اقرأ .. اقرأ: منزلة القراءة في الإسلام

لأهمية القراءة في الإسلام كانت أول كلمة في أول سورة نزلت على  الرسول صل الله عليه و سلم هي أمره بالقراءة بادئاً باسم الله كما قال الله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } ثم كرر الأمر بها فقال { اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } .Iqraa_by_ArabicHero

وكان الأمر بهذه القراءة فاتحة لقراءة هذه الأمة عالَمَ الأرض والسموات و فيهما و بينهما من أفلاك  وأقمار ومجرات وبحار وسحاب ومطر وبرق ورعد وبَرْد وحَر وجليد وحيوانات لا يحصيها إلا خالقها في البر والبحر والجو وجبال متنوعة في كبرها وصغرها وألوانها وأنهار هي شرايين الحياة في الأرض تصل بين الجبال والسهول والبحار تمد البشر والحيوانات والأرض بماء الحياة وتمكن الناس من الانتقال بواسطتها من مكان إلى مكان  لا حيلة لهم – في كثير من المناطق- في ذلك التنقل بدونها يأكلون من طري أسماكها ويلبسون من جواهرها وحليها ، وأشجار وغابات يتنفس البشر مِن هوائها النقي . وأمر الله هذه الأمة بالقراءة في سورة هي مِن أول السور المكية نزولاً فقال لهم :

{ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ } وقال { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } وبذلك أصبحت أمة الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب ، تعلِّم عالَمَ الأرض مِن ذوي الحضارات العريقة علوم الدنيا والآخرة ومعارف الأرض والسماء وسياسة الأمم العادلة التي تجلب لها السعادة وتدفع عنهم الضنك والشقاء .

وقد كان الصحابة والسلف رضوان الله عليهم يسعون إلى طلب العلم بأي وسيلة كانت ومهما كلف الوصول إليها مِن جهد وعناء ، فهذا عبد الله بن مسعود e كان إذا تلا قوله تعالى { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} قال ” اللهم زدني علمًا وإيمانًا ويقينًا ” .

وقد بلغ الرسول صل اغلله عليه و سلم مِن شدة اجتهاده وطلبه أن قال : ” والله الذي لا إله غيره ما أُنزلت سورة مِن كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت ، ولا أُنزلت آية مِن كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت ، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلُغُه الإبل لركبتُ إليه ” .

وهذا أبو هريرة رضي الله عنه حافظ الصحابة يصفه صل الله عليه و سلم بالحرص على العلم فقد عقد البخاري في (صحيحه) : (باب الحرصُ على الحديث) وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه وسؤاله النبي صل الله عليه و سلم عن أسعد الناس بشفاعته ؟ وقوله  له : ( لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدُ أول منك  لِما رأيت مِن حرصك على الحديث … ) .

قال البدر العيني في ( عمدة القاري ) : (( فيه  الحرص على العلم والخير  فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض ودقيق المعاني لأن الظواهر يستوي الناس في السؤال عنها لاعتراضها أفكارهم ، وما لَطُفَ مِن المعاني لا يسأل عنها إلا الراسخ فيكون ذلك سببًا للفائدة ، ويترتب عليها أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة )) .

وهذا جابر بن عبد الله  الأنصاري  – رضي الله عنهما – يرحل مِن المدينة النبوية إلى مصر – مسيرة شهر على البعير – مِن أجل سماع حديثٍ واحد ، فخاف أن يموت ولم يَسمعه .

وأخرج الدارمي بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة : (( أن رجلاً مِن أصحاب النبي صل الله عليه و سلم رحل إلى فضالة بن عُبيد وهو بمصر ، فقدمَ عليه فقال : أما إني لم آتكَ زائرًا ولكن سمعت أنا وأنت حديثًا مِن رسول الله صل الله عليه و سلم رجوتُ أن يكون عندك منه علم …

نعمة القراءة

القدرة على القراءة نعمة مِن نعم الله كغيرها مِن الوسائل التي آتاها الله ابن آدم وإذا أردت أن تعرف هذه النعمة العظيمة فما عليك أيها القارئ إلا أن تقارن بين نفسك وبين من لا يقرأ مِن أقاربك أو أصدقائك لترى الفرق الهائل بينك وبينهم ، فأنت تنظر إلى الحروف المترابطة التي تتكون منها الكلمات ، والكلمات المتتابعة التي تتكون منها الجمل المفيدة ، والجمل المفيدة التي تتكون منها الموضوعات الكاملة التي قد تثمر كتابًا أو مجلدات وأنت تتابعها حرفًا حرفا وكلمةً كلمة ، جملةً جملة ، وسطرًا سطرا ، وموضوعًا موضوعا ، وكتابًا كتابا ، ومجلدًا مجلدا ، تغذي بمعانيها عقلك الذي لا يزال ينمو ويترقى في سلم أعالي العلوم والمعارف بشتى أنواعها ، وهي التي تستحثه بقراءاتك المتكررة لشتى أنواع الثقافة ، إلى أن يكون ( العقل ) ميزانًا لما ينفعك من التصرفات ، فيشعل لك بذلك سراج الهداية لتستضيء به في مسيرة حياتك لتشبث بكل نافع ومفيد ، وميزانًا لما يضرك من النشاطات ، فيرفع لك معلم التحذير من سلوك سبيل الباطل التي تحرضك على سلوكها نفسك الأمارة بالسوء ، والهوى المردي ، والشيطان الرجيم ، فيتعاون العقل السليم والفطرة النيرة والوحي المبين ، على قيادتك إلى ربك لتحقيق ما ترضيه به في دنياك وآخرتك .

إن القراءة تصل القارئ بالعصور الغابرة من التاريخ ، بما فيه من خير وشر ، وتعجله – إذا دوّن أفكاره – متواصلاً مع الأحقاب اللاحقة ، ينقل للأجيال القادمة أحداث عصره ، وعادات جيله ، وتاريخ أمته ، كاشفاً لهم تجارب عصره ، بما فيه من إيجابيات يدعو لاقتفائها ، وسلبيات يحذر من الوقوع فيها ، أما من لم يقدر له الله أن ينال هذه النعمة – نعمة القراءة – فلا تراه يفرق بين المكتوب والمرسوم ، واللعب والجد والحق والباطل ، مما يسطر في صفحات الكتب والجرائد والمجلات ، والألواح والصخور ، إلا بأن هذا لون ذلك لون صوّرته له الرؤية  ، لا يعلم من محتواه شيئًا ، ولا يدري من مضمونه عرفًا ولا نكرًا ,  يرى الحروف والكلمات والجمل والسطور, رؤية قد  يعجبه جمالها , دون أن يعرف ما تحمله في أحشائها من جواهر و أصداف, أو ما أثقلت به صنوانها  الدانية و أغصانها من ثمار لذيذة يانعة .

لا فرق بينه وبين صبي خرج لتوه من رحم أمه , أو مجنون فقد عقله , فكلهم حُرم من التمتع بنعمة القراءة , إلا أن الصبي والمجنون معذوران بسقوط التكليف عنهما , وهو من المؤهلين للتكليف العيني والواجب الكفائي في أمور دينه ودنياه .

 من كتاب ” عاشق” للدكتور عائض القرني

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*