الاوضاع السياسية لمنطقة الاوراس في عقد العشرينات و الثلاينات:

أ – عقد العشرينات:          

في الوقت الذي وضعت فيه الحرب العالمية الأولى أوزارها، كان أهل منطقة الأوراس والصّحراء الشّرقية يواصلون إثارة تلك الاضطرابات، التّي عرفتها الجزائر منذ الأسابيع الأولى من بداية هذه الحرب. وإنّ كان الفرنسيون قد تمكنوا من إخماد  ثورة الهقار سنة 1919 بعد أنْ أحرجتهم طوال مدّة ثلاث سنوات في الصّحراء، فإنّ ثورة الأوراس رغم شدّة ما خلّفتهُ على سكانها من قمع وعقوبات قاسية، وإلحاق جميع البلديات المختلطة في عين القصر والأوراس وخنشلة وبعض المناطق التّابعة للبلديات المختلطة مثل عين التّوتة وبريكة وبلزمة بالحكم العسكري المباشر بعدما كانت تحت حكم الإدارة المدنية، التّي كانت قد أنشئت سنة 1871.(1) فإنّ الاضطرابات لم تتوقف فيها، خاصة في منطقة جنوب الأوراس والزّاب الشّرقي، وذلك باستمرار جماعتي الثّائرين “بومصران” و”ابن زلماط” في إثارة الرّعب بين صفوف الفرنسيين وأعوانهم إلى غاية  سنة 1921.(2)

في ظلّ القمع المسلّط على أهالي الأوراس، ومطاردة جماعتي هذين الثّائرين ممّا كانت تسمّيهم السّلطات الاستعمارية باللّصوص قطّاع الطّرق الخارجين عن القانون، دخلت منطقة الأوراس والصّحراء الشّرقية عقد العشرينات من القرن الماضي والنّاس في الجزائر من جزائريين وفرنسيين منشغلين بالحديث عن تلك الإصلاحات، التّي أتى بها رئيس الحكومة الفرنسية “جورج كلمنصو” في شهر فبراير 1919 وحظ الأهالي من بعض ما أتيحت لهم منها في مجال الحقوق السّياسية والإدارية والعسكرية،(1) وأيضا مع تلك الحركة السّياسية التي بدأ يحدثها “الأمير خالد” كزعيم وطني من خلال مواقفه المدافعة عن مطالب الجزائريين. بدأت في مدينة بسكرة تظهر (حركة إصلاحية لا عهد للجزائر بها) على حدّ وصف المؤرخ “أبو القاسم سعد الله” كان صاحبها الشّيخ “الطّيب العقبي”، بعد عودته من الحجاز سنة 1920 واستقراره بها، واتخاذه من منابر مساجدها، ومجالس النّاس مكانين لنشر أفكاره الدّاعية إلى السّلفية والإسلام القائم على العلم والقوة والكرامة.

وهي الأفكار التّي لم يتوقف عندها الشّيخ “الطّيب العقبي”، بل تعدّاها إلى مهاجمة الطّرقية والشّعوذة والخرافات والمتاجرة بالدين، التي بدأ يسلكها شيوخ الزّوايا، بعد أنْ تمكنت السّلطات الاستعمارية الفرنسية من ترويضهم، وجعلهم أدوات لتخدير الشّعب وتأييد سياستها الاستعمارية. وهي المواجهة التّي جعلت من صيت دعوة الشّيخ “العقبي” تنتشر وتتسع في الزّيبان والأوراس، خاصة بعدما التف حوله جماعة من أعيان المدينة وأدبائِها منهم أسرة “آل خراشي”، وأسرة “الحاج حمو بن عبد الله” و”أحمد بن الدّراجي”، والشّاعر “محمد العيد آل خليفة”، والشّاعر “محمد الهادي السّنوسي الزّاهري” والشاّعر الكاتب باللّسانين “الأمين العمودي”، و”أحمد بن العابد العقبي”، وغيرهم.(2)

فأصبحت بسكرة في بداية دعوة الشّيخ “الطّيب العقبي” مبعث الإصلاح ومنافسة لمدينة قسنطينة حركةً وعلمًا، وهي التّي لم تكن غائبة عن أخبار تلك الحركة السّياسية التّي كان يحدثها الأمير “خالد”(1) في الجزائر، الذي يُذكر أنّهُ زارها سنة 1922، وأنّ مجموعة من كتّابها وشعرائها منهم “محمد العيد” و”أبو القاسم خمار”، و”الأمين العمودي”.(2) وحتّى “العقبي” نفسه، كانوا يكتبون في جريدة “خالد” (الإقدام).(3)

