أدب الأطفال نشأته وأهميته

يرى علماء نفس الطفل أن الاستمتاع بالقصة يبدأ عند الطفل منذ أن يتمكن من فهم ما يحيط به من حوادث وما يذكر أمامه من أخبار، وذلك في أواخر السنة الثالثة من عمره فهو على صغر سنه ينصت للقصة القصيرة ويشغف بسماعها ويطلب المزيد، وكل منا يذكر الليالي والأوقات السعيدة التي كان يمضيها وهو يستمع من أمه أو جدته الحكايات والأقاصيص التي تدور حول الجنيات والعفاريت والحيوانات.


يقول (غوركي).. أما أنا فكنت أحب في أعقابها (الجدة) وكأنني قطعة منها وقد دلت الدراسات على أن للجماعات البدائية قصصاً شائعة سردها الكبار للصغار وهذه القصص إذا تركت من غير إصلاح أو تهذيب أو إشراف ربما أصبحت عاملاً ضاراً في تربية الطفل الناشئ لذا كان من واجب المدرسة والمؤلفين والمسؤولين عدم إهمال الناحية التربوية التي يكتسبها الطفل من الأدب القصصي الشعبي. ونحن نعرف أن للقصة فكرة ومغزى وأسلوباً وخيالاً ولغة وأن لكل هذه العوامل أثراً في تكوين الطفل، ومن هنا نشأت ضرورة الاستفادة من القصة في البيت والمدرسة وضرورة اختيار الصالح لعقلية الطفل وهي وإن لم تكن عنيت في الأدب القديم بالقصة وبتأليفهما كما عنيت بها اللغات الخرى فإنها في أيامنا هذه قد أفسحت المجال للصة وإنتاجها وفي السنوات الأخيرة ظهر عدد كبير من قصص الأطفال بعضها مترجم وبعضها موضوع وأصبحت جزءاً من مادة اللغة العربية التي يستعملها الطفل في المنهج المدرسي ولما كان الطفل في السنة الأولى وفي الروضة غير قادر على القراءة فإن من واجب المعلمة سردها على مسمعه ففي سرد القصة جمال آخر هو جمال التعبير الذي يسمو بها ويزيد من قيمتها الفنية ويبعث فيها حياة جديدة ويشد إليها الطفل وكذلك يمكن طبع بعض الصور على ورق سميك يمثل بعض الحيوانات والمشاهد المألوفة المتسلسلة التي يعبث بها الأطفال كما فعلت بعض الأمم، وعن طريق اللعب والسؤال يتعلم منها بعض الكلمات والجمل الجديدة.
وفي محاولة الطفل سدر القصدة بعد سماعها تدريب له على التعبير عن أفكاره والسيطرة على لغته وتنظيم أفكاره وإصلاحها. وبذلك تمكن من اللغة والأسلوب وفيها أيضاً تمرينه فن السرد الذي قد يصبح موهوباً فيه.
ولما كان أدب الأطفال يتركز حول القصة، إذ لا بد من ذكر بعض شروط قصص الأطفال باعتبارها الركيزة الأولى في أدب الأطفال.
تعتبر الفنون كالرسم والتصوير والنحت والتمثيل والموسيقى والغناء والرقص والأدب مصدراً من مصادر التربية، وتذوق الجمال وتنمية الخيال، فهي غذاء للوجدان والعقل في آن واحد وهي للصغار والكبار ولو اختلفا بها.
والقصة فرع من فروع الأدب عرفته الشعوب قاطبة، وتناقلته الأجيال بصورة شفهية في بداية الأمر حيث كان الرواة والقصاصون يسردون على مسامع الكبار في اوقات فراغهم وفي ليالي سمرهم، حكايات الأبطال والالهة والمردة والعفاريت والحكمة ويمزجون بين الخرافات والأساطير والملاحم.
