الإمام عبد الحميد بن باديس: مسيرة حياة (الجزء1)- الدكتور مولود عويمر

الإمام عبد الحميد بن باديس رائد من رواد النهضة الإسلامية الحديثة، شهد بعبقريته، واعترف بعظمة جهاده الشيخ محمد الغزالي والإمام حسن البنا والمفكر مالك بن نبي والدكتور محمود قاسم والدكتور محمد عمـارة وغيرهم من علماء الإسلام، وجـاك بيرك (Jacques Berque) وشـارل أندري جوليـان (Charles André Julien)، وشارل روبير أجيرون  (Charles-Robert Ageron)، وغيرهم من علماء الغرب.

masare-oua-afkar

ما هي العوامل الثقافية والاجتماعية المؤثرة في بناء شخصية ابن باديس؟ وما هو منهجه في التغيير؟ وما هو دوره في الحركة التحررية الجزائرية؟

كل هذه الأسئلة نجيب عنها بإيجاز في هذا المقال مع التعرض أيضا بصورة مختصرة لآثاره، وصدى دعوته في العالم الإسلامي.

مولده ونشأته:

ولد ابن باديس في ربيع الثاني 1307هـ / 4 ديسمبر 1889م في قسنطينة، عاصمة الشرق الجزائري. وينتسب إلى أسرة غنية ومعروفة في تاريخ الجزائر. درس عبد الحميد مبادئ اللغة العربية على الشيخ حمدان الونيسي       (1856-1920)، وحفظ القرآن على الشيخ محمد المداسي، وصلى بالناس صلاة التراويح، وهو مازال شابا صغيرا.[1] أرسله والده في عام 1908 إلى تونس لتحصيل العلم في جامع الزيتونة العريق. فدرس الأدب العربي على الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وتفسير القرآن على العالم الكبير محمد النخلي، والتاريخ العربي والإسلامي على الأستاذ البشير صفر.

كان هؤلاء العلماء الثلاثة من خيرة أساتذة الزيتونة ورواد النهضة في تونس. وقال ابن باديس عن تأثير الأستاذ الصفر في شخصيته: “وأنا شخصيا أصرح بأن كراريس البشير الصفر الصغيرة الحجم الغزيرة العلم هي التي كان لها الفضل في إطلاعي على تاريخ أمتي وقومي والتي زرعت في صدري هذه الروح التي انتهت بي اليوم لأن أكون جنديا من جنود الجزائر.”[2] وفي عام 1911م، نجح في امتحان شهادة التطويع (العالمية) متحصلا على المرتبة الأولى في دفعته التي تضم ثمانين طالبا ولم ينجح منهم إلا اثنا عشر[3] فقط. عاد بعد ذلك إلى الجزائر للتدريس والاشتغال بالإصلاح.

وفي عام 1913م، سافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج والاتصال بعلماء الشرق، فالتقى بأستاذه الشيخ حمدان الونيسي الذي صار مدرسا بالمسجد النبوي ومحمد البشير الإبراهيمي والعالم الكبير الشيخ حسين أحمد الهندي وألقى دروسا في مسجد رسول الله r. لما أراد الاستقرار في الحجاز، نصحه الشيخ الهندي بالرجوع إلى الجزائر لخدمة دينه ووطنه. عند عودته إلى الجزائر في 1914م، مر ابن باديس بالشام واجتمع بعلمائه وأدبائه، وزار مصر وعلمائها كالشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية آنذاك فأجازه. وزار أيضا الجامع الأزهر، واطلع فيه على مناهج التدريس.

ابن باديس مربياً:

يعتبر ابن باديس التعليم أساس الإصلاح، وصلاحَ العلماء شرط لكل تغيير حضاري “لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم (…) ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم (…) ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه في مادته وصورته.”[4] أو بمعنى آخر يجب الاعتماد على القرآن والسنة وكتب السلف الصالح بوصفها مقررات مقررات أساسية لتعليم النشء دينهم ولغتهم العربية الصحيحة وتاريخ أمتهم والحفظ وسيلة والمسجد مكاناً. يقول ابن باديس عن رسالة الجامع: “إذا كانت المساجد معمورة بدروس العلم فإن العامة التي تنتاب تلك المساجد تكون من العلم على حظ وافر وتتكون منها طبقة مثقفة الفكر، صحيحة العقيدة، وبصيرة بالدين فتكمن هي في نفوسها ولا تهمل – وقد عرفت العلم وذاقت حلاوته – تعليم أبنائها وهكذا ينشر العلم في الأمة ويكثر طلابه في أبنائها.”[5] فللمسجد إذن وظيفة تربوية ودور اجتماعي فعال في حياة المسلمين.