واصل “العقبي” وجماعته نشاطهم الإصلاحي بتأسيسهم مطبعة وجريدة أطلقوا عليها اسم (صدى الصّحراء) في خريف 1925، والتّي يبدو أنّها كما يقول “سعد الله” أول جريدة دعت لوجوب تأسيس حزب (ديني) إصلاحي، ثمّ بعد توقفها أصدر جريدة (الإصلاح) سنة 1927، التّي عمّرت مدّة طويلة في صدورها رغم توقفها وانقطاعها أحيانا.(4)

لكن لم تكن السّلطات الاستعمارية تقف موقف المتفرج من هذه الحركة الإصلاحية التّي تشهدها بسكرة، وقد أثار “العقبي” سخط أتباعها من الطّرقيين بهجومه الشّرس على أفعالهم المنافية للتّعاليم الإسلامية، الأمر الذي أثار مخاوفها حول نواياه، فبدأت تترصد نشاطه وتتحين الفرصة للنيل منّهُ وهو ما تسنّى لها بعد سفره إلى الجزائر سنة 1929 في قضية ما عرف بتهمة مقتل الإمام “ابن دالي” (كحول)، بعد انعقاد المؤتمر الإسلامي 1936.(1)

أمّا الحركة الإصلاحية في الأوراس فإنّ فضل بداية  ظهورها بمدينة باتنة، يُعود إلى ذلك المجهود الذي بذله “سي الطّاهر مسعودان بن مبارك” المدعو الشّيخ “الطّاهر الحركاتي” ‏ إمام المسجد الجديد، منذ انتخابه رئيسا لمجلس إدارته الدّينية سنة 1926، بعد استقالة سابقيه على رئاستها المحامي “شريف سيسبان”(2) وخلفه المدعو “خزندار خوجة”.(3) الذي فضل التّفرغ بعد تركه شؤون إدارة المسجد إلى المدعو”مزيان علي” و”أرار محمّد” من بعده لأداء مهمة التّعليم والشّؤون الدّينية، التّي كان ضليعا في علوم الفقه فيها. وبالفعل ما كاد هذا العقد ينتهي حتّى أصبح “الطّاهر الحركاتي” قبلة للكثير من الطّلبة الذين نهلوا من علمه، وبه استطاعوا مواصلة دراستهم في تبسة، وقسنطينة، وتونس.(4) وهو أيضا الدّور الذي سيتضح أكثر عند رئاسته لشعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بباتنة بعد تأسيسها، وهو ما عبرت عنه جريدة (الشّهاب) سنة 1934 حين قالت: ((باتنة مدينة كبيرة عامرة بالأهالي وغيرهم،…ـ قبل الحركة الإصلاحية الأخيرة ـ حظّها من العلم قليلٌ جدّا لعدم وجود من يقوم بنشره فيها، فاستولى على سكانها الجهل وخيمت خلال ديارهم البدع وضربت أطنّابها فيهم وفي ضواحيها العوائد الفاسدة، وخلا الجو للمنتفعين ولعبوا أدوارهم برهة من الزّمن  لا يقوم في وجوهم مصلح يغير المنكر، ولا يعارضهم عالم يشفق على تلك الأمة المسكينة الواقعة ـ كلقمة سائغة ـ في أفواه أولئك المبتدعين الذين لا يعيشون تحت ظلام الجهل…ولما جرت سنة الخالق في خلقه عندما يريد بهم خيرا أن يهيئ لهم أسبابه بما شاء وبمن شاء فقد بعث لهذه الأمة رجلا من العلماء المخلصين، ذلك هو الشيخ “الطاهر الحركاتي” متخرج من الزيتونة، ورئيس شعبة جمعية العلماء المسلمين، فقد تابع نشر الهداية الصحيحة منذ نزل مرشدا في هذه الديار بالحكمة والموعظة الحسنة وجميع الوسائل الممكنة)).(1)

ب – عقد الثلاثينات:

