الإصلاح الذي لا يجعل النهوض باللغة الوطنية أحد منطلقاته ليس إصلاحا- عبدالقادر فضيل

ecole algerienne  web [1600x1200]

النغمة التي نسمعها كثيرا هي: أننا نعيش عصرا متطورا يفرض علينا أمرين إثنين:

الامر الأول : هو أن ننفتح على العالم المتطور، و نمكن أبنائنا من التحكم في عدد من اللغات، ( و لكن اللغة الهدف هي الفرنسية( ليستطيعوا بها مواجهة العولمة الزاحفة، و مباشرة التطورات العلمية و التكنولوجية، و الإسهام في الحضارة المعاصرة.

الأمر الثاني: هو أن اللغة العربية لم تعد بحكم الأوضاع التي تعيشها البلدان العربية في مستوى اللغات العالمية التي خدمها أهلها و طوروها، و من ثم لا يمكنها – في رأيهم- أن تنافس هذه اللغات في المجالات العلمية و التكنولوجية إذا لم نطورها و ننهض بها، و هو الامر الذي يستلزم تأجيل العمل بها إلى حين.

هذا ما نسمعه يتردد كثيرا، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هل التفتح على اللغات معناه إقصاء اللغة العربية من وظيفتها؟ فالتفتح لا يلزمك بان تنسى ذاتك، أو تذوب في غيرك، فالتفتح شيء و التضبث بأساس الهوية ( اللغة ) شيء آخر، و لا تنافر بين الأمرين، و هذه القضية معروفة عند الناس جميعا، غير أن الأمر عندنا يختلف تماما، فالمسؤولون يجعلون الدعوة إلى التمسك باللغة العربية سلوكا منافيا للتفتح، و من ثم يعتبرون المطالبين بتعميم التعريب في المجالات المتبقية رجعيين و متزمتين، لأنهم في نظر هؤلاء معادون للتفتح، و لست أدري من أين جاءهم الاستنتاج؟

هذا الفهم السيء للتفتح لا وجود له إلا عندنا، و كذلك الأمر بالنسبة إلى مفهوم العصرنة التي تعني عند هؤلاء التوجه الكلي نحو التعامل مع اللغات الأجنبية، و السير وفق الأفكار العلمانية، فهم يرون أن الذي لا يتفتح فكرا و لسانا و سلوكا على اللغات الأجنبية و الثقافات التي تحملها لا يمكن أن يكون عصريا في توجهاته و في تفكيره، لانه يبقى مرتبطا بماضيه و نظرته إلى الحياة، التي تحددها له ثقافته الخاصة، و هذا غير صحيح، إن هذا الفهم السيء للتفتح و العصرنة هو الذي كان له تأثير سيء على الموقف الرسمي من قانون التعربي، و على الجهود التي ظلت تبذل في مجال تعريب التعليم و توسيع نطافه.

و هناك تساؤل آخر يطرح نفسه كذلك بالنسبة الى الوضعية التي تعيشها اللغة العربية في بلادنا، نجحن نريد من هذه اللغة أن تكون في مستوى اللغات العالمية وةو انتشارا، و لكننا نحجر عليها و نمنعها من مزاحمة هذه اللغات ، لأننا لا نتيح لها أن تمارس وظائفها الحية في مجال التعليم، إننا ننسى أمرا مهما و هو : أن اللغة لا يمكنها أن تتطور و تساير عصرها، و تلبي حاجات المجتمع إذا أبقيناها مهمشة.

و من الحقائق اللغوية التي يعرفها كل الناس هي أن اللغة لا ترقى و لاتتطور إلا إذا مكناها من ممارسة وظائفها في الحياة، شأنها شأن أي لغة في العالم، و أهم وظيفة لها في حياتنا هي ترجمة الفكر، و نقل المعارف العلمية، و تلقينها للناشئة، فكيف نريد من اللغة العربية أن تتطور، و تسترجع مكانتها بين اللغات من غير أن نخرجها من الزاوية الضيقة التي وضعت فيها .

فالإصلاح الذي لايجعل النهوض باللغة الوطنية أحد منطلقاته و أهم محاوره ليس إصلاحا حقيقيا، و مشاريع التطوير التي تتجاهل لغة البلاد التي يجب أن تكون لها الريادة في كل نشاط تمارس فيه اللغة مشاريع فاشلة، لاتتحقق للبلاد ماتنتظره.

و المشكلة اننا نتجاهل هذه الحقائق، و نبحث عن مسوغات لهذا التجاهل ، حتى لا تكون مواقفنا مزعجة لفرنسا، لأنها ( فرنسا) ادركت في السنوات الأخيرة أننا نسعى إلى التقرب منها و نيل رضاها، متناسين الماضي، و يهمها هذا كثيرا، لذلك أبدت اهتمامها بما يجري في الجزائر، و لم تعد تبخل علينا بما نطلبه منها في المجالات التي تخدمها، çو تخذم ثقافتها و لغتها، و لاشك أن توافد الخبراء الفرنسيين على وزارة التربية منذ السنوات الماضية يدخل في هذا الاطار ، إنهم – الخبراء- يريدون أن يقدموا للزراء المساعدات الفنية التي تتطلبها المشاريعالرامية إلى زيادة الاهتمام باللغة الفرنسية، و تكريس العمل بها، و جعلها اللغة الأساسية في التعليم بجميع مراحله، إن هؤلاء الخبراء هم الذي يوجهون أعمال اللجان التي تكلف ببناء المناهج، و يرسمون لها التوجهات الخاصة بالطرائق و الأساليب. و لعلهم سيتكفلون بغحضار الكتب و الوسائل و هذا ليشس ببعيد.

 

من كتاب ” المدرسة في الجزائر : حقائق و اشكالات”  للدكتور عبدالقادر فضيل

إصدارات جسور للنشر و التوزيع 2013

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*