وقد اتخذ الإمام عبد الحميد بن باديس الجامع الأخضر مركزاً لنشاطه التربوي وكان يحضر دروسه عدد كبير من الطلبة. ويدّرس فيه التفسير والحديث والفقه والعقيدة وعلم التجويد والنحو والصرف والحساب والجغرافيا. ونملك اليوم عدة شهادات للطلبة الذين درسوا في هذه المؤسسة التربوية.[6]

ولا يكتف فقط بهذه العلوم والآداب العربية؛ فيحث أيضا طلبته على تعلم اللغة الفرنسية، إذ صارت مادة مقررة على التلاميذ في جمعية التربية والتعليم الإسلامية التي كان يشرف عليها في قسنطينة. ولم يخف ابن باديس يوما إعجابه بالثقافة الفرنسية وكثيرا ما استدل في مقالاته ودروسه بالعلماء الفرنسيين خاصة غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) صاحب الكتاب الشهير حضارة العرب. يقول أحد المواظبين على دروس ابن باديس: “يقضي الشيخ بياض نهاره وزلفا من الليل في إلقاء الدروس واحدا تلو الآخر وختامها درس التفسير (…) وقد ترتفع عددها إلى ثلاثة عشر درسا أحيانا في اليوم الواحد (…) وخلال شهر رمضان يزداد الشيخ حيوية ونشاطا أكثر من ذي قبل، فيضيف إلى دروسه المألوفة، درسا في شرح متن صحيح البخاري قبيل صلاة الظهر حرصا على إفادة جمهور المصلين هذا الدرس في الحديث النبوي.”[7]

وكان ابن باديس متواضعاً مع تلاميذه، فيشجع المجتهدين ويقربّهم أكثر منه. وهذا ما يؤكده واحد منهم وهو محمد الصالح رمضان، فيقول: “استدعاني الإمام بعد ثلاث سنوات فقط من التلمذة عليه لأعاونه في التدريس لطلابه بقسنطينة مع معاونيه، ثم عينني معلما في مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة، ومع ذلك لم أنقطع عن دروسه العامة، وخاصة درس التفسير حتى لقي ربه.”[8]

وراسل ابن باديس علماء الزيتونة والأزهر للحصول على منح دراسية لطلبته، وقد تدخل العالم المصري الشيخ محمد عبد الله دراز عدة مرات لدى شيخ الأزهر لصالح تلاميذ ابن باديس.[9] فأوفد بعثات طلابية إلى القاهرة وتونس ودمشق. وكان ابن باديس يضع آمالا كبيرة فيها، وينظم حفلة كل عام لاستقبال، وتكريم المتخرجين بتفوق. يقول محمد الصالح بن عتيق الذي تخرج من جامع الزيتونة في منتصف الثلاثينات: “عدت إلى الجزائر (…) أحمل الشهادة وفرح بذلك أهلي، ولكن فرح أستاذنا العظيم كان أكبر، فقد استقبلني مع بعض الإخوان الذين فازوا في امتحان الشهادة استقبالا رائعا، فأقام لنا حفلا مضيفا  (…)وأهاب بنا إلى القيام بالدعوة الإصلاحية وفي الجهة التي نكون بها (…) ولم يكتفِ رحمه الله بهذا الفضل (…) ونشر أسماءنا في مجلة الشهاب تحت عنوان “نجوم الجزائر” تشجيعا لنا وتعريفا للأمة بنا.”[10]

ومن أشهر تلاميذ ابن باديس نذكر الفضيل الورتلاني، المبارك الميلي، سعيد البيباني، سعيد صالحي، باعزيز بن عمر، عبد الطيف سلطاني، أحمد حماني، علي مرحوم، محمد الصالح بن عتيق، أحمد بن ذياب، محمد الصالح رمضان…الخ.

ويرى كثير من الباحثين والمؤرخين في مشروع ابن باديس الإصلاحي امتدادا لحركة الإمام محمد عبده، إذ تأثر ابن باديس في شبابه بالحركة السلفية ومدرسة الإمام محمد عبده عن طريق أساتذته بالجامع الزيتونة خاصة محمد الطاهر بن عاشور ومحمد النخلي ما بين 1908م-1912م، وخلال زيارته للمشرق العربي في عام 1913م، وعن طريق المجلات والصحف الإصلاحية التي تصل إلى الجزائر رغم الرقابة الشديدة التي كانت تمارسها السلطة الاستعمارية، واتصاله بالعلماء الجزائريين الذين عادوا إلى الجزائر بعد دراستهم في مصر والحجاز، إلا أنه لا يمكن جهل بعض الخصائص التي تتعلق بالوضع الاستعماري للجزائر وعبقرية ابن باديس دون إجحاف لدور محمد عبده كما فعل بعض الباحثين كالدكتور فهمي جدعان الذي يرى أن مشروع ابن باديس الإصلاحي “جاء نتيجة للظروف التاريخية التي مرت بها الجزائر المستعمرة، ولم يجيء نتيجة تأثر مباشر بأفكار محمد عبده.”[11]

والمشروع الإصلاحي عند ابن باديس يتمثل في المقام الأول في التركيز على تربية النشء  باعتباره وسيلة لتحضير مستقبل الجزائر، وتوعية الشعب الجزائري حتى يقف سدا منيعا لسياسة الاندماج والاستيطان التي تنتهجها فرنسا في الجزائر. وقد استمد ابن باديس فلسفته من الآية القرآنية «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.» (سورة الرعد، آية 13). وبهذا الربط بين الإصلاح التربوي المؤسساتي والسياسي، تفادى الإمام عبد الحميد بن باديس الأخطاء المنهجية التي وقع فيها رواد “المشروع التحرري”[12] الذين سبقوه، فقد ركز كلّ من جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمان الكواكبي على التغيير السياسي، واهتم محمد عبده خاصة بالجانب التربوي.

من كتاب “عبدالحميد بن باديس: مسار و أفكار” للدكتور مولود عويمر
اصدارات جسور للنشر و التوزيع 2012

متوفر في نقاط البيع في مختلف انحاء الوطن:
http://joussourdz.com/points-of-sale/

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*