وفي بعض الأحيان كان الراشدون يسردون على مسامع الصغار هذه الحكايات قبل إرسالهم إلى النوم طبعاً بلغة مبسطة يستطيع فهمها الصغار، وهكذا ظلت تلك الحكايات شفهية بعيدة عن الأدب وعن الكلمة الرفيعة إلى أن ظهرت الطباعة وانتشر التعليم وفرضت إلزامية التعليم، وظهر جمهور واسع من القراء الصغار ما دفع الناشرين إلى مضاعفة جهودهم في سبيل إشباع حاجة هذا الجمهور النهم إلى القراءة.
لكن هذه الجهود كثيراً ما كانت تضع الربح نصيب عينيها وتفضله على الأهداف التربوية وغيرها والقصة نوع من الأدب له جماله ومتعته إذا أحسن وصفه وخلقه وأجيد اختيار الوسيط الذي يؤديه وهي أدب مقروء أو مسموع أو مرئي.
عني علماء النفس والتربية بدراسة أنواع القصة من حيث الفكرة لمعرفة أي القصص أكثر ملاءمة للطفل والمراهق والبالغ في الأطوار المختلفة لنموهم العقلي والوجداني وهم يرون أن لكل عمر قصصاً تلائمه وأن لك نوع من هذه القصص سماته ففي مرحلة الطفولة المبكرة لا يمل الطفل تكرار القصة بينما يحدث العكس في مرحلة أكثر تقدماً كذلك يشغف الصغير بالقصة التي يقلد فيها راويها أصوات الحيوانات أو الطبيعة أو يمثل حركات أبطالها.
وهم يتسللون أو يهجمون أن يترنحون حتى تصبح الصورة أكثر تجسيماً وتقريباً وإثارة.
أما في مرحلة لاحقة فيصبح خيال الطفل قادراً على تجسيم ما يسمعه من أحداث القصة وفي هذه المرحلة يستمتع الأطفال بالقصص المصورة، وفي سن السابعة يقل اهتمام الأطفال بالكتب المصورة ويميلون إلى القصص الواقعي والفكاهي المستمد من الحياة.
ومن سن التاسعة: ترتفع حماسة الأطفال للمطالعة ويميلون إلى قراءة أدب أكثر واقعية فيتجهون لقراءة القصص التي تدور حول الرياضة والهوايات الكشفية.
كما تميل البنات إلى القصص التي تدور أحداثها في المنزل، وقد يفضل بعضهن الأشعار الخفيفة العاطفية أما في سن الثانية عشرة والرابعة عشرة، هنا تبدأ الفروق الجنسية بالظهور فيميل الصبيان إلى الغوص في أعماق الكتب التي تبحث الحقائق والاختراعات الاكتشافات أما البنات فيزداد إقبالهن على القصص العاطفي.
وقد قسم علماء النفس ورجال التربية حياة الطفل والمراهق إلى أطوار ولاحظوا أن كل طور يهتم بنوع من القصص.
لكي ينجح الكاتب في كتابة قصص الأطفال يستحسن أن يكون ممن مارسوا مهنة التعليم فترة طويلة من الزمن وعاشوا مع الصغار، وعرفوا لغتهم غير أن هذا الشرط ليس إلزامياً عند الموهوبين أو الآباء أو الكتاب الذين يغنون خبرتهم بالاطلاع على علم نفس الطفل وعلم التربية وعلى ما يكتب للأطفال في العالم.
يستطيع الطفل أن يفهم لغة أعلى من لغته وأسلوباً أرقى من أسلوبه بقليل ولإغناء لغته يجب على الكاتب إغناء لغة الطفل بإضافة بعض الألفاظ الجديدة في كل قصة يقرؤها. وقد عني الأوروبيون بدراسة قاموس الأطفال والكلمات التي تناسب سنوات نموهم المختلفة وصار المؤلفون يستعملون الكلمات المناسبة تسهيلاً للفهم كما في كتب الدكتور “ويست” من خلال ما تقدم نستطيع أن تعرف الدب بشكل عام بأنه:
“بحر واسع والتأليف فيه مختلف النواحي منوع الألوان ولاسيما إذا خرج به عن المعنى الغني الضيق الذي له في أذهاننا وهو التعبير الجميل نثراً وشعراً إلى المعنى الثقافي الواسع الذي كان له في أذهان القدماء، وهو الأخذ من كل علم بطرف”.
