والقطط، الماخور، الزانية، العقيمة، الذّباب، القمل، فخذ، خصور،…)[36].

ونعثر كذلك في ديوان (الحب في درجة الصفر) للشاعر عبد العالي رزاقي، على هذه الألفاظ: (المراحيض، ثدي مومسة، تلعق الساقين والنهدين، قحابُهم،…)[37]، وكذلك حال الشاعر (أحمد حمدي) في كثير من قصائده.

وباسم الواقعية أيضا، أصبحت النصوص الشعرية عامرة بكثير من الألفاظ العامية: (الفرماج، الآسيد، الويسكي،…)، وسنعود إلى هذه المسألة في باب آخر.

إنّ الألفاظ التي أوردناها سابقا كما رأيتم، هي ألفاظ نابية، يمجّها الذوق الفنّي ويأبى التفاعل النفسي معها، فضلا عن الذوق الأخلاقي!.. وحتى ألفاظ الشتم والتجريح والسّبّ، المتفشية في أشعار: أحمد حمدي وعبد العالي رزاقي وسليمان جوادي ومصطفى الغماري كذلك، فإنها ألفاظ تنمّ عن رؤية، أفقية مسطّحة إلى الواقع وربّما تسربت إلى قاموسنا الشعري من دواوين: عبد الوهاب البياتي، مظفر النواب، وحتّى نزار قباني في أشعار ما بعد نكسة حزيران.

الخصائص البنيوية:

سنركز، في هذا المقام، على الجانب الإيقاعي أو الصوتي لبعض الوحدات المعجمية، حيث يصطدم من يتصفّح دواوين الشعر الجزائري، خلال السبعينيات، بظاهرة معجمية متميزة، آثرنا تسميتها بـ(ظاهرة “المعجم غير الشعري”!)، وتمثل في اكتظاظ بعض القصائد بالكلمات الطويلة في عدد حروفها، والسماء المعجمية التي يصعب نطقها، والمصطلحات السياسية والاقتصادية وما شاكلها من الألفاظ والتراكيب التي لا إيحاء فيها فضلا عما فيها من نشاز صوتي وإيقاعي، والتي يكاد يستحيل على أيّ شاعر – مهما كانت مهارته الفنية – أن يقولبها شعريا، وأن يجعلها كاملة الانسجام ضمن النظام البنيوي للنص.

ففي ديوان (قائمة المغضوب عليهم) لأحمد حمدي، نعثر على هذه الكلمات: (إيديولوجيات، أريتيريا، الديالكتيك، كلاشنكوف، ماياكوفسكي، اسطنبول، الفيتنام، النيرودا…)[38]، وكذلك نعثر في ديوانه (تحرير ما لا يُحرّر) على هذه الكلمات: (الكونكورد، المانشيتات، أصحاب الشيشان،…)[39] وعند “ربيعة جلطي” نصطدم بهذه الكلمات (الرّيمّيتي، المايكروفون، قاسيون، الكاوتشوكي، هوشي منه، هارلم،…)[40].

ولنلاحظ كذلك معجم هذه التراكيب، عند “عبد العالي رزاقي”: (آبن بركة، وتشي غفارا وكابرال، ثمّ أليندي وبابلونرودا).

(يرتّل شعرا: للوركا، وناظم حكمت، وبابلونرودا)[41].

لاشكّ، إذن، أنّ مكامن الخلل البنيوي (النشاز الإيقاعي الصوتي) على مستوى الوحدات المعجمية السابقة، تتوزّع عبر النقاط التالية:

* تكرار “الفونيم” الواحد في الكلمة الواحدة، أكثر من مرة، كما هي الحال في لفظتي (إيديولوجيات) و(الريميتي)؛ حيث يتكرّر حرف “الياء” في كلتيهما  3 مرّات كاملة، عبر عدد من الحروف، وهو أمر أشدّ سلبية من تقارب مخارج الحروف في الكلمة الواحدة، من حيث الوقع الصوتي…

* تقارب مخارج الحروف في الكلمة الواحدة، كما في كلمتي (الكونكورد)، (الشيشان) الواردتين لدى الشاعر (أحمد حمدي) حيث تتضمن الكلمة الأولى “كافين” و”واوين”، يضيقان مخارج حروف الكلمة، لاسيما وأنّهما متّصلان بـ”راء” و”نون” فإذا كان حرف النون  – مثلا – يخرج من طرف اللسان، بينه وبين ما فوق الثنايا، فإن “الراء” – كذلك – يخرج من مخرج “النون”، غير أنه أدخل في ظهر اللسان، بينما تتضمن الكلمة الثانية “شينين” يتوسطهما “ياء” ومعروف أنّ “الشين” و”الياء” لهما نفس المخرج (وسط اللسان، بينه وبين الحنك الأعلى).

ومعروف أيضا أنّ الواقع الصوتي للكلمة يكون أكثر استساغة، كلما كانت مخارج حروفها أكثر، تباعدا[42].

* توالي السواكن في وسط الكلمة، كما في كلمات (المايكروفون، قاسيون، الكونكورد، أريتيريا،…)، وهو ما لا تستسيغه الأذن العربية.