على الرّغم من خضوع منطقة الأوراس والصّحراء الشّرقية تحت إدارة النّظام العسكري باستثناء مدينة باتنة، وما كانت تفرضهُ هذه الإدارة من شبه عزلة سياسية واقتصادية واجتماعية على السّكان، إلا أنّ المنطقة لم تكن بمعزل عن تلك التّطورات السّياسة التّي بدأت تعرفها الجزائر مع دخول عقد الثلاثينات، الذي كان فاتحته ذلك الاحتفال الذي أقامه الفرنسيون بمناسبة مرور قرن كامل من الاحتلال، وهو الاحتفال الذي كانوا قد قدروا لبرنامجه أنْ يدوم ستة أشهر، لم يتمكنوا من إتمام منها سِوَى شهرين حملت معها الكثير من الاحتقار والاستفزاز للجزائريين. الذي وإنْ جرح مشاعرهم من جهة كان سببًا لولادة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) يوم 5 ماي 1931 برئاسة الشّيخ “عبد الحميد بن باديس”،(1)وما سيحدثه ظهورها من أثر في السّاحة السّياسية بالجزائر من خلال نشاطها الإصلاحي أو مواقفها السّياسية من المشاريع الفرنسية المقدّمة.

ومن نتائج ما أحدثته تلك الاحتفالات أيضا، ذلك التّطور الحاصل الذي بدأت تعرفه مواقف (اتحادية المنتخبين المسلمين الجزائريين)،(2) بعمالة قسنطينة، بعد عزل “شريف سيسبان”(السالف الذكر) وإحلال محله “محمد الصّالح بن جلول” سنة 1931.(3) هذا الأخير الذي استطاع بمعية ممّن انضم إليه من النّواب الأحرار الذين كان غالبيتهم دكاترة وحقوقيون أنْ يكتسح بهم، كما يقول الشّيخ “الإبراهيمي”: ((بقايا النّواب الذين كانت تعيّنهم فرنسا تعيينا  وكان اقتحامه مع أصحابه لمجالس النّيابات فتحا جديدا في النّيابة الأهلية أفشى فيها الحركة والحياة، وأشعرها بشيء من الاعتبار والاعتزاز، بدأت الموضوعات الأهلية الحسّاسة تطرق على منابر النيابة العمالية وتثار ويدافع عنها فتحرج فيها الحكومة أحيانا، بعد أنْ كانت تلك الموضوعات كقبر المسلم لا ينبش ولا يمشى…وبالجملة كانت نيابة “ابن جلول” إنشاء للمعارضة البرلمانية في مجالس النيابات الجزائرية)).(4)

في ظلّ هذه التّطورات التّي بدأت تعرفها الجزائر، وفي الوقت الذي لم تشرع فيه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عقد اجتماع مجلسها الإداري يوم 12 شوال 1350 هـ الموافق لـ 19 فيفري 1932 م بهدف المصادقة على بداية إنشاء الشّعب.(1) حتّى تمكنت بسكرة في الأوراس والصّحراء الشّرقية قبل ذلك بشهرين، من تأسيس شعبة لها، وهو ما يتبين من خبر “ابن باديس” في جريدة الشّهاب، عن الزيارة التّي خص بها هذه المدينة بغية تركيز شعبتها، التّي أشار أنّهُ كان علي رأسها كاتب الجمعية “الأمين العمودي”. كما ظهر من خبر   “ابن باديس” عن هذه الرّحلة، وما صودق عنهُ بعدها في اجتماع مجلس الجمعية، أنّ تأسيسها صار نموذج خُطّة عمل الوفود في إقامة الشّعب اللاحقة.(2)

وفي مدينة باتنة يبدو من خلال جريدة الشّهاب سالفا، وما جاء فيها عن الشّيخ “الطّاهر الحركاتي”، أن تأسيس الشّعبة بها، كان أيضا مبكرا، وأنّه هو من تولى رئاستها  وأن تأسيسها بالتّحديد يبدو أنّهُ كان في العام الأول من ميلاد الجمعية كوّن هذه الأخيرة، أثناء اجتماعها العام المنعقد سنة 1932 كان ضمن اللّجنة المشرفة على الانتخابات.(3)أمّا مدينة ورقلة، فإنّ الشّيخ “محمّد خير الدّين” يُخبرنا أن الشّعبة سنة 1934 كانت موجودة بها، وكان على رأسها السّيد “إبراهيم بعرة”. وأنّها كانت تواجهُ تحدّيًا كبيرًا يتمثل في النّشاط التّبشيري الذي يقوده الآباء البيض، والفساد الذي حاول نشره المستعمر بهذه المدينة.(4) أمّا في وادي سوف كانت تنشط لجنة متكوّنة من الشّيخ “عمار بن الأزعر” من قمار و”الهاشمي الدّراجي” و”حمزة بوكوشة و”عبد المالك النجعي”، الذين كانوا قد حضروا مؤتمرها الأول سنة 1931،(1) وعرف نشاطها الإصلاحي انتعاشا أكثر خاصة بعد انضمام شيخ الطّريقة القادرية “عبد العزيز الهاشمي” بعد المؤتمر الإسلامي سنة 1936 وزيارة الشّيخ “ابن باديس” لها في السّنة الموالية.(2)