وهذا يعني أن مفهوم الأدب واسع ليشمل الحياة كلها وأن حصره في الشعر والنثر الغني لا ينسجم ومفهومه الواسع، فهو يشمل التاريخ والجغرافية والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وبهذا عبر الرسول الكريم قائلاً: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”.
وهو ليس وقفاً على دواوين الشعر وكتب النثر ولكنه في كتب الفلسفة والطب والتربية والتاريخ، إنه في كتب ابن سينا والفارابي وابن الأثير وابن جرير المسعودي وابن خلدون وابن بطوطة.. لكنه مع تطرو الحياة أخذ تعريف الأدب يقتصر على مجموعة الآثار المكتوبة التي يتجلى فيها العقل الإنساني بالإنشاء أو الفن الكتابي حتى قيل إنه الفن الذي أبدعه الكتاب والشعراء من جميل الشعر والنثر وكان مصدراً للعواطف الإنسانية وراسماً للناس صور الحياة على اختلافها في الطبيعة والمجتمع والسياسة وغيرها وبذلك يعد الأدب فناً عظيماً من الفنون الجميلة أداته اللغة التي تصور ما به من أفكار وأحاسيس.
وأدب الأطفال لا يختلف عن أدب الكبار في جوهره وأداته ولكنه يختلف عنه من حيث الموضوع الذي يتناوله والفكرة التي يعالجها ومستوى الأسلوب.
“فهو مجموعة الانتاجات الأدبية المقدمة للأطفال التي تراعي خصائصهم وحاجاتهم ومستويات نموهم”.
وأدب الأطفال رغم إنه يتميز بالبساطة والسهولة إلا إنه لا يعد “تصغيراً” لأدب الراشدين لأن لأدب الأطفال أنفسهم إذ أن الأطفال يختلفون عن الراشدين لا في درجة النمو فحسب بل في اتجاه ذلك النمو أيضاً، حيث أن حاجات الأطفال وقدراتهم وخصائصهم الأخرى تختلف ي اتجاهاتها عما يميز الراشدين فهناك صفات معينة تختص بها الطفولة وحدها وهي تزول أم تمحى عندما يشب أولئك الأطفال لذا فإن الزاد الثقافي أدبياً كان أو غير ادبي هو زاد متميز ما دامت الطفولة مرحلة نمو متميزة وهذا الزاد لا يشكل بالضرورة تصغيراً أو تبسيطاً لزاد الراشدين الثقافي.
ومن هنا فإنه يقصد بأدب الأطفال “كل ما يقدم للأطفال من مادة مكتوبة سواء أكانت كتباً أو مجلات، أو كانت قصصاً أو تمثيليات أو مادة علمية”.
وعلى هذا فأدب الأطفال فرع جديد من فروع الأدب الرفيعة يمتلك خصائص تميزه عن أدب الكبار رغم أن كلا منهما يمثل آثاراً فينة يتحد فيها الشكل والمضمون وهي في مجموعة الآثار الفينة التي تصور أفكاراً وإحساسات وأخيلة تتفق ومدراك الأطفال وتتخذ أشكال القصة والمسرحية والمقالة والأغنية.

أهمية أدب الأطفال:

أدب الأطفال ضرورة وطنية وقومية وشرط لازم من شروط التنمية الثقافية المنشودة في عقدها الدولي، بل إن أي تنمية ثقافية تتجاهل أدب الأطفال أو تهمله ناقصة وتفتقر لجذورها لأسباب تتعلق بطبيعة التكوين المعرفي والتربوي للإنسان ولأدب الأطفال طابعه التربوي والقومي والشعري والإيديولوجي لمواجهة الغزو الثقافي والإعلامي الاستعماري.
ولهذا رغم الحديث عن الضرورة الوطنية والقومية لأدب الأطفال فقد أغفلت أهمية أدب الأطفال في الوطن العربي طويلاً وما زال الكثيرون منهم يترفعون عن مخاطبة الناشئة في أدب يساعد على نماء جماهير الأطفال الواسعة، وبما تميله اعتبارات هذه المخاطبة التربوية والفنية.