* انطواء الكلمة على بعض الحروف الدّخيلة، (التي لا مقابل لها في العربية)، كما في كلمات (الفيتنام، تشي غيفارا، بابولونيرودا، ماياكوفسكي،…)، التي تنطوي على حروف لا مقابل لها في لغتنا، مثل (P, G, V).

من جهة أخرى، يُباغتنا الشاعر (عبد العالي رزاقي) في ديوانه (أطفال بورسعيد يهاجرون إلى أول ماي)، بهذه المصطلحات: (المؤتمر الدولي، القرية الأنموذجية، المحفل الدولي، الصراع الطبقي، ساحة لينين، الانتماء العربي، الجيش الفرنسي، البنوك الخارجية،…)[43]، مثلما يباغتنا (محمد الأخضر عبد القادر السائحي) بمصطلح طويل، في هذا البيت:

(فإذا الثورة الزراعية الكبرى أجابت مطالب الضعفاء)[44].

وتبلغ هذه الظاهرة مبلغا سلبيا كبيرا، في قصيدة (سقوط مملكة العشاق)[45]، للشاعر ” محمد زتيلي ” لا أدلّ عليه من هذه الألفاظ والتراكيب:

(.. فلاحا كان

وجيء به كي يعمل في معمل

تركيب الآلات الميكانيكية

 “سوناكوم”).

(… وشغله في معمل تركيب الآلات

وأقنعه

بضرورة بذل التضحيات وتشكيل القاعدة العمالية، لإنجاح الاشتراكية).

(إنّ الاشتراكية تبنيها

سياسة التّقشّف)

(وأبصرتُ خيول التتر الهولاكي)…

فأيّ شعر في هذا (الشعر) سوى ما تُشعه تفعيلة (المتدارك) من نغمات خافتة جدا؟!…

والأدهى أنّ توظيف مثل هذا المعجم “غير الشعري” القائم على الكلمات والمصطلحات الطويلة، قد زاد الطين بلة في “القصائد النثرية” وحوّل بعضها إلى نصوص نثرية هزيلة، في أحسن الأحوال!، كما هي الحال عند ربيعة جلطي، وزينب الأعوج، وجروة علاوة وهبي… وقد يستغرب البعض قولي (المعجم غير الشعري) لأنّ الأصل هو أن ليست هناك كلمة شعرية وأخرى غير شعرية، لكنني أصرّ على هذا الاصطلاح، مادامت ثمة كلمات صلدة ميتة (كالتي رأينا سابقا) لا أخال شياطين “وادي عبقر” قادرة على النفخ فيها من روحها، وبعث الحياة الشعرية فيها!.. وقد نبّه على هذه القضية النقدية العتيقة ناقد عربي قديم هو (ابن سنان الخفاجي) في كتابه (سرّ الفصاحة)؛ إذ حدد شروطا ثمانية لفصاحة “اللفظة المفردة” نصّ شرط السابع منها على (أن تكون الكلمة معتدلة، غير كثيرة الحروف)، وبناء عليه راح يعيب على أبي تمام توظيفه لكلمة (أذربيجان) في قوله:

(فلأذربيجان اختيال بعدما            كانت معرّس عبرة ونكال)،

لأنها (… كلمة رديئة لطولها وكثرة حروفها، وهي غير عربية)[46].

وقد بدا لي، بعد قراءة هذا الكتاب، أنه من الممكن أن يكون مفهوم (الفصاحة) عنده شكلا من أشكال ما نسميه اليوم بـ(الشعرية) أو “الإنشائية” (La Poétique). أما عند المعاصرين، فقد تمكنت من التقاط هذه الإشارة للناقد السوري (عدنان بن ذريل) إذ يقول: (… قلما نجد كلمة طويلة تُلائم الشعر)[47]، فضلا عن شيوع عبارة “إن هذا اللفظ ليس شعريا” (Unpoetical) في النقد الإنجليزي الحديث.

* نال هذا البحث جائزة وزارة الثقافة سنة 1995.

[1] د. عبد الملك مرتاض: النص الأدبي من أين؟ وإلى أين؟، د.م.ج، الجزائر، 1983، ص 46.

[2] سيد قطب: النقد الأدبي ـأصوله ومناهجه، بيروت، ص 80.

[3] مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص، تأليف جماعي نسوي، ط1، دار الحداثة، بيروت، 1985، ص16.

[4] أسبوعية أضواء الجزائر، 20. 10. 1988، (وقد نشرت بعد وفاته!).

[5] صدر عن مطبعة البعث، ط1، قسنطينة، 1981.

[6] نادية نواصر: راهبة في ديرها الحزين، ص 03.

[7] مصطفى الغماري: أسرار الغربة، ط2، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1982، ص97 و149 على التوالي.

[8]  المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[9] مصطفى الغماري: قراءة في آية السيف، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1983، ص49. وللتّوسّع في “الصوفية الغمارية ” راجع:

الطاهر يحياوي: البعد الفني والفكري عند الشاعر مصطفى الغماري، م.و.ك، الجزائر، 1983، ص131.

[10] الأخضر فلوس: عراجين الحنين، مطابع جريدة السفير، مصر، ص51.