على كلٍّ كانت سنوات هذا العقد للجمعية، هي سنوات السّعي للانتشار بتأسيس الفروع والنّوادي الثّقافية والمدارس التّعليمية التّابعة لها في مختلف مناطق القطر الجزائري من جهة، ومن جهة أخرى لم تغفل الجانب السّياسي بمساندة النّواب من جماعة “ابن جلول” في معاركهم الانتخابية ضدّ ممثلى الإدارة الاستعمارية، وهي المساندة التّي ساهمت في إحداث التّقارب في بعض المواقف بينهما جسدها انعقاد المؤتمر الإسلامي سنة 1936 بالعاصمة. الذي أفسدت حادثة اغتيال “كحول” بعد نهاية أشغاله، تقارب العلماء ورئيس كتلة النّواب  “ابن جلول”، الذي لم ينفِ دور العلماء في هذه الحادثة”.(3)

ففي بسكرة تميّزت العلاقة بين ممثّل كتلة النّواب الحكيم “محمد الشّريف سعدان”(4) الوافد الجديد سنة 1927، الذي بدأ يشغل النّاس ويملأ ذلك الفراغ الذي تركه “العقبي” بعد رحيله إلى العاصمة بمواقفه الوطنية والإنسانية بهذه المدينة، ورجال جمعية العلماء من أمثال “الشّيخ خير الدّين” عضو المكتب. الإداري للجمعية والشّيخ “عبد الرّحمان بركات” رئيس الشّعبة(1) وغيرهم، الذين مكّنوه سنة 1934 من خلال وقوفهم معه في انتخابات المستشارين العامين على مستوى دائرة باتنة من الفوز على ممثلي الإدارة الاستعمارية.(2) أمّا على مستوى بلديتها باتنة فيبدو أنّ الدّكتور “ابن خليل” والمحامي “غريب” عن كتلة فيدرالية النّواب تمكنا من الفوز بانتخابات 1935 على التّوالي (نائب بلدي) و(عضو بالمجلس البلدي)، بفضل دعم الشّيخ “الطّاهر الحركاتي” رئيس شعبة جمعية العلماء وإمام المسجد الجديد الذي صار “ابن خليل” منذ سنة خلت رئيسا لجمعيته الدّينية.(3)

وفي أواخر سنوات هذا العقد، وفي الوقت الذي كان يسيطر على الحياة السّياسية بالجزائر العلماء والنواب، عرفت منطقة الأوراس والصّحراء الشّرقية، وبسكرة دون سواها من مدن المنطقة تأسيس أول فرع لحزب الشّعب الجزائري، الذي نقل نشاطه من باريس إلى الجزائر بعد تأسيسه في 11 مارس 1937، خلفا (لحزب نجم شمال إفريقيا) الذي تمّ حلّه.(4) على اثر سعي قيادة الحزب التّي أخذت تسارع في احتلال مكانة متقدمة في هذه السّاحة حيث قام في هذا الإطار المدعو “دحمان عمر” رئيس فيدرالية قسنطينة خلال هذه السنة من تأسيس فرع في بسكرة، وهو الفرع الذي وإن كانت المصادر والمراجع تؤكد وجوده،(1) فإنّها لا تذكر من عُيّنَ على رأسه، اللّهم ما ظهر من فحوى حديث المناضل “محمد عصامي”(2) الذي أشار إلى أنّهُ خلال سنة 1941 كان على رأسه “أحمد غريب” المعروف بـ”بدة غريب”.(3) وهي أيضا الفترة التي تكوّنتْ فيها نواة الحزب الشّيوعي الجزائري حسب مذكرات “الشباح مكي” أحد مناضليه البارزين، الذي اشتهر بحادثة عقوبة “ابن قانة” له، المتمثّلة في تقييده بالحديد وإرغامه المشّي على رجليه خلف حصان من بسكرة إلى غاية سجن أولاد جلال.

 

من كتاب ” السي الحواس ” للاستاذ لخميسي فريح

اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2015

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*