وإذا كنا نلحظ اهتماماً بأدب الأطفال في بعض الأقطار العربية ومنها سوريا وفي بعض أجناسه وفي الكتابة له وعنه، فإن الحاجة لهذا الأدب ضرورة تستدعيها إرادة بناء الإنسان العربي بالدرجة الأولى لما لهذا الأدب من دور كبير في عمليات التنمية الثقافية والاجتماعية والسياسية، وإن ثمة تحديات تواجه الثقافة العربية في وجه العموم والتربية العربية منها على وجه الخصوص إزاء تطوير ادب الأطفال وانتشاره إلى ملايين الأطفال الذي هم أحوج ما يكونون إليه في ظروف التحول الاجتماعي الخطيرة التي تشهدها المنطقة العربية، ولعل من أولى الصعوبات ذلك التقييد الهائل في وسائط الاتصال الحديثة، إذ تبدلت كثيراً وسائط الثقافة وتنوعت تقنيات مخاطبة الأطفال وازدادت تشابكاً وتعقيداً وتنوعت تقنيات مخاطبة الأطفال وازدادت تشابكاً وتعقيداً وتراجع أو كاد يمحي الدور التقليدي للأسرة ولا سيما الجدة والأم والمدرسة والتجمعات واللقاءات الشعبية الشفهية والعفوية وحلت محلها وسائط الاتصال الحديث والتقنيات المتطورة الهائلة في نقل الأدب إلى الأطفال ولقد أجمع أدباء الأطفال في العالم على خطورة وضع الأطفال في عالمنا الراهن والمخاطر التي تقف في وجه أدب الأطفال الجيد وأبدوا قلقهم المتزايد حيال المصائر التربوية، والتنموية لأدب الأطفال، وتتوالى اعترافات هؤلاء الأدباء ورجال التربية في أكثر من مكان في المعمورة داعية إلى الدفاع عن الأطفال ضد الأدب الرديء.
ويؤلف أدب الأطفال دعامة رئيسية في تكون شخصيات الأطفال عن طريق إسهامه في نموهم العقلي والنفسي والاجتماعي والعاطفي واللغوي وتطوير مداركهم وإغناء حياتهم بالثقافة  التي نمسيها ثقافة الطفل وتوسيع نظرتهم إلى الحياة  وإرهاف إحساساتهم من إطلاق خيالاتهم المنشئة وهو ليس أداة بحد ذاته لفائدة الطفل بقدر ما هو أداة للنهوض به من خلال قدرته على تنمية عملياته المعرفية المتمثلة بالتفكير والتخيل والتذكر.
ذكرنا أن أدب الأطفال نشأته عالمياً في بدء نشوئه اعتمد على تكل الخرافات والحكايات التي كانت الأمهات والجدات يقصصنها على الأطفال.
والتي لا يمكن أن تعد أدباً حقاً للأطفال لأنه لم يراع في صوغها تلاؤمها مع خصائص الطفولة وميزاتها، والإنسان لم يكتشف الطفل إلا في وقت متأخر جداً ففي المجتمعات قبل عصر التعلم كان الطفل مرئياً من خلال علاقته الاجتماعية والاقتصادية والدينية للقبيلة أو الطائفة التي ينتمي إلهيا. ولو حاولنا أن نتتبع نشأة أدب الأطفال لاكتشفنا أن أطفالنا ظلوا يتامى الأدب حتى وقت قصير ففي أواسط القرن الثامن عشر نادى الفيلسوف “جان جاك روسو” 1712 – 1778 بأن هدف التربية  هو أن يتعلم الإنسان كيف يعيش وأن تترك للطفل فرصة تنمية مواهبه الطبيعية.