[11] الطاهر يحياوي: أحاديث في الأدب والنقد، حوار مع مصطفى دحية، شركة الشهاب، الجزائر، ص172.

[12] نشرت بمجلة الجزائرية، عدد 196، أوت 1990، ص25.

[13] عثمان لوصيف: الكتابة بالنار، ط1، دار البعث، قسنطينة، 1982، ص48.

[14] محمد ناصر: أغنيات النخيل، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1981، ص.

[15] مجلة الضاد، معهد الآداب واللغة العربية بجامعة قسنطينة، العددان 10-11، ص127.

[16] أنظر حوارًا معه أجراه الأستاذ حسن خليفة، مجلة صدى الجامعة، مكتب طلبة جامعة قسنطينة، عدد 01، 1983، ص45.

[17] عيسى لحيلح: غفا الحرفان، م.و.ك، الجزائر، 1986، ص32.

[18] نشرت بمجلة العالم، عدد 312، 02 فبراير 1990، ص53.

وقد أخبرني الشاعر أنّ عنوانها الأصلي هو (عذابات حُسينيّة) ولكنّ رئاسة تحرير المجلة استبدلت به العنوان السابق، لحاجة في نفسها!.

[19] د. حسن فتح الباب: شعر الشباب في الجزائر، م.و.ك، الجزائر، 1987، ص36-37.

[20]  أومأ الدكتور محمد ناصر إلى هذه الظاهرة، إيماءة خفيفة جدا، ولم يؤكدها تطبيقيا. أنظر:            د. محمد ناصر: الشعر الجزائري الحديث، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985، ص332 (في هامش الصفحة)!.

[21] عياش يحياوي: تأمل في وجه الثورة، م.و.ك، الجزائر، 1983، ص29.

[22] الأخضر فلوس: عراجين الحنين، ص 51.

[23] يومية المساء: 11. 12. 1989.

[24] يومية المساء: 05. 02. 1990.

[25] يومية الشعب: 02. 01. 1988.

[26] يومية الشعب: 11. 11. 1989.

[27] يومية أضواء: 26. 07. 1990.

[28] د. أبو القاسم سعد الله: تجارب في الأدب والرحلة، م.و.ك، الجزائر، 1983، ص149.

[29] أنظر: مقدمة ديوان أسرار الغربة، ط2، ص26.

[30] د. حسن فتح الباب: شعر الشباب في الجزائر، ص208-214.

[31] أنظر: الطاهر يحياوي: أحاديث في الدب والنقد، حوار مع الدكتور الأعرجي، ص244.

[32] د. عبد الله حمادي: تحزّب العشق يا ليلى، ط، دار البعث، قسنطينة، 1882، ص45، 45، 47، 57، 125، 122، 123، 125، 131، 141، 178، 192 على التوالي.

[33] د. محمد ناصر: الشعر الجزائري الحديث، ص107.

[34] د. أحمد بسام ساعي: حركة الشعر الحديث، ط1، دار المأمون للتراث، دمشق، 1978، ص217.

[35] سليمان جوادي: يوميات متسكع محظوظ، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1981، ص12، 23، 37، 43، 45، 45، 50، 55، 58 على التوالي.

[36] أزراج عمر: الجميلة تقتل الوحش، ش.و.ن.ت، الجزائر، ص34، 39، 44، 62، 63، 75، 116، 123 على التوالي.

[37] عبد العالي رزاقي: الحب في درجة الصفر، ط2، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1982، ص18، 33، 76، 138 على التوالي.

[38] أحمد حمدي: قائمة المغضوب عليهم، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1980، ص08، 99، 13، 99، 100، 56، 57، 99 على التوالي.

[39] أحمد حمدي: تحرير ما لا يُحرر، م.و.ك، الجزائر، 1985، ص19، 22، 71 على التوالي.

[40] ربيعة جلطي: تضاريس لوجه غير باريسي، ط2، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1983، ص12، 26، 29، 35، 36، 65 على التوالي.

[41] عبد العالي رزاقي: الحب في درجة الصفر، ص119.

[42] للتوسع في هذه القضايا يستحسن مراجعة:

ابن سنان الخفاجي: سرّ الفصاحة، شرح وتصحيح عبد العالي الصعيدي، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده بالأزهر، 1969، ص54…79.

فقد اعتمدنا كثيرا على هذا الكتاب في جملة من المفاهيم الصوتية.

[43] عبد العالي رزاقي: أطفال بورسعيد يهاجرون إلى أول ماي، ط، ش.و.ن.ت، الجزائر، 1983، ص14، 20، 33، 49، 20، 16، 23، 23 على التوالي.

[44] عبد القادر السائحي: أغنيات أوراسية، ش.و.ن.ت، ص92.

[45] منشورة بمجلة ” آمال “، عدد 13 (عدد خاص)، م.و.ف.م، الجزائر، 1984، ص13.

[46] سر الفصاحة، ص78.

[47] عدنان بن ذريل: اللغو والأسلوب، منشورات اتحاد الكتّاب العرب، دار الأنوار، دمشق، 1980، ص174.

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*