وقد التقى بذل مع “جون لوك 1635 – 1704” بآرائه التربوية الفلسفية واستجاب كثير من المربين لصيحة روسو لكنهم أمطروا الأطفال بوابل من قصص المعلومات والحقائق بعيداً عن الخرافات وقصص الخيال متجاهلين مشاعر وإحساسات الأطفال ما أدى إلى عزوفهم عنها، ومن هنا فقد قيل إن الفرنسيين كانوا أول من كتب للأطفال في القرن السابع عشر ثم تلاهم الإنكليز في هذا الميدان حيث أدخلت أمثولات لافونتين (1621 – 1695) ادب الأطفال فصدرت في (220)  خرافة موزعة على اثني عشر كتاباً وكان من أوائل الذين كتبوا خصيصاً للأطفال الشاعر الفرنسي (تشارلز بيرو) 1618 – 1703 وكانت أولاها حكايات (أمي الإوزة) حيث وضع اسم ابنه كمؤلف لها مخافة أن تؤثر في الإقلال من شأنه الأدبي حيث كان ينظر إلى الكتابة للأطفال وكأنها ليست إبداعاً فنياً، ولكن وبعد أن تنبه الناس إلى أهمية أدب الأطفال إلى حد ما… عاد وأصدر مجموعة قصصية أخرى للأطفال  وثبت اسمه عليها منها سندريلا – والقط ذو الحذاء الطويل وغيرها….
وأما الإنكليز فقد أصدر الكاتب الساخر (ناتار سويفت) قصته المشهورة (رحلات جوليفر) حيث أعدها (جون نيوبري) لتصبح في عداد أدب الأطفال وقصة دانيال ويغو المسماة (روبنسون كروزو) وهي تعد بداية للفن القصصي في انكلترا حيث تدعو إلى الصبر تجاه الشدائد  والتي حولها نيوبري أيضا لتلائم الأطفال كما أصدر الكاتب  الإنكليزي (سارلز تودج دودجس) الملقب بلويس كارول 1832 – 1898 قصة (أليس في بلاد العجائب) والتي لاقت شهرة عالمية وقد كان ينطلق على سجيته مع الأطفال ويقص عليهم أمتع الحكايات.
وأصدر (أندرسن) كاتب الأطفال الدنماركي مجموعة من القصص والحكايات فلاقت إقبال الأطفال في كل بلدان العالم حيث تمت ترجمتها إلى أكثر اللغات.
وفي أمريكا بدأت أشعار الأطفال وأدبياتهم تتحدث البطل والقوة على يد الأديب (بول بنيان) والمغامرات على يد الأديب (هارس) ومنذ عام 1876 بدأ الاهتمام بأدب الأطفال بشلك جدي حتى وصل عدد دور النشر التي تهتم بأدب الأطفال إلى أربعمائة وعشر دور في عام 1930 وبلغ مجموع ما صدر للأطفال في أمريكا ما يزيد على مئة ألف كتاب للأطفال وهي قرابة 30% مما صدر من كتب الأطفال عالمياً، علماً بأن أطفال أمريكا لا يزيد عددهم على أطفال الوطن العربي وكتباً لا تصل إلى أربعة آلاف كتاب، وهذا وإن أفضل إنجاز قام به الأمريكيون في ميدان الأطفال أخيراً هو التحول من إصدار الكتب ذات الأغلفة الورقية الخفيفة إلى الكتب السميكة  الغلاف والملونة بألوان جذابة، ومما هو جدير بالذكر أن أمريكا ومنذ عام 1964، قد عينت مستشاراً لكتب الأطفال في مكتبة الكونجرس وكانت السيدة (زيلا جاكويش) أول مستشارة لكتب الأطفال في الكونجرس، ومن أشهر لكتب الأطفال أخيراً في أمريكا الكاتبة والشاعرة (هاربيت بيتشر ستاو)، وفي الصين أيضاً قديماً  وحديثاً كان ثمة اهتمام بهذا الأدب، وقد حقق هؤلاء امتيازاً ملحوظاً في رقة الأسلوب وصدق العاطفة ووضح المعنى رغم أن هذا الأدب بدأت انطلاقته في النصف الثاني من القرن العشرين، وكان من رواده وأهم شخصياته (ليوهوسن) الأشبه بمكسيم غوركي في روسيا وفي الهند أيضاً كان الاهتمام عظيماً بالطفل وأدبه بدءاً من حكايات (البانجا كنترا) أو خزائن الحكمة الخمس وهي قصص شعبية إلى أن حدثت انعطافة حادة بظهور الشاعر العظيم (طاغور) وغيره.

نشأة أدب الأطفال في الوطن العربي:

أما في الأدب العربي فغننا نكاد لا نجد فيه قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر ما يصح أن نطلق عليه “أدب الأطفال” بمعناه المعروف في وقتنا الحاضر ولكننا مع ذلك نجد في ثنايا الدب العربي على امتداد العصور ألواناً قليلة قد تصلح لبعض مراحل الطفولة لنها جاءت مصورة للأحداث والتجارب في أسلوب قصصي، وأريد بها التسلية والفكاهة.
أو قصد بها إغراء العوام بالاستماع فجاءت في الغالب دون قصد من وضعها صالحة للأطفال في بعض الأحيان.
أيضاً من الألوان الأدبية التي توجه بها الكبار إلى الصغار منذ العهد الجاهلي، مثل الترانيم الشعرية التي كانت الأمهات يرقصن بها الصغار والحقيقة هنا أن الطفل لا يدرك مرامي ومعاني هذه الأشعار، إنما يتأثر بموسيقاها التي تبعث في نفسه الإحساس  بالجمال منذ الصغر.
وهكذا عاش الأطفال على أدب الكبار، وأريد التماس المثل فيما لا يدركون في أغلب الأحوال، فشق عليهم ذلك حيناً وأساءهم  حيناً آخر ووجد فيه الغذاء الصالح للنفوس في قليل من الأحيان  حتى كانت النهضة الحديثة حيث وجد الأدباء والمتصدون للتربية نماذج منه في الآدب الأجنبية، ووجدوا قصصاً ومسرحيات وأشعاراً يستسيغها الأطفال في حداثة السن فترجموا وعربوا وألفوا وشهدت مدارس سورية ولبنان مسرحيات، فألف خليل اليازجي (مروءة ووفاء) وعرب محمد عثمان جلال (العيون اليواقظ) على لسان الطير والحيوان عن كتاب لافونتين وتبعه من بعده شعراء وضعوا أشعاراً على لسان الطير والحيوان مناسبة لأطفال وكان منهم إبراهيم العرب الذي وضع كتابه (آداب العرب) سنة 1912 وتبعه شوقي بشعره على لسان الحيوان والطير، ثم أقبل المؤلفون على خرافات (أيوب) يستعيرون من قصصها ما يلائم بيئتنا واتجاهاتنا، ومن أكثر الشعراء اتجاهاً إلى نظم الشعر للأطفال الشاعر (الراوي) فقد نظمه في موضوعات مناسبة لمداركهم تدور حول الحيوانات الأليفة وللآباء والأمهات والأخوة ومن إليهم واختار له اللغة السهلة والوزن المناسب ما جعله بحق رائد الشعر للأطفال ظهر بعضها قبل ان تظهر أعمال كامل كيلاني، ثم كتب بعض المسرحيات التي نشرت في أواخر العشرينات وامتد بها تاريخ النشر إلى أواخر الثلاثينات .
أما القصص فقد كان رائد المؤلفين فيها كامل كيلاني سنة 1931 كما كان رائداً في الشعر أيضاً وتلاه سيعد العريان محمد محمود رضوان، وهذه الأعمال تعد وثبة جادة في طريق العناية بالطفل وإعداد أدب خاص به غير ان بعضه لا يسلم من النقد لنه وضع على غير أساس من علم النفس فجاء بعيداً عن تحقيق الأهداف.
ولهذا فالدكتور الهيتي يرى في كتابه أدب الأطفال أنه لي في تراثنا الأدبي رغم ثرائه ما يمكن أن نسميه أدب الأطفال وما تناقله الأطفال  من قصص وحكايات شعبية كان كئيباً، لما ينطوي عليه من حكم ومواعظ وأمئولات قاسية.
ولهذا فأدب الأطفال جديدة على الآداب العالمية كلها حيث لم يعن به أحد وفق الصيغ الحاضرة إلا بعد ظهور علم نفس الطفل والنظريات التربوية الحديثة.
وفي الوطن العربي لم يتبلور أدب الأطفال بعد رغم تزايد الاهتمام بأدب الأطفال وفي أكثر بقاع الدنيا ولم تظهر له شخصية متميزة وذلك يعود إلى:
طغيان النظريات التربوية التقليدية التي ترى في الطفل رجلاً صغيراً.
بالإضافة إلى أنه المجتمع كان مجتمع رجل قبل كل شيء.
والاهتمام بالثقافة والإعلام هو ظاهرة حديثة  نسبياً في مجتمعنا المعاصر.
وأهم ما أدب الأطفال هو أنه يراعي في الطفولة خصائصها باعتبار الطفل كائناً صغيراً له دوافعه وميوله، وخيالاته، وقدراته، وهذا ما تفتقر إليه التربية التقليدية، وهنا يجب أن نفرق بين الاتجاه الخاطئ كما لاحظنا وبين البدايات الجادة السليمة التي أسهمت في وجود أدب الأطفال وبوجه عام فإن كل ما وصل إلى أذهان وأخيلة أطفالنا ينبع من مصدرين:
الترجمة عن بعض اللغات وخاصة الإنكليزية والفرنسية.
تبسيط بعض الحكايات العربية المستمدة من تراثنا الأدبي.
وفي السنوات العشرين الأخيرة تقدم وعي كتاب أدب الأطفال مرة أخرى وكان أول شيء اهتموا به هو التسلح بالثقافة العامة وبعلم النفس والتربية ومعرفة الطفل نفسه واحترام شخصيته وأضافوا إلى ذلك النضج السياسي، فأدركوا أن كاتب الأطفال يجب أن يكون واعياً سياسياً لكي يتمكن والإسهام في بناء شخصيات الأطفال مع المدرسة والبيت والمجتمع، ولم يهملوا أمور التربية والتعليم، والأخلاق والمثل العليا القومية والإنسانية، واهتم عدد كبير منهم بربط الماضي بالحاضر من جهة وبالمستقبل من جهة أخرى.
ومن هنا برز اهتمامهم بالتراث القومي العربي بصورة خاصة وعلى هذا النحو فرض أدب الأطفال وجوده وأقر المسؤولون بهذا الوجود واعترف به اتحاد الكتاب العرب رسيماً فأعلن عن تشكيل جمعية خاصة بهذا الأدب، وبذلك وجب على الكتاب أن يزيدوا من ثقافتهم ووعيهم وأن يبحثوا عن أصول هذا الأدب القديمة وعن منابعه الحديثة أيضاً فكان البحث في المكتبة العربية الغنية في تراث يمتد تاريخه إلى أكثر من أربعة عشر قرناً، وأخذوا ينهلون من الموضوعات القديمة التي تحمل فيهم الأجداد ومثلهم العليا وبطولاتهم ليضفوا عليها من روحهم الحديثة وليوظفوها في خدمة الظروف الحالية، ورغم هذا التقدم في اختيار الموضوعات من التراث نعتقد أننا ما زلنا مقصرين وأن كتاب أدب الأطفال في العالم قد استفادوا واستفدنا نحن من هذا التراث، فقد عرف أطفال العالم حكايات ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وعلي بابا، والسندباد وغيرها أكثر مما عرفها أولادنا.
وقد دخل ميدان أدب الأطفال مؤلفون معروفون وشعراء كبار، وهذا كسب لأدب الأطفال وفي وسع أطفالنا أن يعرفوا ماضيهم وقيم أجدادهم ومثلهم العليا، وأن يقرؤوا أساطيرهم القديمة أو يروها على الشاشة الصغيرة والكبيرة..

المصدر مجلة المعلم العربي/ العدد الثاني 2009

عن دار جسور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*